الحراك الشعبي والعمالي مستمر  في إمنتانوت نواحي مراكش على خطى الريف المكافح

Print Friendly

    امنتانوت بلدة تنتمي إداريا  إلى إقليم شيشاوة، ضمن جهة مراكش أسفي، وتقع  على بعد 117 كلم غرب مدينة مراكش، على الطريق الوطنية الى اكادير، يقطنها زهاء 21 الف نسمة  (إحصاء 2014).

   يعاني معظم سكان إمينتانوت من أوضاع إقتصادية وإجتماعية مزرية بسبب التهميش الممنهج على جميع المستويات،  مثل مناطق شاسعة بالمغرب نتيجة السياسات النيوليبرالية المفروضة من طرف المؤسسات الرأسمالية العالمية (صندوق النقد الدولي والبنك العالمي ومنظمة التجارة العالمية)عبر آلية الاستعمار الجديدة :المديونية. هذه السياسات التي يطبقها  حكام المغرب بقفاز مؤسسات زائفة منذ الاستقلال الشكلي.

رغم وجود  مناجم سكساوة، و التي بدأ استغلالها منذ مطلع سنوات 1960، لم يظهر على المنطقة أي آثر للتنمية، حيث تستفيد من ثرواتها شركة خاصة لرأسماليين مغاربة.  هكذا تنعم أقلية بالثروة وتكابد غالبية السكان شظف العيش من جراء  التهميش والبطالة والفقر والعزلة القاتلة وغياب أبسط شروط حياة لائقة.ما ولد إحساسا بالحكرة لدى الجماهير الشعبية والعمالية بالمنطقة. بعد عقود من القهر، في ظل الاستبداد و الفساد، شهدت المنطقة إنتفاضة اجتماعية سنة 2008، تعاملت الدولة مع الإحتجاجات في تلك المرحلة بطريقتها المعهودة وهي الترهيب والقمع السافر بالإضافة الى متابعة مجموعة من المناضلين قضائيا، لتستمر الدولة في نفس سياستها تجاه المدينة وذلك بزرع التخويف في أواسط السكان وبتحريك تلك المتابعات في فترات متفرقة كلما بدأ تململ نضالي. ومع صعود مع الانتفاضات الثورية منذ سنة 2011، وبالمغرب في اطار حركة 20 فبراير المجيدة، تحفزت الإحتجاجات بامنتانوت، وابتدأت بإعتصام بطولي للسكان بالشارع العام ومسيرات إحتجاجية جماهيرية حاولت الدولة مرات عديدة اخمادها بتقديم وعود فارغة بالشروع في تنفيذ  مشاريع رفع الاقصاء والاهمال عن المنطقة لكن دون لنتقال إلى الفعل.

   هذا الصعود النضالي المستمر لكادحي مدينة امينتانوت قابلته الدولة بسياسة التماطل واللامبالاة والوعود الزائفة تجاه المطالب الاقتصادية والاجتماعية التي يرفعها السكان، ما زاد من درجة الإحتقان الشعبي وخصوصا بعد تسجيل مجموعة من الوفيات في سنة 2016 قرب المركز الصحي الوحيد بالمدينة. هذا المركز  حيث تنعدم أبسط شروط التطبيب. ومثل هذا حافزا قويا لموجة جديدة من الإحتجاجات الاجتماعية ضد الأوضاع الصحية المتردية  الناتجة عن التقشف في الانفاق الصحي العمومي، وتحويل خدمات الصحة الى تجارة يغتني منها برجوازيون ، وذر الرماد في أعين الكادحين بترقيعات نظام رميد الهزيل.

أزيد من سنة على بدء احتجاجات من أجل مستشفى

  استأنفت الاحتجاجات العمالية والشعبية بمدينة امنتانوت، في سياق مطبوع بتنامي النضالات الاجتماعية بالمغرب على خلفية الحراك الشعبي الذي تعرفه منطقة الريف، وكذا باعتبار منطقة امنتانوت من المناطق المنكوبة اجتماعيا، ناضل السكان من أجل مطالب اجتماعية واقتصادية.

شهدت السنة الماضية احتجاجات عارمة لأزيد من أربعة أسابيع من أجل نفس المطالب وعلى رأسها بناء مستشفى محلي متعدد التخصصات، انتهت بوعود سرعان ما تبخرت وطواها النسيان بمجرد خلو الشوارع من الاحتجاجات.

تأجج السخط الشعبي هذه السنة في البدء بسبب غلاء فواتير الماء الصالح للشرب بعد إضافة قيمة استغلال التطهير السائل، وتحصيل مقابل عنها من مواطنين غير مزودين بالخدمة أصلا، ما زاد المبلغ الإجمالي للفاتورة بنسبة فاقت %50. اثارت هذه الزيادة سخط السكان، وتم تأسيس “لجنة متابعة الشأن المحلي بامنتانوت” التي نظمت احتجاجات عارمة أمام مقرات الباشوية وإدارة المكتب الوطني للماء الصالح للشرب والمجلس الجماعي للتنديد بغلاء فواتير الماء الصالح للشرب والمطالبة بإلغاء هذا القرار.

بعد موجة الاحتجاجات الشعبية المستمرة لسكان امنتانوت،ـ وكان اقواها تنفيذ اضراب عام مرفوق بمسيرة احتجاجية حاشدة يوم الجمعة 9 يونيو 2017 بتأطير من طرف ” لجنة متابعة الشأن المحلي بامنتانوت” ضد غلاء فواتير الماء الصالح للشرب ومطالب اخرى، سارعت السلطات المحلية بالمدينة إلى  محاولة احتواء الوضع بإعلان الاستجابة للمطلب، عن طريق حلول ترقيعية التفافية، وذلك بإعلان تأجيل فوترة التطهير السائل بالنسبة للمنازل التي لا تستفيد من الخدمة إلى حين ربطها بشبكة التطهير الرئيسية، بمبرر أن عددا كبيرا من المطالبين بأداء تسعيرة التطهير السائل لا يستفيدون من هذه الخدمة.

رغم الأساليب الالتفافية على المطالب التي قامت بها السلطة، ورغم تجييشها جميع الوسائل لكبح الأشكال الاحتجاجية، استمرت نضالات السكان عبر تشكيل لجان الأحياء التي تعقد جموع عامة لنقاش البرامج النضالية وطرق التعبئة للخطوات النضالية، ووضع ملف مطلبي اجتماعي واقتصادي شامل وتنفيذ خطوات نضالية تصعيدية نوعية.

 نظم إضراب عام ثان يوم 16 يونيو 2017 مع مسيرة احتجاجية حاشدة تحت شعار “جميعا من أجل رفع الاقصاء والتهميش عن امنتانوت”، للتنديد بالأوضاع الاجتماعية والاقتصادية المزرية، والمطالبة بتنمية حقيقية للمنطقة: رفع التهميش والاقصاء الذي يعاني منه السكان، توفير الماء الصالح للشرب، إسقاط تسعيرة التطهير السائل، البنية التحتية، فرص الشغل للشباب العاطل عن العمل، بناء مستشفى متعدد التخصصات..

شاركت في المسيرة مختلف الفئات والفعاليات والمناضلين والمناضلات وساكنة المنطقة، انطلقت من وسط المدينة في اتجاه شارع المركز الإداري مرددين شعارات مختلفة تنديدا بالأوضاع المزرية، مؤكدين على تشبتهم بمطالبهم العادلة.

بعد نجاح الإضراب العام والمسيرة قامت لجان الأحياء، وككل مرة، بعقد جموع عامة لنقاش وتقييم الخطوات النضالية السابقة وتسطير برنامج نضالي مستقبلي. بعد ذلك يتم عقد جمع عام “للجنة متابعة الشأن المحلي بامنتانوت” تحضرة لجان الاحياء وتقرير تنظيم مسيرة يوم 29 يونيو والاستمرار في التعبئة المكثفة في الأحياء لإنجاحها.

   تنظيم مسيرة شعبية جماهيرية سلمية يوم 29 يونيو، كما العادة جابت أهم شوارع المدينة بتنظيم جيد من طرف اللجنة التنظيمية ولجنة الإشراف وجميع المناضلين والمناضلات والمشاركين/ات كاستمرارية لنضالات السكان لازيد من شهر من اجل تحقيق مطالب مشروعة لرفع التهميش و الاقصاء عن المنطقة والمطالب الآنية للساكنة هي: اسقاط تسعيرة التطهير السائل و مآل مشروع التطهير السائل الدي رصدت له أزيد من 12 ملايير سنتيم ولا وجود له على أرض الواقع، والنهوض بتنمية حقيقية للمنطقة في قطاعات التعليم و التشغيل و القطاع الاقتصادي و البيئي و الصحي ببناء مستشفى متعدد التخصصات.

 ولا زال نضال ساكنة إيمينتانوت مستمرا، إلى جانب كل كادحي المغرب وفي مقدمته كادحو الريف من أجل تحقيق العيش الكريم.

عودة عمال مناجم سكساوة بامنتانوت للاحتجاج

نفد عمال الشركة المستغلة لمناجم أيت حدو يوسف بجماعة سكساوة وعددهم 314، بدائرة امنتانوت التابعة لإقليم شيشاوة اليوم الخميس 15يونيو 2017 إضرابا مرفوقا بوقفة احتجاجية أمام مقر إدارة الشركة، احتجاجا على تماطل الإدارة في تطبيق محضر الاتفاق الذي جرى توقيعه على إثر إضراب سابق، حيث خاض العمال معركة (إضراب ووقفات احتجاجية بالمنجم وأمام مقر الشركة). وبعد تعنت إدارة المنجم في الاستجابة لمطالبهم، نقلوا المعركة إلى باشوية امنتنانوت وتعرضهم لحادث انقلاب سيارة نتج عنه كسر ليد أحد العمال والعديد من الاصابات، تم استدعاء العمال بعد حادث السير مباشرة من طرف قائد امنتانوت للقاء إدارة الشركة، لكن اللقاء لم يسفر عن شيء حيث اقترحت إدارة الشركة أداء أجور العمال المتراكمة لثلاثة أشهر بالتقسيط على دفعات لن تنتهي حتى شهر غشت 2017، ووعدت بالاستجابة لمطالب أخرى دون تدقيق، مثل توفير النقل للعمال…

رفض العمال عرض الشركة، وقرروا التوجه في مسيرة على الأقدام لمدينة شيشاوة للاعتصام أمام العمالة، ما فرض على عامل شيشاوة الإسراع بعقد لقاء بين الأطراف المعنية. خلص إلى توقيع محضر من طرف ممثلي العمال وممثل الشركة ورئيس الجماعة وقيادة سكساوة، حيث تمت الاستجابة لمطالب العمال والالتزام بجدول زمني محدد لتلبية أغلب نقاط الملف المطلبي للعمال: “صرف الأجور المتأخرة، والتعويض عن النقل والكراء، ونقل الحماية الاجتماعية للعمال والتعويضات العائلية إلى صندوق الضمان الاجتماعي، والالتزام بأداء الأجور شهريا في وقتها، الاستفادة من التأمين ضد الأخطار، وحوادث الشغل والمرض، الاستفادة من النقل، حيث أن عددا كبيرا من العمال يتنقلون على الأرجل لساعات وسط الجبال والطرق الوعرة للوصول للمنجم، التعويض عن الاشتغال بباطن الأرض…

تنصلت الشركة من الوفاء بالتزاماتها، باتثناء أداء أجرة شهرين من متأخرات الأجور وتحويل الاقتطاعات عن التغطية الصحية إلى صندوق الضمان الاجتماعي، ولم يتم تنفيذ باقي نقاط الملف المطلبي.

سبق لعمال منجم سكساوة في شهر غشت 2016  القيام بمعركة نضالية متمثلة في إضراب مفتوح عن العمل وتنفيد العديد من الاشكال النضالية لمدة 11 يوما بالرغم من استعمال رب العمل والسلطة لجميع الأساليب لكسر الاضراب، تمكن العمال من فرض التفاوض، بين ممثلين عن العمال من جهة وإدارة المنجم وممثلين من العمالة. وكانت أبرز نتائجه صرف أجور العمال العالقة على أشطر، وعدت إدارة المنجم بالاستجابة لباقي المطالب شرط استئناف العمل، ولم يتم توثيق هذا التفاوض في محضر مشترك. ومع مرور الوقت تراجعت إدارة المنجم عن وعودها وبدأت المماطلة من جديد وتشديد استغلال العمال.

هذا ما حدا بالعمال إلى الرجوع للنضال هذه السنة بشكل أشد قوة في إضراب ابريل 2017 بحفز من وضع نضالي استثنائي يعم الريف والاشكال النضالية التي رافقته، ما جعل السلطة تفرض على الشركة مفاوضة العمال وتوقيع محضر مشترك تلتزم فيه الشركة بتنفيذ جميع المطالب المتضمنة في الملف المطلبي بشكل تدريجي، لكن سرعان ما تراجعت عن تنفيذها وبدأت في المماطلة المعهودة..

مباشرة بعد اعلان العمال عن الإضراب يوم الخميس 15 يونيو، وشروعهم في تنفيذ الوقفة الاحتجاجية أمام إدارة الشركة المنجمية سكساوة، سارعت الإدارة بطلب ممثلي العمال للتفاوض، استجاب له العمال، لكنه لم يأت بجديد سوى وعود بأداء الأجور في الايام المقبلة الاثنين أو الثلاثاء، وفي مساء نفس اليوم جرى تفاوض آخر بامنتانوت مع رئيس الدائرة وقائد امنتانوت، وبعد اتصالات مطولة بين كل من عامل شيشاوة للضغط على مدير الشركة للاستجابة لمطالب العمال بتنفيذ بنود المحضر السابق والغرض من هذا التفاوض هو إطفاء غضب العمال للرجوع للعمل ووقف الاحتجاج. وطلبوا منهم عدم المشاركة في المسيرة الاحتجاجية لساكنة امنتانوت يوم الجمعة لانهم “سيستغلونكم” الشيء الذي رفضه ممثلو العمال معلنين ان نضال السكان ومطالبهم الاجتماعية هو نضالهم ومطالبهم هم أيضا.

مساء يوم الاثنين ليلا والثلاثاء بدأت الشركة بأداء أجور العمال لشهر ونصف العالقة، باستثناء أجور العمال التقنيين .

 يعلن العمال انهم مصرون على الاستمرار في النضال حتى الاستجابة لمطالبهم كاملة غير منقوصة، وأنهم ليس لديهم ما يخسرونه سوى أغلالهم ويكسبون من ورائها قوتهم وحريتهم.

لقد كسب كادحو امنتانوت خبرة في الكفاح من اجل حقوقهم الاجتماعية، وانتزعوا حرية التظاهر والتعبير في الشارع. هذان المكسبان أساسيان، لأنهما يمهدان طريق انتزاع المكاسب الاجتماعية، وصيانتها، ورد كل الهجمات المحتملة من طرف دولة لا هم لها غير مراكمة البرجوازيين للثروات على حساب الشعب الكادح المقهور. هذا الدولة التي تخطط لإلغاء دعم سعر غاز المطبخ، و السكر، وكل ما تبقى من صندوق الموازنة.

تطوير التجربة النضالية لكادحي ايمنانوت يتطلب تعميق الممارسة الديمقراطية في النضالات، في الجموع العامة، بالتشجيع على مشاركة أعداد متزايدة من الناس المقهورين، رجالا ونساء. وفي هذا التطوير دور كبير للشباب، لا سيما المدربين على النضال كطلاب وكمعطلين. كما يستدعي هذا التطوير انخراط كادحي القرى المجاورة قصد بناء القوة الشعبية القادرة على انتزاع المطالب.

ما تشهده ايمنانوت حدث تاريخي: لقد انتهى عهد الخضوع و الخوف وبدأ عهد جديد: عهد استرجاع الكرامة المهدورة و الحقوق المهضومة بالنضال الجماهيري. فإلى أمام يا كادحي ايمنتانوت وكادحاته.   

النصر لنضال عمال وكادحي إيمينتانوت 

المكافح