زاكورة: من الإهمال والإقصاء إلى الاحتجاج الشعبي

Print Friendly

يعيش كادحو إقليم زاكورة ظروفا قاسية في كل الفصول، فالشتاء بارد جدا والصيف تصل حرارته إلى 50 درجة، وذلك بفعل المناخ الصحراوي الذي يميز مناطق عديدة من الجنوب الشرقي للمغرب، من جهة، وسياسة الإهمال المنتهجة من قبل الدولة من جهة ثانية. إنها منطقة بلغت فيها نسبة التمدن نحو16.51 بالمائة، ضمنها بلدية زاكورة بنحو 70 بالمائة من سكان الإقليم على المستوى الحضري متبوعة ببلدية اكدز. هنا ينطرح سؤال: إذا كان سكان مدينة زاكورة يشتكون من عدم توفير الماء كشرط أساسي للحياة، فما الوضع الذي ستكون عليه الجماعات القروية الأخرى مثل تامكروت وبني زولي ومزكيطة ومحاميد الغزلان وتاكونيت وغيرها من شتى الدواوير المفقرة والمهمشة؟ هذا ما يؤكد أن زاكورة كمنطقة صحراوية متروكة لمصيرها ومحرومة من عدة تجهيزات أساسية وضرورية للاستقرار والحياة.

تمركز فلاحو المنطقة الفقراء منذ الأزل على ضفاف وادي درعة ومنبسط تازارين وارتبطت حياة أقسام منهم بالزراعة وتربية المواشي وأقسام أخرى بحياة الترحال. أولئك الفقراء الذين تريد دولة الرأسماليين أن تطبق عليهم قوانين مجحفة تتمثل في التضييق على تنقلات ترحالهم بحثا عن المراعي بكل حرية. وإذا كانت الطبقة البورجوازية الحاكمة تعتبر سياسة السدود في عهد الحسن الثاني أهم منجزات عهده، فإنها على حق بالنسبة لأهميتها من زاوية مصالح الرأسماليين المحليين والأجانب المستفيدين من مياه سد المنصور الذهبي منذ تشييده قرب مدينة ورزازات سنة 1971، دون أن تستفيد زاكورة إلا من النزر اليسير من مياهه، وهو سد تسبب في اختفاء عدد من القرى التي شردت الدولة فلاحيها مقابل تعويضات مادية بخسة. ومن جهتهم استفاد أرباب الفنادق السياحية الفخمة المنتشرة بالمنطقة بدورهم من دزينة ضمانات وفرتها لهم الدولة للحصول على قروض نهبوا على إثرها صندوق القرض العقاري والسياحي وراكموا الأموال ثم أغلقوا بعض الفنادق وشردوا العمال والعاملات من أبناء وبنات المنطقة والقرى التي طفت عليها مياه السد.

من يحتج ضد العطش، ومن يسيطر على الماء؟

 يصدر الرأسماليون فاكهة البطيخ الأحمر (المستهلكة للماء بكثرة) من صحراء الجنوب الشرقي، التي خرج سكانها إلى الميادين احتجاجا على حرمانهم من الماء الشروب. هذه المادة الحيوية (الماء) التي يتحكم بعض كبار رجال الأعمال المحميين في أجود منابعها ويسيطرون على صناعة تعليبها وتجارتها، ونذكر من ذلك مياه سيدي علي وسيدي حرازم وايموزار وعين بن صميم…الخ التي يجنون من ورائها ملايين الدراهم دون مصاريف كبيرة، مقابل استغلال فظيع للعمال والعاملات، وحرمان كثير من الفلاحين الفقراء المحيطين بتلك المنابع من ثرواتهم المائية التي كانت ذات يوم ثروات جماعية مشتركة. إن احتجاج سكان زاكورة على الدولة بسبب عدم توفيرها لمياه الشرب يطرح قضية الماء بالبلد كثروة وطنية من حق الجميع الاستفادة منها بسعر لا يتعدى كلفة الإنتاج. ولكون الماء مادة أساسية للحياة، فلا يجب أن يكون سلعة في يد حفنة من الرأسماليين، كما أن أغلب الاحتجاجات التي شهدها بلدنا حول قضية الماء كان مفجرها هو عطش الكادحين الناتج عن تسليع أو محاولات تسليع الماء.

البعد والمسالك الطرقية الصعبة ومعاناة سكان المنطقة.

تبتعد مدينة زاكورة ونواحيها عن العاصمة الرباط والمدينة الاقتصادية الكبرى الدار البيضاء، وعن مدينتي مراكش وأكادير بمسافات طويلة وطرق صعبة ذات منعرجات خطيرة وفجاج ضيقة، عبر الأطلس الكبير “تيزي نتاست” من جهة مدينة تارودانت، وتيزي نتيشكا” من جهة مراكش عبر ورزازات، وكم من مرة يفقد سكان المنطقة أهاليهم في هذه الطرق بسبب حوادث السير وانقلاب حافلات النقل كما حدث بتاريخ 5 شتنبر2012 حيث وقعت فاجعة إنسانية أودت بحياة نحو 40 شخصا على إثر انقلاب حافلة بإحدى منعرجات ممر “تيزي نتيشكا” وحوادث أخرى كثيرة. ففي أبريل 2015 أسفرت حادثة بنفس الطريق عن 8 قتلى وأكثر من 20 جريحا أغلبهم إصاباتهم خطيرة. وفي يونيو 2017 انقلبت حافلة تربط بين الدار البيضاء ومنطقة الصحراء الشرقية أسفرت عن قتيل وأكثر من 40 جريحا اصاباتهم متفاوتة الخطورة، وجل هذه الإصابات يستقبلها المستشفى الإقليمي بوارزازات حيث غياب التجهيزات والتخصصات الأساسية والأطر الطبية الكافية، ما يزيد في تعميق مشاكل كبرى أسبابها الطبقة الرأسمالية الحاكمة التي جعلت من العلاج بضاعة مربحة يتنافس الرأسماليون على بيعها للضحايا والمرضى بأغلى الأثمان، هذه الفواجع الإنسانية التي تحتاج إلى عمل جذري يقضي على كل أسبابها، غالبا ما يتم الاكتفاء بتقديم التعازي بشأنها لأهالي وأسر الضحايا بدل طرح البدائل الجذرية لتغيير هذا الوضع. إنهم بهذه الأساليب  يضحكون علينا، وعلى طبقتنا الكادحة. تتزايد المعاناة كذلك بانقطاع الطرق في فصل الشتاء وسقوط الثلوج الكثيفة بالممرات الرئيسة، وهذه المشاكل كلها يعاني منها الكادحون وحدهم دون البورجوازيين الذين يستعملون النقل الجوي عبر مطاري كل من ورزازات وزاكورة في أمن وسلام وراحة بال.

 في صحراء الجنوب الشرقي، حيث العزلة، عاش الناس محرومين من المنتجات الفلاحية والبحرية بسبب الطرق الوعرة والبعد، ونخص منها بالذكر، المواد التي تتطلب مستوى معينا من البرودة للحفاظ على جودتها مثل الأسماك والحليب ومشتقاته والبواكر والطماطم، فالسكان هناك محرومون منها، وإذا أنضاف إليها الحرمان من الماء الشروب، فهذا لا يمكن اعتباره إلا عقابا شديدا تتحمل فيه الطبقة الحاكمة المسؤولية الكبرى، وهي المفروض عليها أن توفر للناس الماء الكافي وكل الحاجيات الضرورية للاستقرار والحياة. في غياب ذلك، من حقهم الاحتجاج على سياستها المتسببة في كل المصائب، والاستمرار في الاحتجاج والبقاء بالميادين كحل وحيد لتحقيق المطالب كلها بما فيها توفير الماء للسكان.

الهجرة الداخلية والأعمال الشاقة بأوراش البناء.

في غياب معامل ومصانع وبنيات تحتية أساسية ومستشفيات كبرى وجامعات، يضطر كثير من شباب المنطقة إلى الهجرة نحو المدن الكبرى والعمل في الأشغال الشاقة في البناء دون أدنى حقوق وبأجور بالغة الهزالة، أمام أعين مفتشي الشغل والبيروقراطية المتسلطة على المركزيات النقابية، أو التجنيد في الجيش والقوات المساعدة في أدنى الرتب من أجل ضمان لقمة العيش، أو الهجرة إلى الدول الأوروبية حيث الغربة. أما من ساعدتهم الظروف وتضحيات الأسر في استكمال مشوارهم – هن الدراسي بإحدى المدن الكبرى حيث الجامعات والمعاهد ومراكز التكوين، فان أغلبهم يفضلون الاستقرار هناك على العودة إلى زاكورة ونواحيها.

وسجون سرية للمعارضين للنظام/سجن أكدز.

 بناء معامل وجامعات ومستشفيات كبرى وتشييد طرق في المستوى بالمنطقة ليس من أولويات الطبقة الحاكمة، لكن هذه الأخيرة اختارت المنطقة بسبب عزلتها وسيطرة القوات المسلحة على ترابها لتجعل من بعض قلاعها معتقلات سرية للمعارضين لسياستها ونظام حكمها وكذا المطالبين باستقلال الصحراء الغربية. لهذه الأسباب أقامت فيها المعتقل السري بأكدز، اختارت له كموقع، قلعة شيدها باشا مراكش التهامي الكلاوي أحد أكبر اقطاعيي شمال افريقيا ما بين 1948 و1953، الذي شمل نفوذه الجنوب الشرقي للمغرب. وإذا كان المعتقلون بأكدز، التابعة لإقليم زاكورة على الطريق المؤدية إلى ورزازات، قد عانوا الكثير من العذاب، فان سكان المنطقة عاشوا الخوف والرعب الشديدين والعزلة التامة. أما دعاية الدولة حول طي صفحة الماضي وجبر الضرر الفردي والجماعي وثرثرة بعض الضحايا الذين حاولوا تزيين وجه الاستبداد وطمس الصراع الطبقي الحاد فيما سمي “إنصافا ومصالحة”، فان احتجاجات النساء والأطفال والشيوخ على سياسة العهد الجديد الذي تسبب لهم في العطش، تسفه كل تلك الادعاءات التي صرف عليها مال كثير من عرق الشعب الكادح، وكل يوم يمر إلا وانكشف بطلان تلك الأضاليل والأكاذيب التي ظلت تردد على أن المغرب يعرف انتقالا ديمقراطيا ويتصالح مع ماضي الانتهاكات، وغيرها من الترهات…

من العطش إلى القمع والاعتقال

الناس خرجوا إلى الساحات أمام مراكز ومؤسسات السلطات المحلية لكي يوصلوا إليها معاناتهم من ندرة الماء وملوحته بالمنطقة، بشكل سلمي ومنظم، ولولا حاجتهم إلى الماء الذي يعلم الجميع أنه مادة حيوية وأساسية للحياة والنظافة والوقاية، لما خرجوا محتجين، لكن الطبقة الحاكمة ترفض لغة الحوار والاستماع إلى مشاكل ومعاناة الناس، وتدفع أبناء الفقراء المعدمين الذين التحقوا بأجهزتها القمعية بسبب الفقر إلى قمع أبناء طبقتهم من المحتجين، بينما الرأسماليون بعيدون جدا عن هذه المواجهات التي كل ضحاياها من أبناء الطبقة الكادحة.

يوم الأحد 8  أكتوبر 2017 نظم سكان مدينة زاكورة القادمين من أغلب الأحياء وقفة احتجاجية أمام مقر عمالة الإقليم عبروا من خلالها عن حاجتهم إلى الماء، وربط التسعيرة بالمدخول الشهري  للفقراء والعمال والموظفين البسطاء والمتقاعدين من ذوي المعاشات الهزيلة، فرفعوا الشعارات واستمر شكلهم الاحتجاجي السلمي إلى أن أتى التدخل العنيف الذي سبقته استفزازات من قبل السلطات وأجهزتها القمعية، فاعتقل أكثر من 23 مواطنا ضمنهم تلاميذ وقاصرون تجري متابعتهم بالمحاكم ابتدائيا وجنائيا، بهدف التخويف وتفكيك وحدتهم النضالية وكسر الالتحام الشعبي الجماهيري وإجهاضه، وبهدف خنق الاحتجاج الشعبي في المهد كي لا يشكل امتدادا لاحتجاج الريف، لأن حراك الريف لم يتوقف بعد، والتضامن الوطني والأممي معه ومع معتقليه المضربين عن الطعام والمهددة حياتهم بالموت نتيجة سياسة الطبقة الحاكمة ونظامها المستبد يزداد كل يوم، وهي حرب طبقية والدولة تخوضها بشراسة وتستعمل فيها كل الوسائل لإضعاف وحدة الكادحين الواسعة.

بالإرادة الصلبة تتحقق المطالب

 بوحدة النضال والصمود بالميادين والعزيمة القوية والإرادة الصلبة ستتحقق كل المطالب، وتنتزع من الطبقة الحاكمة مكاسب حقيقية للكادحين، ولنا في حركة 20 فبراير 2011 درس بليغ، والتي استمرت أكثر من سنة تقريبا، وحققت جزء ضئيلا من المكاسب، لكنه مهم بالنظر إلى موازين القوى والصراع الطبقي بالبلد الذي تخذله القوى المتحالفة مع الاستبداد والخادمة لمصالحه، مثلما تخذله البيروقراطية النقابية المدافعة على مصالحها والمندمجة مع دولة الرأسماليين القائمة كل سياساتها على مبدأ مصادرة مكتسبات الكادحين وهضم حقوقهم.

طه محمد فاضل