النضال الشعبي بالريف: درس مستوعب وآفاق للنضال

Print Friendly, PDF & Email

طارق الريفي

رغم أن شرارة الانتفاضة الريفية وبعد أسابيع قليلة من انطلاقها مع مقتل الشهيد محسن فكري شملت أزيد من 50 منطقة بما في ذلك مداشر وقرى صغيرة بالريف، إلا أن إقليم الحسيمة ظل هو مركز هذه الانتفاضة ومصدر إلهام لباقي المناطق، وهو ما يفسر حدة القمع وحجم الاعتقالات التي استهدفت نشطاء هذا الاقليم مقارنة مع باقي أقاليم الريف، فبعد فشل النظام في إخماد الحركة عبر تسخير البلطجية ومحاولة تأليب الرأي العام الوطني ضد المناضلين من خلال تكثيف الداعية الرسمية حول وجود أهداف وخلفيات أخرى للحراك غير الأهداف المعلنة، وقيام بعض مسؤوليه بزيارات ميدانية للمنطقة من أجل امتصاص غضب الكادحين، وجد النظام نفسه أمام حركة ذات امتداد شعبي يستحيل إيقافها أو إضعافها دون الإقدام على إحدى الخيارين، فإما الاستجابة لمطالب الجماهير عبر التفاوض المباشر مع قادة الانتفاضة وما سيشكله ذلك من حفز لكادحي باقي مناطق المغرب المهمش كي ينتفضوا من أجل نفس المطالب، وإما استعمال ترسانته القمعية والقضائية والاستخباراتية والاعلامية في مواجهة الانتفاضة وقادتها رغم ما قد يخلفه ذلك من مخاطرة بشعاراته التي يروج لها في الخارج حول «حقوق الانسان» و»المصالحة مع الريف» و «طي صفحة الماضي»،
هكذا شكل يوم 26 ماي 2017 بداية مرحلة جديدة في تعاطي النظام مع انتفاضة الجماهير بالريف، حيث انطلق مسلسل مداهمة البيوت واعتقال قيادات الحركة ومنع أي شكل من أشكال التجمع بمختلف مناطق الريف، فالتمدد المتنامي للحركة نحو مناطق أخرى من المغرب بنفس المطالب الاجتماعية ( تاونات، بني ملال، الجنوب الشرقي ……) كان مؤشرا واضحا بالنسبة للنظام على أن أي تأخر في استئصال الحركة بمعقلها سيجعل الشرارة تلهب خريطة المغرب ككل، خاصة وأن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للكادحين ما فتئت تتدهور بفعل السياسات الطبقية التي تم تنفيذها من طرف الدولة ( تحرير الأسعار وتقليص ميزانية صندوق المقاصة وضرب الخدمات العمومية، تجميد الأجور ووقف التوظيف، …)
ورغم ما شكلته هذه الاعتقالات من ضربة موجعة للحركة بمدينة الحسيمة، فقد استمرت الاحتجاجات بالعديد من مناطق الريف بمشاركة جماهيرية قوية، حيث انتقل مركز ثقل الحركة إلى مدينة امزورن التي شهدت مسيرات يومية طيلة شهر رمضان واستمرت لأسابيع بنفس القوة والزخم على أرضية المطالبة بإطلاق سراح المعتقلين، كما تحولت مدينة العروي التي تبعد عن الناظور بحوالي 15 كيلومترا إلى قاعدة إرتكاز أساسية للحراك بفضل التنظيم المحكم للتظاهرات والحشود الغفيرة التي تشارك فيها والتدبير الجيد للخلافات وسط قيادتها المناضلة.
وقد شكل استمرار المسيرات وصمود الجماهير بهاتين المدينتين عاملا أساسيا في دفع النظام إلى تقديم تنازل جزئي يوم 29 غشت 2017، تمثل في إطلاق سراح أزيد من 40 معتقل من بينهم سيليا الزياني و04 نشطاء من الدريوش وناشطين من الناظور، وقد سعى النظام إلى استثمار هذا التنازل في اتجاه تحييد جماهير إقليمي الناظور والدريوش عن الصراع من خلال اطلاق سراح كل معتقلي هذين الأقليمين مع فرض تطويق شامل لهما ومنع تام للاحتجاج فيهما، وفي نفس الوقت توسيع دائرة الاعتقالات بإقليم الحسيمة وافتعال المواجهات واعتقال عشرات المناضلين بعد كل مسيرة احتجاجية…
وبالموازاة مع حملات القمع والاعتقالات التي تركزت أساسا على شباب إقليم الحسيمة سعى النظام إلى احتلال الساحات العمومية ومحاصرتها قبل انطلاق أي شكل من أشكال الاحتجاج، واستعمال وسائله الاستخباراتبة في نشر الإشاعات حول قرب إطلاق سراح المعتقلين والترويج لمبادرات للحوار مع المعتقلين المتواجدين بسجن عكاشة بالدار البيضاء….، وقد نجحت أجهزة النظام بفعل هذه الخطة المزدوجة ( استمرار القمع مع الترويج للاشاعات) إلى إضعاف الحركة في الأرض وانتشار الانتظارية في أوساط الجماهير حتى تحول الحديث في الشارع وفي الاماكن العامة وفي مواقع التواصل الاجتماعي من «سبل النضال من أجل اطلاق سراح المعتقلين وتحقيق المطالب» إلى التفاصيل المتعلقة بتلك المبادرات والاشاعات..
نذكر بهذا السياق الذي عرفته الانتفاضة الريفية حتى نفهم أسباب ما آلت إليه الآن ونستشف من خلال ذلك بعض المخارج الكفيلة بإعادة ذلك الوهج النضالي ومده بمقومات نجاحه، فإذا كان النظام قد نجح في فرض تراجع حاد على الحركة بفعل القمع والاعتقالات وإطلاق الاشاعات المضللة، فإن مؤشرات نهوض جديد للجماهير قائمة، لأن الأسلوب القمعي الذي تعامل به مع هذه الحركة وإن استطاع وقف اندفاعها ، فإنه في المقابل عزز الاحتقان والغضب في نفوس الجماهير وجذر وعيها السياسي بطبيعة النظام الاستبدادية، وعرى كل الأقنعة التي كان يختبئ وراءها، وجعل الشباب أكثر اهتماما بالشأن العام وأكثر استيعابا وتمييزا للمواقف والشعارات السياسية التي تعبر عنها كل القوى السياسية بالبلد.
وإذا كانت الحركة قد تراجعت بفعل الاعتقالات والقمع وحملات التضليل الاعلامية، فإن هجوم بعض قادة الحركة قبل اعتقالهم على كل المخالفين لأساليب تدبيرهم للمعركة بالمنطقة، ورفضهم لأي مبادرة تتجه نحو بناء قنوات تنظيمية أكثر قدرة على استيعاب اختلاف وجهات نظربين المناضلين ، ساهم في تكريس العفوية وسط الحركة وجعلها غير مؤطرة بأفق واضح وسهلة نجاح ضربات الدولة ودسائسها ، كما أن محاولة تخوين بعض المناضلين البارزين في الحركة لكل الاطارات والتنظيمات التي كان يفترض أن تشكل قاعدة إسناد للحركة ومصدر تعزيز لقوتها، وعلى رأسها جمعية المعطلين والحركة الطلابية والتنظيمات الحقوقية والنقابية والاتجاهات السياسية الجذرية بالمنطقة، خلق نوعا من التردد في أوساط مناضلي هذه التنظيمات في مد الحركة بالقوة و الإقدام اللازمة لنجاحها ، وفي المقابل سعى النظام منذ البداية إلى تحييد هذه التنظيمات عبر تشغيل أزيد من 1400 معطل في إطار التعاقد بالتعليم في إقليمي الحسيمة والدريوش وتجنب متابعة وسجن النشطاء المنتسبين لجمعية المعطلين او الجمعيات الحقوقية وعدم استهداف قادة الحركة الطلابية المنتسبين للمنطقة في بداية حملة الاعتقالات رغم مساهمتهم الفعالة في تأطير الحركة ببعض المناطق. فالنظام أدرك بأن اعتقال نشطاء بارزين ومنتسبين لهذه التنظيمات قد يغدي الحركة ويعطيها طابعا أكثر تنظيما وديمومة.
لقد استمدت انتفاضة الريف قوتها منذ البداية من ذلك الرصيد النضالي الذي راكمته حركة المعطلين بالمنطقة، ومن الطاقات النضالية الشابة والمفعمة بالحيوية التي أنتجتها الحركة الطلابية، ومن التجربة المتميزة لحركة 20 فبراير، ومن التاريخ النضالي المجيد لجماهير المنطقة ضد استبداد النظام بشكل عام، ولا يمكن بأي حال من الأحوال القفز على كل هذا الرصيد أو تجاهله فهو يشكل كلا لا يتجزأ ضمن سيرورة بناء أدوات النضال الشعبي والطبقي. ويعد الهجوم على مناضلي هذه التنظيمات من طرف بعض الأسماء البارزة في الحراك الشعبي في بدايته من بين الاخطاء الفادحة التي يعيش الحراك تبعاته الآن، وبات من واجب مناضلات ومناضلي هذه التنظيمات والحركات أن يتحملوا مسؤوليتهم إزاء جماهير المنطقة وشبابها المعتقل على وجه التحديد، وذلك عبر تحرك عاجل ومنظم يعيد الدينامية إلى الشارع ويصحح أخطاء الماضي ويوجه الجماهير نحو النضال من أجل تحرير أسرى الانتفاضة الشعبية بالريف، والذين فاق عددهم 500 معتقل.
إن الحراك في الريف وإن تراجع على مستوى قوة وجوده في الميدان، فإنه لم يتراجع على مستوى قابلية واستعداد الجماهير للخروج للشارع، بل ولا زالت الحركة نشيطة ببعض المناطق ك «تلارواق» و»تماسينت»، فالذي يجعل الحركة تبدوا مشلولة هو غياب أو ضعف المبادرات الداعية إلى الاحتجاج، لأن كل الشباب الذين كانوا نشيطين في لجان الحراك أو الذين كان لهم دور محوري في نقل أطوار الاحتجاجات للاعلام، إما أنهم رهن الاعتقال أو متابعين في حالة سراح او تعرضوا لتهديدات ومضايقات، لكن في المقابل ما الذي يمنع التنظيمات الأخرى من الدعوة الى مواصلة التظاهر؟ ما الذي يمنع الاتحاد المحلي لنقابات الحسيمة التابع للاتحاد المغربي للشغل على سبيل المثال من إطلاق مبادرة نضالية ميدانية بالمنطقة على أرضية المطالبة بإطلاق سراح المعتقلين وتحقيق الملف المطلبي للحراك، ألا يشكل وجود خمسة مناضلين نقابيين منتسبين لهذا التنظيم رهن الاعتقال مبررا كافيا لرفع مشعل الحراك والنزول إلى الشارع بعد أن تم اعتقال قادته؟
من جانب آخر يمكن للحركة الطلابية بمواقع وجدة وسلوان وتطوان أن تلعب أدوار محورية في إعادة الوهج النضالي إلى الشارع ونقل شرارة الحراك إلى هذه المدن، خاصة وأن قاعدة مهمة من الطلبة الذين يتابعون دراستهم في هذه المواقع كانوا جزء من الحراك وتابعوا تفاصيله الميدانية منذ انطلاقه. ويشكل في هذا الاطار الاستقبال الحاشد للطالب المعتقل «فؤاد كوجيلي» من طرف طلاب جامعة سلوان بالناظور بعد أن كان قد أمضى أزيد من شهرين من الاعتقال على خلفية مشاركته في مسيرة بالعروي، والتظاهرات الاشعاعية التي تم تنظيمها من طرف الطلبة القاعديين بهذا الموقع حول الحراك الشعبي تزامنا مع ذكرى الشهيدين كمال الحساني ومحسن فكري ، يشكل كل ذلك خطوة مهمة على طريق ربط نضال الحركة الطلابية بالحراك الشعبي بهذه المنطقة.
ونحن نتحدث عن واقع الحراك بمنطقة الريف تحديدا لابد أن نستحضر أيضا موقع الحركة الأمازيغية داخله، فالتناقضات التي تعيشها هذه الحركة جراء انقسام مناضليها بين داعم للرأي المتعصب لامازيغية ريفية وبين الرأي المناهض له بامازيغية بلاد تامزغا، يعكس إلى حد بعيد عدم قدرتها على بلورة موقف منسجم حول أفق الحراك وربط نضالها الثقافي من أجل الأمازيغية بالنضال العام من أجل الديمقراطية الشاملة والعميقة تحرر كل اللغات والثقافات من كل صنوف الاضطهاد والإقصاء ، وبات من الواجب على قوى اليسار الثوري أن تجيب على «المشكلة القومية» وأن تتقدم في إيجاد مخارج حقيقية تتيح ربط علاقات نضال بالمكونات المحسوبة على الحركة الأمازيغية حتى لا تتحول هذه الأخيرة إلى يمين معادي للنضال الشعبي بمنظور تحرري ديمقراطي في الوقت الذي تتوفر فيه إمكانية جذب جزء كبير من مناضليها إلى خطاب اليسار وأطروحاته.
إن تقدم الحراك بمنطقة الريفي رهين بقدرة التنظيمات والذوات المناضلة بالمنطقة على إبداع وتطوير صيغ العمل ومواكبتها ببرامج وتصورات تحافظ على ذلك الالتفاف الشعبي الوحدوي المعبر عنه من طرف كادحي المنطقة في أكثر من مناسبة، وتقلل من مخاطر الانقسام والانشطار داخل الحركة، وتحفز جماهير باقي مناطق المغرب على النزول للميدان ليس للتضامن أو الدعم فقط رغم أهميته، بل من أجل السير معا نحو بناء نظام بديل لنظام الرأسمالية التبعية الذي ما فتئ يغرق البلاد في دوامة الفوارق الطبقية ويرهن الوطن بمصالح حفنة من المستبدين والجلادين.
طارق الريفي
حرر بتاريخ: 12 نونبر 2017