الولايات المتحدة الأمريكية: “كيف تمكن هذا المسخ من الفوز”؟

بلا حدود10 نوفمبر، 2016

على الساعة التاسعة ليلا يوم 9 نوفمبر، بتوقيت سويسرا، حصل ترامب على 279 صوتا من أصوات الناخبين الكبار مقابل 228 لكلينتون. وفي مجلس الشيوخ، حاز الجمهوريون أغلبية  بـ 51 عضوا مقابل 47 للديمقراطيين. وفي مجلس النواب بلغ عدد مقاعد الديمقراطيين 193 مقابل 239 للجمهوريين (نيويورك تايمز)

في وقت ليلي متأخر،علق بالشبكات الاجتماعية العديد من قراء Socialist Worker ممن لديهم أطفال انهم أناموا أطفالهم مطمئنين إياهم أن المسخ لن يفوز في الانتخابات. وكانوا يخشون أن يضطروا إلى شرح كيف يمكن أن يحصل “ذلك”.  نعلم جميعا كيف  يشعرون.

يعبر فوز دونالد ترامب عما بلغ النظام السياسي الأمريكي من اضمحلال بعد عقود من الحكم الأوليغارشي للحزبين. يتعلق الأمر برجل ذي صلات مع اليمين العنصري المتطرف، ونرجسي مرضي ارتمى في سباق الانتخابات الرئاسية وهدفه حفز علامته الإعلامية. وهو يرعب ويثير اشمئزاز ملايين أعضاء الطبقة الكادحة، وأيضا أغلبية من الطبقة السائدة الأمريكية.

ومع ذلك فاز بالانتخابات إلى الرئاسة الأمريكية.  يا لها من شهادة لـ”أكبر ديمقراطية في العالم”!

تلزم أيام وأسابيع لاستيعاب مجمل مستتبعات انتخاب دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية. ما من أحد كان يرتقب نجاح ترامب في انتخابات الجمهوريين التمهيدية، ويمكن قول الشيء عينه بخصوص انتخابات الرئاسة. لا شك أن هذا الفوز سيقلب على نحو يستحيل توقعه السياسة الداخلية والخارجية للولايات المتحدة الأمريكية.

في الأسابيع المقبلة، ستتناول تعليقات كثيرة كيف تبرهن هذه الانتخابات على ان الولايات المتحدة الأمريكية يمينية ومتخلفة على نحو عضال. على الأرجح يكمن فوز ترامب في اعتماده على النزعة الوطنية، وتحقير  المهاجرين وكذا كرهه للمسلمين.

لقد حفزت حملة ترامب اليمين المتطرف، وعلى اليسار ان يحدد كيفية مواجهة هذا الوضع.

إن كنا نسعى إلى رفع هذا التحدي وبناء يسار أقوى، فعلينا توضيح أسباب هذه النتيجة المرعبة. ستسعى صحيفة Socialist Worker أولا إلى تناول هذه المسائل بكل ما تستدعي من عمق في الأيام المقبلة، لكن ثمة استنتاجات باتت جلية.

*****

بعد التخلي عن منظور بعث الثقة، ولو بنداءات خطابية، لدى قاعدة الحزب الديمقراطي الأكثر ليبرالية للتمكن من ازاحة أصوات المحافظين المعتدلين، وحتى المتأصلين، فتحت هيلاري كلينتون جادة لترامب كي يتمكن من تأكيد ان برنامجه الرجعي سيفيد أغلبية الناس الذين يركد وضعهم أو يتدهور، حتى في حقبة “انتعاش اقتصادي”، بعد  الانحسار الكبير (2007-2009)

ساندت قاعدة الحزب الديمقراطي الليبرالية كلينتون. فحسب استطلاعات الرأي عند الخروج من مكاتب الاقتراع، حصلت على 88% من أصوات  السود و 65% من أصوات اللاتينيين.  ان الناخبين المتقلبين الذين كانت كلينتون تغازلهم هم من بقوا إلى جانب ترامب.

قد يخسر ترامب التصويت الشعبي لكن فوزه مضمون من قبل الهيئة الناخبة [:كبار الناخبين”] غير الديمقراطية الراسخة في الدستور من قبل مالكي العبيد، ما يمنح تأثيرا مبالغا فيه للولايات القروية [ عند فرز 99% من الأوراق كانت كلينتون متقدمة قليلا (037 679 59 صوت أي 47,7%) على ترامب (959 472 59 صوت أي 47,5%) . في العام 2012 حصل أوباما على نسبة 51,1% من مجمل الأصوات (795 915 65 صوت) مقابل 47,2 %  (60’933’504) لميت رومني.  وحصل غاري جونسون على 4’042’450 صوت (3%)، ومرشحة الخضر جيل ستاين على  1’207’104 (1%) وباقي المرشحين على 801’847 (0,7%) .

ولكن، بعد كل ما نعلم عنه بعد هذه الحملة، كيف أمكن أن يصوت الناس لصالح ترامب؟

وعوده بالوقوف الى جانب “الناس البسطاء” أكاذيب وقحة تحجب برنامجا سيساعد 1%  الأغنى بتخفيضات في الضريبة وإجراءات مماثلة. لكن وعد كلينتون بمواصلة وضع قائم غير قابل للتحمل لم يكن يبدو بديلا حقيقيا بأنظار الناس المنهكين.

كادت حملة برني ساندرز اليسارية في انتخابات الديمقراطيين التمهيدية تطيح كلينتون بنداءات إلى العمال لتحدي ما كان يسميه “طبقة أصحاب الملايير”. عملت كلينتون، التي كرست كل مسارها السياسي لإرضاء تلك الطبقة، لإقبار رسالة ساندرز. وبدلا عن مواصلة “ثورته السياسية” تخلى ساندرز عن معارضته ليعيد تجميع الدعم لصالح هيلاري كلينتون.

انتقدت كلينتون، وساندرز وكذا معظم  المؤسسة السياسية، حتى بعض الجمهوريين، اقوال ترامب المشينة. لكن ما داموا لم يعترفوا قط  بالمظالم الاقتصادية الحقيقية التي بنى حولها حملته، تركوا المجال لترامب كي يوجه المرارة نحو البحث عن أكباش فداء ونحو تأجيج المخاوف. لكن حتى عندما عارضت كلينتون عنصرية ترامب، وحقده على النساء، وهجماته على المهاجرين، وكرهه للمسلمين، كان ذلك أجوفا. تتحمل كلينتون، باعتبارها تجسيدا للمؤسسة السياسية لواشنطن، المسؤولية –المباشرة في الغالب- لسياسات أدت إلى السجن الكثيف للأمريكيين من أصل أفريقي، والإبعاد الكثيف للمهاجرين وكذا الحروب بلا نهاية في افغانستان والعراق التي اذكت التعصب ضد العرب والمسلمين.

*****

كانت العنصرية مركزية في حملة ترامب، منذ خطاب إعلان ترشيحه حيث قدم المهاجرين المكسيكيين كمغتصبين. إن كان مؤكدا أن المتعصبين في “اليمين البديل” المزعوم قد كانوا عنصرا هاما  في دعم ترامب، فإن العنصرية وحدها لا تفسر سبب ابتعاد الولايات التي صوتت لأوباما في 2008 و2012 عن الديمقراطيين.

يعيش بعض هؤلاء الناخبين في ولايات توقعت كلينتون الفوز بها، من بنسيلفانيا وويسكونسن التي سجل بها ترامب نقطا بفضل حجته التي مؤداها أن العمال الأمريكيين يفقدون فرص العمل بسبب معاهدات دولية للتبادل الحر وكذا بسبب تنامي الهجرة. انها كذبة اخرى سخيفة. لكن الحقيقة – التي مفادها أن المصاعب الاقتصادية المتنامية ناتجة عن تصاعد التفاوت المفيد لـ 1%- ليست أمرا تريد كلينتون اتخاذ موقف بشأنه.

كانت السخرية الرهيبة لهذه النتيجة أن كلينتون والمؤسسة الديمقراطية كانا يتوقعان أن يكون ترامب افضل معارضيهم. انه مهرج، وهو مغال في التطرف على نحو يستحيل انتخابه بنظرهم.  كل ما كان على كلينتون أن تفعل  لهزم ترامب هو ان تظهر “وجها رئاسيا” وتمجد “تجربتها”، وأنها كانت “مهيأة”.

لكن  مجموعات خبراء الحزب الديمقراطي لم تفهم ما جرى في أثناء السنوات الثمانية لحكم أوباما، لما كان الرد على “الانحسار الكبير” هو إنقاذ  البنوك بمضاعفة  الالتزام  بالنيوليبرالية والتقشف، بالاقتطاع  من أجل ضمان “توازن” الميزانية على حساب الشغيلة.

لقد تدهورت شروط حياة ملايين الناس العاديين أو ركدت في الولايات المتحدة الأمريكية. هكذا لما كان ترامب  يندد بزوال فرص العمل بأجور لائقة، ويتهم كلينتون والحزب الديمقراطي بإلقاء  الناس إلى التهلكة، اعتقد قسم من السكان، مخطئين فعلا لكن بشعور استعجال، أن ثمة من يفهم معاناتهم.

كان رد هيلاري كلينتون على وعود ترامب باستعادة عظمة أمريكا بقولها: “مهلا، أمريكا هي عظيمة اصلا”.

لحظة وضع الورقة في الصندوق، لم ينظر عدد كاف من الأشخاص بالولايات الحاسمة الى الامور نفس النظرة.  لقد قرروا  معاقبة  المسؤولة السياسية للمؤسسة لصالح المنافس.

*****

لقد صدمت هذه النتيجة حكم أهم وسائل الإعلام. ستكون ثمة إذن معركة لإيجاد أجوبة  بسيطة ترمي  إلى تفسير انتخابات العام 2016: سكان محافظون جوهريا، وعنصرية العمال البيض الراسخة، وحتى تأثير جيل ستاين، وحزب الخضر، الذين اقترفوا “جرم” التأكيد بالضبط على أن الشر الأعظم لا يمكن وقفه بمساندة  الشر الأهون.

يجب أن نرفض هذه التفسيرات البسيطة. إن أحد أعظم  التحديات بوجه اليسار هو تفسير ما جرى في كل تعقيداته.  لكن ثمة تحديات جديدة أمامنا.

كان اليسار الجذري قد حذر، متحديا  الدعوات إلى الاعتدال الصادرة عن الليبراليين، إلى أن اليمين قد تعزز بالترامبية وأنه يجب مواجهتها.  لكن لا يمكننا ان نترك  الأشخاص الذين يتحملون مسؤولية هذا البازار يتهمون المتعصبين الرجعيين. يجب على هيلاري كلينتون وباراك أوباما والحزب الديمقراطي تفسير لماذا لم يكن لديهم أي بديل لتعيين ترامب أكباش فداء.

منذ اليوم تنتظرنا مهام عديدة: بناء بديل يساري حقيقي  يعترف ببؤس ومعاناة الكثير من الناس، ومواجهة هذه الشروط سياسيا  وعمليا ، وبناء منظمات قادرة  على قلب الاتجاه.

إن عدد كبيرا من الناس باتوا مرعوبين من ترامب ومستعدين للفعل لإبراز معارضتهم. وأكثر من هؤلاء  سيتجرؤون لمواجهة الأفعال المشينة  لثري متغطرس مغال – انه درس كل انتصارات  اليمين في الانتخابات الاخيرة.  اخيرا  سيفهم أخيرا بعض بالأقل ممن صوتوا  لترامب  انهم يكرهون ما يمثله.

حاليا يجب ان نبني هذه المقاومة من صفر. والخطوة الأولى هي فهم دروس مستتبعات هذا الانتخاب ومواجهته بصدق. انطلاقا من هذا  بوسعنا أن نتقدم.

مقال افتتاحي بموقع Socialistworker.org

نص بالفرنسية  بموقع  alencontre.org

ترجمة إلى العربية : المناضل-ة  

شارك المقالة

اقرأ أيضا