رسالة مفتوحة إلى سعد الدين العثماني: لا تعتذر على ما لم تقترف يداك

Print Friendly

 

 

استمر النضال الشعبي بمنطقة الريف مدة ثمانية أشهر، منها ثلاثة أشهر من توليك مسؤولية حكومة واجهة الحكم الفردي، وطيلتها بلعت لسانك. ولم تكن تملك إلا بلع لسانك، لأن السلطة الفعلية لا توجد في مقر وزارتك، ولا تضمنها الصلاحيات التي أقرها دستور العبيد لعام 2011 وطبلتم لها شرقا وغربا وجعلتموها عماد “إصلاح” يحفظ “الاستقرار”.

كان حزبكم طوقا من أطواق النجاة التي هبت لنجدة نظام الفساد والاستبداد في غمرة الهزات الثورية التي شهدتها المنطقة، وكنتم كما صرح الأمين العام لحزبكم هبة من السماء للملكية، وقبلتم أن يكون حزبكم خرقة يمسح بها لطخ وحل الهجوم على الكادحين وحرمانهم من العيش الكريم.

تحملتم مسؤولية استئناف الهجوم على قوت الكادحين، بعد توقف اضطراري بسبب الحراك الشعبي والسياسي لـ 20 فبراير، تحملتم مسؤولية رفع الأسعار والهجوم على الوظيفة العمومية وضرب حق الإضراب وتمرير قرار اقتطاع اجور المضربين عن العمل لدى الدولة، بل ودافعتم عن ذلك بشتى الحجج وسعيتم لإقناع الكادحين أن ذلك هو ثمن “الاستقرار” وكان ذاك هو “الإصلاح” الذي وعدتم به، إصلاح “عفا الله عما سلف من فساد” واستقرار رسخ ركائز الاستبداد.

بعد ست سنوات من تحمل حزبكم مسؤولية شن الهجمات التي تقررها للسلطة الفعلية للبلاد، وتترك لكم جريرة التنفيذ، هبت أكبر موجة نضال اجتماعي شهدها المغرب، وتجاوز هذا النضال تحميل مسؤولية الأوضاع لحكومتك التي لا تمثل إلا شبحا لحجب الحكومة الفعلية، بل جهيضا لشبح حكومة كانت نتاج سعي النظام لإغلاق قوس تنازلاته أمام حركة 20 فبراير.

واجه النضال الشعبي بالريف الحكومة الفعلية والسلطة الحقيقية بالبلاد، ورفض أن يحاوركم، وأذل وزراء حكومتكم في شوارع مدن الريف وقراه، فهو يعرف كما تعرفون أنتم أن القرار الحقيقي يوجد في يد الملك، وليس في يد وزير لا حول له ولا قوة.

لا شك أنكم أحسستم بالذل والهوان وأنتم مدفوعون إلى منطقة الظل، أمام استفراد أم الوزارات بأمر احتجاجات الريف، وأحسستم بالمذلة أكثر أمام صواعق غضبة مالك السلطة الفعلية، وهو يلومكم على أمر لم تكونوا تملكون منه ولو ذرة مسؤولية.

إن الإحساس بالهوان والمذلة هو أقل ثمن يمكن أن تؤدوه أنت وحزبك مقابل خدمة الاستبداد، وغضبة حكم الفرد ليس إلا نزرا قليلا أمام ما ينتظركم من غضب الشعب، حين يتسلح بالتنظيم ويعم نضاله كل البلد، آنذاك ستعرفون وسيعرف الاستبداد أن غضبة الشعب لن ترحم مستبدا ولن تعفو عما سلف.

تأسفتم عما وقع يوم العيد، ووصفتموه بالعيد الأسود، والسواد بريء من جرائم نظام تهشيم الجماجم وفقأ العيون، إن أسفكم لن يعيد الكرامة لذلك الذي نزلت على جمجمته هراوة رجل قمع يحمل في صدره غل وحقد نظام مجرم على شعب هب لاعتناق الحرية.

لذلك لا تتأسفوا على ما لم تقترفه يدكم، فالنظام هو الذي يتحمل هذه المسؤولية، ولا تلطخوا وجهكم بمزيد من وحل تبرئة النظام من جرائمه.

لم تكتفوا بهذا الوحل، بل زدتم أنفسكم وحل تحميل الجماهير مسؤولية أحداث العنف، عندما عبرتم عن أسفكم لما حل برجال القمع من إصابات، وكأن الجماهير بمدينة الحسيمة، أصابتهم عن سبق إصرار وترصد. وتغافلتم عن الأيادي المرفوعة إلى الأعلى إشارة إلى عدم رغبة الجماهير في الاصطدام مع رجال القمع، وأصبتم بالصم عندما رفضتم سماع شعار “سلمية، سلمية”، وأغمضتم أعينكم عن جرائم قوات القمع في تخريب ممتلكات الشعب وترويع الساكنة ليلا، حتى بعد الغضبة وأيضا بعد إبدائكم أسفكم.

وإن كان ضميركم، إن كانت صنوف المذلة والهوان التي انزلتها عليكم يد الاستبداد قد تركت لكم ضميرا، لا يسمح لكم بقبول الضرر الذي يلحق المواطنين وكذلك “القوات العمومية”، فإن جماهير الريف أحرص منكم على سلمية نضالاتها، بينما نظام الحكم الذي تخدمونه، لا يذخر أوسخ وأقذر الوسائل ليستثير عنف الجماهير قصد تبرير عنف أشد تجاهها.

لم تكتفوا بوضع عنف رجال القمع على قدم مساواة مع دفاع الجماهير عن نفسها من خلال رشق متناثر بالحجارة، بل كنتم شاهد زور على قضاء الاستبداد، وقلتم بالحرف بأن “هناك ثقة في القضاء، كما أن الملك أعطى توجيهاته لضمان احترام المحاكمة العادلة وأن يكون هناك تفاعل إيجابي مع أي شكاية للتعرض للتعذيب من طرف المختصين”، متغافلين أن المعتقلين لم يرتكبوا جريرة تستدعي اعتقالهم، وبالتالي فإن ثقتك في قضاء الاستبداد لا محل لها من الإعراب، أمام طلب إطلاق سراح أسرى النضال الشعبي بالريف..

وهل هناك شهادة أكثر تعبيرا عن التعذيب مما اقترفت أيادي رجال القمع يوم العيد. إن كنتم تملكون ذرة ضمير دفعتكم لإبداء التأسف، فعليها بالأحرى أن تحو بكم لتقديم استقالتكم من مسؤولية تبرير جرائم الاستبداد، لكنكم تدركون تمام الإدراك أن هذه الخطوة ليست طوع إرادتكم، بل طوع نظام الحكم الفردي الذي وضعكم في ذلك المنصب.

وفي الأخير لم تملكوا من حل “للملف” كما تسمونه، إلا دعوة الساكنة لتوفير “جو من الهدوء لإنجاح إنجاز المشاريع على مستوى الأرض”، أي دعوة الجماهير لترك النضال والعودة إلى حظيرة الطاعة وزريبة العبودية، وترك تدبير السياسة للجان يعينها المسؤول عن الوضع الذي أخرج الساكنة إلى الاحتجاج، وهذا يعني العودة إلى ما قبل أكتوبر 2017.. أنتم تحلمون يا  “رئيس الحكومة”.

إنكم بدعوتكم الجماهير إلى توفير جو من الهدوء، تكملون فقط عمل أجهزة القمع، وتطلبون من الجماهير أن تقوم بما لم تستطع الهراوة المهشمة للجماجم أن تجبر الجماهير على فعله: الهدوء والقبول بالأمر الواقع من جديد.

وفي الأخير، وبقصد طمأنة الجماهير، “تعهدتم” بكل ما تملكون من “ثقة في النفس”؛ “بتقديم كافة الضمانات للرفع من وتيرة الإنجاز ليلقى المواطنون صدى لهذه المشاريع”.. إنكم يا “رئيس حكومة لا تحكم” تضحكون على ذقون الجماهير، فما هي الضمانات التي تملكها حكومة سبق ونعتها بنفسك بهذا الوصف “الحكومة التي أترأسها مثل عظم، نزع عنه اللحم والجلد”، وطبعا فأهل مكة أدرى بشعابها.

إن الجماهير لا تحتاج تأسفكم فهو لن يداوي جراح أبنائها المعذبين في الشوارع ومخافر الشرطة، ولن يطفئ جذوة حزن أمهات حرمن من فلذات أكبادهن يوم العيد.

إن الجماهير لا تحتاج ضماناتكم، فأنتم لا تملكون حتى ضمانة بقائكم على كرسي “رئاسة الحكومة” ساعة واحدة، الجماهير تثق فقط في وحدتها وصمودها، في تنظيمها الذاتي وتضامن باقي الكادحين في كل ربوع الوطن.

غدا ستتدفق الجماهير في كل شوارع البلد، وعندما يلتحق العمال بقوتهم الطبقية ويتخلصون من القيود التي تغل أياديهم من بيروقراطيات نقابية، تملكون نصيبكم فيها، آنذاك ستظهرون على حقيقتكم، ولن تتورعوا على إبداء ليس تأسفكم على قمع الجماهير، بل ستلومون قوات القمع على قلة شراستها.

إن الثورة التي ترتعدون منها قادمة لا محالة، وما نضال الجماهير الكادحة بالريف، إلا تمرين أولي، لما سيحدث غدا في كل ربوع البلد.. خذوا تأسفكم وضماناتكم فهي لن تثني الجماهير على الانتفاض.

وكل غد لناظره قريب

أزنزار