المهدي بن بركة: حدود خط النضال الوطني البرجوازي

Print Friendly

للتحميل: 

المهدي بن بركة حدود خط النضال الوطني البرجوازي.. نسخة للطبع 

المهدي بن بركة حدود خط النضال الوطني البرجوازي نسخة للحاسوب 

المهدي بن بركة، ملف وورد

تمهيد

تحل ذكرى اغتيال بن بركة، ومنفذو الجريمة لا يزالون طلقاء في اقتراف المزيد من جرائمهم السياسية. يظهر القمع العنيف لانتفاضة كادحي الريف سنة 2016-2017 (شهيدين ومئات المعتقلين وعشرات المعطوبين) أن جهاز القمع الذي نفذ جريمة الاختطاف لم تنل منه خدعة “الإنصاف والمصالحة”.

تحل ذكرى الجريمة، وجثة بن بركة لا تزال بلا قبر، والمطالب والمهام التي سعى لتحقيقها تظل مطروحة على جدول أعمال النضال بالمغرب. ليس فقط جثة المعارض هي المغيبة، بل أيضا تقييم صحيح لمعارضته، وعما كانت تعبر سياسيا وطبقيا.

يضخم بؤس الحياة السياسية الراهنة حجم شخصية بن بركة. وتلقي طريقة اختطافه بحياته السياسية وتفاصيلها إلى الوراء، مخلية المكان لتقديس الشخصية ورفعها إلى مقام البطولة النادرة، كما قال فتح الله ولعلو: “المهدي بن بركة عاش لحد الآن عمرين. والعمر الثاني أبرز أكثر من العمر الأول وأحاطه بهالة.. لما اكتنف عملية اختطافه من غموض..”[i].

إن هذه الازدواجية تفرض النبش في حياة بن بركة لاستجلاء حقيقة حياته السياسية ومكمن هزيمته، ليس الشخصية ولكن هزيمة المشروع السياسي الشعبوي ليسار حزب الاستقلال والاتحاد الوطني للقوات الشعبية الذي ساهم في تأسيسه.

كرست طريقة موته فكرة البطل الفرد الشهيد، التي تجد جذورا في المخيال الشعبي، وترسخت صورته بطلا في الحكايات الشعبية. سرى اعتقاد أنه لولا اغتياله لكانت أحوال المغرب أفضل. عبر عبد اللطيف جبرو عن هذا الرأي في مقال بعنوان “لو بقي المهدي على قيد الحياة؟” وتساءل: “أي مسار سياسي وأية مكانة وطنية ودولية كانت تنتظرنا لو أن بن بركة ظل على قيد الحياة؟”[ii].

لا يعود هذا الاعتقاد إلى قوة هذا البطل الفرد، بل إلى واقع تنظيمات الجماهير منزوعة السلاح وغياب تقاليد سياسية كفاحية. لا يخص هذا الواقع البلدان المتخلفة وحدها، بل أيضا البلدان المتقدمة، حيث تجري دائما تربية وإعادة تربية الجماهير سياسيا على فكرة انتظار البطل الفرد، في أوقات الشدة والأزمات، حاملا معه الفرج والإنقاذ، وفي أوقات السلم على الاختيار بين مرشحين إلى المؤسسات.

تمد هذه الفكرة جذورها في الأيديولوجية البرجوازية التي تريد جماهير منقادة غير واعية سياسيا بمصالحها النوعية المتمايزة عن مصالح البرجوازية. ولا زالت فكرة البطل الفرد- التي تعبر عن المستوى الابتدائي لنضال الجماهير وتضعضع تنظيماتها- تفعل فعلها في المغرب، كما في الانتفاضة الريفية الأخيرة حيث تضخيم صورة الأبطال والصناديد مع إغفال دور الجماهير المبدع والمكافح.

لا يدعي هذا النص إتيان جديد يخص تشخيص مواقف بن بركة وسلوكه السياسي، هذه موجودة في ممارسته السياسية قبل تصريحاته وكتابته، ومتوافرة أيضا في الكتابات التي تناولته حصرا أو عرضا في سياق التأريخ لمغرب ما بعد الاستقلال الشكلي.

يروم هذا المقال تقييم هذا السلوك السياسي بوضعه في سياق إجمالي يربط صراع بن بركة (والحركة الوطنية خاصة جناحها اليساري) مع الملكية من أجل “تقاسم السلطة” بخلفيته الطبقية، أي الطبقة التي كان ناطقا بمصالحها التاريخية؛ البرجوازية.

[i] – “المهدي بن بركة، مرجع الحداثة”، فتح الله ولعلو، مساهمة ضمن كتاب “المهدي بن بركة” أعده عبد اللطيف جبرو، الطبعة الثانية، 2007، مطبعة الأحداث المغربية الدار البيضاء.

[ii] – جبرو، نفسه.. ص 5.