بناء حزب ثوري اليوم- تجربة مينداناو/الفلبين

بلا حدود11 يناير، 2015

أنزيلمو غيريرو Anzelmo Guerrero

هذه الوثيقة صيغة فبراير 2013 من نص أنزيلمو غيريرو Anzelmo Guerrero :”بناء حزي ثوري اليوم” المنشور متم العام 2012 في موقع www.rpm.org.

ليس بناء حزب ثوري اليوم تحديا للماركسيين الحقيقيين وحسب، بل يجب أن يكون هدف الثوريين المعاصرين كافة.

هذا بالأساس لأن مرحلة العولمة النيوليبرالية للرأسمالية، رغم حدة الأزمة، تحتكر وتهيمن على الاقتصاد والسياسة والثقافة العالميين وعلى الناس منذ استسلام المعسكر الاشتراكي.

غالبا ما تعاني تجارب بناء أحزاب ومنظمات الطبقة العاملة، التي حاولها مختلف الثوريين، من ركود وأزمات حادة غالبا ما تفضي الى التفكك و الفشل.

وقد طُرحت أسباب وتحاليل مختلفة لتفسير هذا التطور المشؤوم للأحزاب والمنظمات الثورية. و الرئيسي منها هي عجز الأطر ومنظمات الأحزاب عن وعي مقدرة الرأسمالية العالمية على تلطيف أزمتها وتحميل عبئها للطبقة العاملة. وقد عملت العولمة النيوليبرالية بمنهجية وفعالية في هذا الاتجاه، في الآن ذاته عبر الحكومات وعبر البنيات التحتية المالية ومتعددة الأطراف. إن هكذا تطورا يؤدي الى نتيجة مباشرة على الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للسكان المعرضين أصلا للفقر، وبوجه خاص على حياة العمال والجماهير الكادحة. لم تفلح أطر الحزب ومناضلون في تبين التأثير العميق للهجمات النيوليبرالية على عملهم السياسي يوما بيوم. ترتب عن ذلك أن عمل النقابات وبناء الحزب جريا على قاعدة الأساليب الروتينية business as usual. مثلا، تزايد بقوة عدد العمال المستخدمين في قطاع الخدمات. فبقصد زيادة الأرباح اخضع الرأسماليون هؤلاء العمال لسياسة أشد إكراها من ناحية عقود العمل والهشاشة. وفي هذا السياق يمنع كليا تدخل النقابات العمالية. وعمال هذا القطاع منشغلون بشكل رئيسي بنضالاتهم الاقتصادية من أجل البقاء، وبات ربط هذه الأنشطة بالنضالات السياسية بالغ الصعوبة. وكان تطور وعي هؤلاء العمال السياسي بالغ البطء وحتى مستحيلا. وتباعدت بشكل كبير السيرورة والقفزة الكبرى التي سيصبح عبرهما العمال بذاتهم عمالا لذاتهم.

كان على تدخلات الحزب السياسية أن تأخذ بالحسبان وضع العمال هذا. مثلا، كان على هدف المهام التنظيمية والتعبئات السياسية ان يتركز على الأماكن التي يعيش فيها العمال، اي الأحياء الفقيرة بالمناطق الحضرية والقرى الفقيرة بالمناطق القروية. كان يجب تنظيم خلايا الحزب والمتحدات من أجل تنظيم حملة مركزة ليس فقط على مشاكل العمال المستخدمين في مختلف المصانع والمؤسسات بل أيضا على المشاكل الاجتماعية التي تواجهها المجموعات في المناطق الحضرية والقروية يحب يعيش العمال و أسرهم.

يتمثل واقع آخر برز مع العولمة النيوليبرالية في السعي المحموم إلى الربح الرأسمالي والاحتكار الفائق للصناعات الأساسية مثل إنتاج الصلب والمواد الكيماوية. أدى هذا التركز إلى تقليص حاد لعدد العمال في الصناعة وتنامي عدد العاملين المعتبرين جيشا عماليا احتياطيا. لم يكن منظمو الحزب ومناضلوه، بمعظم الحالات، قادرين على التكيف في الوقت المناسب مع هكذا وضع، ولم تجد النقابات الصفراء أي صعوبة في استقطاب العمال الباقين في القطاع الصناعي أوالتلاعب بهم للحصول على دعمهم. غالبا ما كان هؤلاء العمال أول من تبنى البرامج النيوليبرالية وسياسات الحكومات البرجوازية أو خضع لها. إننا نواجه اكبر المصاعب للتصدي ومحاربة “نمط البقاء” المعتمد من طرف فئة العمال تلك.

وتمثل هجرة العمال الأجانب ظاهرة أخرى مقلقة برزت منذ سنوات 1980 في الدول الطرفية وفي البلدان النامية. هذا الواقع شهادة مباشرة على غياب فرص عمل لائقة في البلدان الأصلية والموقف الانتهازي للبلد المستضيف إزاء هؤلاء العمال. يشكل الانصراف الكثيف لعدد كبير من العمال المهاجرين موردا اقتصاديا هاما لبلدانهم الأصلية لكن تلك البلدان لم تقم بأي شيء لتخفيف الكلفة الاجتماعية لانفصال هؤلاء العمال عن أسرهم. كما استفادت البلدان المضيفة بدون اكثرات من هؤلاء العمال ضحايا فرط الاستغلال والأجور المتدنيةاء، هؤلاء الذين ساهموا كثيرا في النمو الاقتصادي المحلي. لكن، في الآن ذاته، سنت تلك البلدان وطبقت قوانين وسياسات صارمة جدا للضبط السطحي لتدفقات اليد العاملة تلك.

غالبا ما أخفقت أطر الحزب ومناضلوه في العمل السياسي صوب فئات العمال تلك. إن ازدواجية وضعهم بما هم مهاجرون وعمال ُيصعب الفهم العميق لوضعهم و يؤثر من جراء ذلك على عملنا إزاءهم. لكن الأكيد أنهم ملايين وأنهم يمثلون قوة بالغة البأس في حملاتنا وتعبئاتنا ضد العولمة النيوليبرالية.

الابتعاد المتنامي عن مثال العمال بذاتهم ولذاتهم

إن النعث “الأخروي” هو الذي يصف على أفضل نحو القواعد المادية الموضوعية للثورة الاشتراكية في الحالة الراهنة للهيمنة البرجوازية. تلك القواعد قائمة في النظام الرأسمالي، لكن يجب السير أبعد نحو مثال غير موجود او بالأحرى تعرض للفشل. يبدو بناء برنامج اشتراكي وتطبيقه داخل الرأسمالية كسعي إلى حلم متعذر بلوغه. كل المحاولات النادرة لغرس هكذا برنامج لم تؤدي في آخر المطاف سوى إلى توطيد و تأبيد النظام ذاته الذي كان هدفها محاربته واستبداله. واجهت رؤية ومهمة الماركسيين الثوريين في بناء منظمة عمال وأحزاب مستقلة مصاعب جدية وتطورا شالا قوامه الانشقاقات والخيانات. إن أثر التطور الراهن للعولمة النيوليبرالية للرأسمالية متفاوت من بلد إلى آخر. وتتمثل مهام الماركسيين الثوريين في قيادة الطبقة العاملة والسكان المضطهدين على نحو صائب نحو بناء وتطبيق برنامج انتقالي عندما تكون الموجة الصاعدة للمعسكر الاشتراكي والتقدمي في ذروتها، وعندما تشن الرأسمالية هجوما كثيفا ضد أزمتها الخاصة، عندما يكون لتفاوت النمو الرأسمالي و تأخره ببلدان عديدة مفعول مباشر على الوعي السياسي للطبقة العاملة و يكونا قد عرقلا بناء الوحدة والتضامن. أن تطور وتغيرات خصائص الطبقة العاملة وأشكال التنظيم بادية في المصاعب الكامنة في تأمين استمرار الحركات الاجتماعية وفي رفع مستوى الوعي السياسي للطبقة العاملة.

منيت الأحزاب والمنظمات الثورية بإخفاقات في تحويل وقيادة الأنشطة العفوية للحركات السياسية. لم يكمن السبب في عدم اعتماد أشكال النضال الأشد كفاحية أو في عدم ترويج الشعارات السياسية الأكثر جذرية، بل يجب البحث عن الأسباب في مشاكل ومصاعب خلق مساحات ديمقراطية لمختلف المنظمات المتحدة بوجه مشاكل اللحظة الشائكة وتجميع تلك المنظمات حول برنامج عمل مشترك.

إن بناء حزب ومنظمات ثورية اليوم يستوجب توجيه وتوطيد كل الموارد وكل الوسائل المتوافرة من أجل فهم صائب لطبيعة أزمة الرأسمالية العالمية مع تجلياتها المتضافرة في مجالات الاقتصاد والمالية والبيئة. لا يمكن أن تكون البرامج الانتقالية الديمقراطية والمناهضة للرأسمالية في آن واحد فعالة ومستدامة إلا بقدر دمجها لبدائل التنمية القابلة للتطبيق وللحياة ومفعلة في حياة الاطر والمناضلين الثوريين يوما بيوم.

إن العديد من أطر حزبنا ومناضليه جرى تكوينهم ليواجهوا مباشرة المشروع النيوليبرالي للعولمة الرأسمالية. وفي الواقع، قادتنا هكذا مواجهات إلى الإعلان في حملاتنا أن عالما آخر ممكن، إجمالا بالأقل. لكن قليل جدا منا دفعوا الاستدلال، منذ أن وجب على الرأسمالية مواجهة أصعب أزمة في تاريخها، إلى حد اعتبار أن الثورة الاشتراكية تفرض نفسها اليوم بجلاء. ومن جهة أخرى، ما كان ينقص أكثر معارضتنا لمشروع الرأسمالية العالمية هو الدعم الذي لا يمكن تحصيله إلا باقتراحات ملموسة وتطبيقها منذ اليوم كبديل يحضر لاشتراكية الغد. إن الرأسمالية تمدنا اليوم بتربة خصبة يمكن أن نغرس فيها بذور اشتراكية الغد. هذا النوع من الانجاز سيضعنا إزاء وقائع ويخرطنا في النضال من أجل إصلاحات ملموسة، على نحو يجعل السكان، لا سيما الجماهير الكادحة، تشعر بتقدم وتحقق انتصارات جزئية تبرهن على انه ليس ضروريا انتظار الغد.

مع سقوط المعسكر الاشتراكي والأداء غير المشجع للبلدان التي لا تزال تنتسب إلى الاشتراكية، باتت الحاجة إلى نموذج بديل ملموس صارخة أكثر اليوم في سياق حيث يتوجب على المنظمات ومناضلي الحزب ان يجسدوا نموذجا؛ نموذجا بوسعهم بلورته و التماثل معه وجعله بوصلة لهم.

إن المشاكل الملحة والتدهور السريع للوضع العالمي بسبب تغير المناخ الناتج عن نشاط الرأسمالية المتزايد حدة، ذكرا الأحزاب الثورية والمنظمات النقابية أن الثورة الاشتراكية لن تنطلق الا بدمجها للنضالات الايكولوجية. ومن جهة أخرى لا يمكن لتلك النضالات أن تكون حقيقية ومستدامة إلا بدمجها للنضال من أجل الاشتراكية في عصر العولمة النيوليبرالية للرأسمالية.

يتجسد نضال الطبقة العاملة اليومي من أجل إصلاحات ديمقراطية واقتصادية في تلك المجموعات لأن انغراس النقابات مستحيل في أماكن العمل. وفي هكذا وضع ستكون سيرورة تطور النضالات الديمقراطية والاقتصادية نحو وعي سياسي اقل استعصاء.

إن التقدم باقتراحات والفعل في بدائل ملموسة يتمثل، على سبيل المثال، في القيام بحملات حول السيادة الغذائية، حملات لن تضمن لنا التمون بتغذية أساسية صحية وحسب، بل أيضا سنعمل فيها مع السكان على مراقبة البذور للإنتاج الزراعي، وسنضفي عليها دينامية عبر التملك الحر للتكنولوجيات المهنية التي تتيح التطبيق الفعال والعلمي للزراعة البيولوجية.

يعني هذا ببساطة مراقبة السكان للبذور و للتكنولوجيا و للإنتاج و للتسويق. يمكن أن نغرس بالملموس هذا البرنامج في دزينة من القرى المستعملة للطاقات المتجددة ولأساليب استعمال طاقة محترمة للبيئة. ما يعني أن مشاركة السكان في عمليات الإنتاج و التبادل /التسويق محددة، وأن النساء يقمن فيها بدور محدد ويشاركن في اتخاذ القرار مع باقي مواطني القرية.

كما يستتبع هذا التوجه التصدي لمشروع الرأسمالية العالمية القاضي باحتكار الصناعة الغذائية و التحكم بها، وذلك عبر بديل ملموس مقدم بوضوح من أسفل.

الحزب الثوري اليوم لا يمكن أن يكون إلا ايكولوجيا

بإمكان النضالات من اجل الإصلاحات الديمقراطية والمعادية للامبريالية و الإيكولوجية أن تكون مستدامة وملائمة لإطلاق حركة من أجل السيادة الغذائية على الصعيد المحلي والوطني والعالمي. لم تتعرض الطبقة العاملة و الجماهير الكادحة للاستغلال والاضطهاد من قبل جشع الرأسمال المتزايد باطراد، بل كانت أيضا ضحية للرأسمالية القاتلة للبيئة. إن برنامجا ملموسا للنضال و دعم الفلاحين وعمال الزراعة من اجل تحويل زراعتهم الكيماوية الكثيفة إلى زراعة محترمة للبيئة، وتطوير تكنولوجيتهم البيولوجية من اجل التحكم في البذور الزراعية و تعزيز الإنتاج والتوزيع المحليين للمواد الغذائية، يمكن أن يكون شكلا ملموسا للنضال المناهض للامبريالية المفضي إلى شكل أرقى من النضالات الديمقراطية للجماهير الكادحة وعمال الزراعة. ان الوقف المنهجي والسريع لاستعمال الطاقات الأحفورية والوقود الحيوي واستبدالهما بمصادر طاقة نظيفة ومتجددة لا يمكن أن يكونا، هما أيضا، سوى ثمرة نضال ديمقراطي في القاعدة وحركة مناهضة للامبريالية بجلاء ومترابطة محليا ووطنيا و عالميا.

بقصد تأمين التوجه الاشتراكي الحقيقي لهذا المشروع المناهض للنيوليبرالية و لنضالاتنا الديمقراطية، نحن بحاجة جلية إلى حزب ثوري. يجب أن يكون فعل هذا الحزب قائما على النظريات الماركسية لتحليل الواقع وتغييره وعلى المبادئ اللينينية في التنظيم. ويجب أن يوجد باستمرار في صلب النضالات العمالية، وان يسترشد بفهم الواقع الجديد للرأسمالية والتكيف معه من اجل إضعافه الفعلي والبناء التدريجي لقاعدة الاشتراكية. يمكن ان يبدأ ويشارك في حملات عريضة ضد مختلف أشكال الاستغلال الرأسمالي لكن مع السهر دوما على الحفاظ على هويته الخاصة بما هو حزب ثوري.

لا يمكن اليوم للنضالات الاشتراكية و لبناء أحزاب ومنظمات ثورية أن تكون فعالة إلا بالمشاركة في النضالات الايكولوجية وبناء نموذج تنمية بديل. سيكون تحرر العمال من صنع العمال أنفسهم. و لا يمكن للمنظمات والأحزاب أن تكون ثورية و اشتراكية فعلا سوى بنضالها ليس من اجل التنمية وتحرر الطبقة العاملة وكل الشعوب المضطهدة وحسب، بل أيضا بضمان عالم حر و آمن للأجيال المقبلة.

الحزب الثوري اليوم لا يمكن أن يكون إلا ايكولوجيا

يعرض هذا النص بعض النقاط فقط مما تعلمنا يوما بيوم من تجربتنا في بناء الحزب الثوري اليوم. من اللازم إتيان إجابات ملموسة و آنية على الأوضاع و المشاكل الشائكة التي تطبع التحولات السريعة لعالم تقوده الرأسمالية النويوليبرالية المعولمة. إن على أطر أحزابنا ومناضليها ان يتزودوا بوسائل بلورة تلك الإجابات لأن كثيرا منا ما زالوا متمسكين بالإجابات القديمة على مشاكل قديمة. إننا بحاجة ماسة الى إجابات جديدة على المسائل الجديدة.

تعريب : المناضل-ة

Hits: 72

شارك المقالة

اقرأ أيضا

Hits: 72