كراسة حول تقاليد فاتح أيار/مايو، الكسندر خرامستوف

Print Friendly, PDF & Email

يضع موقع المناضل-ة بين أيدي رواده كراسة حول تقاليد فاتح أيار/مايو، لكاتبها الكسندر خرامستوف

لتحميل الكراسة رجاء انقر/ي على الرابط التالي: تقاليد فاتح مايو، الكسندر خرامستوف

وهذا مقطف منها: 

«أفضل قرار اتخذه المؤتمر»

بقي صيف عام 1889 حيا مدة طويلة في ذاكرة أهالي باريس وآلاف الأجانب الذين وفدوا إليها، على السواء. فرغم الطقس الحار، الذي كانت الحياة في العاصمة الفرنسية تتجمد بحلوله، عادة، وتمتد في الطرقات أرتال عربات الخيل التي تنقل فئات المجتمع الميسورة إلى أحضان الطبيعة وشواطئ البحر، كانت شوارع المدينة مليئة بالحركة وتعج بالناس.

الواقع أن حكومة الجمهورية الفرنسية كانت، منذ بداية العام، قد وزعت دعوات إلى جميع البلدان للاشتراك في المعرض العالمي الذي سيفتتح في 5 أيار/مايو، وفي الاحتفالات بذكرى اليوبيل المئوي للثورة الفرنسية الكبرى التي شقت الطريق أمام وصول البرجوازية إلى الحكم. ان حفلات الرقص والكرنفالات، والألعاب النارية ومظاهرات العجائب التكنيكية لذلك الزمن، ولقاءات الترفيه والأعمال في المقاهي والمطاعم التي لا يندر إن كانت تنتهي بعقد صفقات كبرى تبشر بأرباح ضخمة، -إن ذلك كله كان يسكر ويدوِّخ رؤوس البرجوازيين الذين كانوا يشعرون شعورا متينا بأنهم أسياد الحياة. وعلى الرغم من أن حكومات جميع الدول الأخرى تقريبا، باستثناء سويسرا والولايات المتحدة الأمريكية، كانت دولا ملكية، فقد كانت امتيازات الأشراف والنبلاء تنحسر في طي الماضي وحصلت البرلمانات على السلطة التشريعية وازدهرت الحريات الديمقراطية البرجوازية.

واستسلمت الدعوة أيضا الأوساط الارستقراطية لبلدان مختلفة، بما فيها روسيا القيصرية التي كانت حكومتها تعمل بحمية دائبة على مكافحة «العدوى الفرنسية» في بلادها ساعية إلى الحفاظ على حرمة أوضاعها القديمة. وكان جزء من الملكيين في جميع البلدان قد تكيفوا مع الظروف الرأسمالية. أما الآخرون فقد كانوا –دون أن ينسوا شيئا ودون أن يتعلموا شيئا- ينظرون بعين من الأمل إلى الحركة البولنجية الرجعية التي كان لها آنذاك في فرنسا وزن سياسي كبير وكانوا يعقدون الأمل عليها في إرجاع عجلة التاريخ إلى الوراء، وليس في بلد المعرض العالمي فقط.

كانت الاحتفالات المتواصلة تقترب من ذروتها: 14 تموز/يوليو-الذكرى المئوية للاستيلاء على سجن الباستيل. لقد استقبلت باريس هذا اليوم بحلة زاهية أكثر من أي زمن مضى. وكانت سلطات المدينة تجهد في تلميعه بإظهارها ضروب التفنن والسخاء الفائقة. وكانت فتيات-بائعات زهور، منتقاة خصيصا ومرتديات ثيابا وطنية وقبعات ماريانا –رمز فرنسا-، يوزعن باقات الزهور مجانا. ومن مئات بيوت الأحياء الارستقراطية والبرجوازية وأحياء الفنانين في المدينة- في غران بولفار وقرب حديقة لوكسمبورغ، في الشانزيليزه والحي اللاتيني، وفي شوارع مونمارتر ومونبارناس- كانت تتدلى قماشات زرقاء-بيضاء-حمراء ترمز إلى الحرية والمساواة والاخاء. وكانت تصدح أصوات الجوقات الموسيقية. وتحت وقع نشيد «المارسييز» كان يجوب أرجاء المدينة في مزاج مرح أناس يرتدون حلة العيد.

في هذا اليوم الساطع، المشمس، الصاخب، قبل الساعة التاسعة صباحا بقليل كان يتجمع في الفناء المسرحي أمام مدخل قاعة بيتريل الباريسية أناس كان يمكن للمرء أن يرى بينهم أيضا، إذ أمعن التحديق، الزعماء الشعبيين لنضال البروليتاريا التحرري وأولئك الذين ينتظرهم ذلك: ولهلم ليبكنخت واوغست بيبل، وايليونورا ماركس-ايفلينغ وكلارا تسيتكين، وجول غيد وادوارد فايان، وغيورغي بليخانوف وبول لافارغ…

وأخيرا فتحت الأبواب على مصراعيها ودخل الناس قاعة غير كبيرة مزينة بحلة العيد. سقف زجاجي، وواجهات ملونة، ومسرح مزين برايات حمراء يعلوه شعار مخاط بالذهب على خلفية أرجوانية: «يا عمال العالم، اتحدوا!». وكتب على الصور الحائطية: «هدف الاشتراكيين نزع السلطة السياسية والاقتصادية لطبقة الرأسماليين، وجعل وسائل الانتاج اجتماعية»، «باسم باريس أيام حزيران/يونيو 1848 ونيسان/أبريل وأيار/مايو 1871، باسم فرنسا باييف وبلانكي وفارلين، نرحب بالعمال والاشتراكيين لنصفي الكرة الأرضية كليهما».

هكذا بدأ مؤتمر العمال العالمي الذي ولدت فيه الأممية الثانية. ان اختيار تاريخ 14 تموز/يوليو –ذروة احتفالات البرجوازية في باريس- من أجل افتتاح هذا المؤتمر لم يكن أمرا من وليد الصدفة على الاطلاق. فقد أعاد الاشتراكيون بذلك إلى الذاكرة ان الرأسمال حوَّل بلدانا عديدة، في السنوات المائة الأخيرة، إلى ما يشبه سجن الباستيل بالنسبة للكادحين الذين لا يزال ينتظرهم تحطيم هذا السجن وانشاء عالم جديد على أنقضاه.

لقد سبق اقرار هذا التاريخ في شهر شباط/فبراير 1889 من جانب مؤتمر لاهاي الذي جرى فيه اعداد مؤتمر باريس. وقد جاء في النداء الصادر عن المؤتمر: «ان طبقة الرأسماليين تدعو أغنياء واقوياء العالم أجمع إلى المعرض العالمي لكي يشاهدوا ويعجبوا بثمار عمل العمال المحكوم عليهم، وهم موجودون في قلب الثروة الضخمة التي لم تملك البشرية مثيلا لها في يوم من الأيام، بالعيش عيشة بائسة. ونحن، معشر الاشتراكيين، الذين هدفهم تحرير العمل والقضاء على نظام الأجير القائم وإقامة نظام اجتماعي سيكون لجميع العمال في ظله الحق في الثروة المصنوعة بالعمل المشترك، تدعو المنتجين الحقيقيين إلى الاجتماع سوية في 14 تموز/يوليو في باريس.

إننا ندعوكم الجميع إلى تعزيز التحالف الأخوي، التحالف الذي سيعطي بدوره قوى جديدة لبروليتاريي جميع البلدان في نضالهم ويعجل حلول العالم الجديد».

في القائمة الصباحية من يوم 14 تموز/يوليو كان عدد الحاضرين 391 مندوبا من 20 بلدا. ولكن في اليوم التالي مساء أصبح عددهم 467 شخصا، وفيما بعد ظهر مندوبون جدد أيضا. وهكذا فقد بات المؤتمر التأسيسي للأممية الثانية أكبر اجراء اشتراكي عالمي على امتداد تاريخ الرأسمالية السابق.

كلمة الترحيب بالمجتمعين القاها بول لافراغ، فقال: «ان البرجوازية تحتفل بالذكرى المئوية لثورتها، لتلك الثورة التي أعلنت أنها ستجلب للبشرية العدالة والحرية والمساواة، ولتلك التي لم تجد شيئا أفضل من الانتهاء باقي استغلال للعمال لا حد له…

لقد بين مندوبو المؤتمر الاشتراكي العالمي لعام 1889، بلقائهم بحد ذاته، انهم يزعمون على احراز شيء أكبر مما جلبته ثورة 1789، وهم لا ينحنون أمام «حقوق الانسان والمواطن» المعلنة عام 1789 لأنها ليست سوى حقوق لأكياس النقود… في هذه القاعة التأم رسل الفكر الجديد. إنهم يعظون عمال الأمم المتمدنة طوال سنوات عديدة: أنتم إخوة ولديكم عدو واحد –الرأسمال الخاص- سواء أكان بروسيا أم انجليزيا أم فرنسيا أم صينيا. وان دعايتهم التي لا تعرف الكلل، على الرغم من الظلم السياسي والاقتصادي من جانب طبقة الرأسماليين، قد حققت توحيد الاشتراكيين الروحي لكلا العالمين».

إن جدول الأعمال، الذي وضعه مؤتمر لاهاي، لم يفترض طرح مسألة إجراء يوم النضال في جميع البلدان في آن واحد من أجل تنفيذ قرارات المؤتمر. ونظرا لذلك يقول أحيانا بعض منتقدي أول أيار/مايو ان هذا العيد ولد بصورة عرضية تماما. وهم يستشهدون أيضا لدى ذلك بجزء من مذكرات الذين حضروا المؤتمر، وبالأخص مذكرات تاباران. وينتج منها أن المندوبين، الذين أنهكهم عمل سبعة ايام والحر والجو الخانق في 20 تموز/يوليو وإذ كانوا يرغبون في إنهاء الجلسة الختامية بأسرع ما يمكن، أيدوا دون مناقشة تذكر القرار، الذي لا يعرف أحد من أين جيء به، والذي تقدم به المندوب الفرنسي ريمون لافين، حول إرجاء تظاهرات أول أيار/مايو في عام 1890.

ولكن ثمة وقائع كثيرة تشهد ضد هذه الرواية، وبالأخص محتوى القرار المتخذ. إليكم نص هذا القرار المؤلف من ثلاث فقرات:

«في الموعد المقرر سوف تجري مظاهرة عالمية كبيرة بحيث يقدم الكادحون إلى السلطات، في جميع البلدان وجميع المدن في آن واحد، مطلب التخفيض الشرعي لمدة يوم العمل إلى 8 ساعات، وتطبيق القرارات الأخرى لمؤتمر باريس العالمي.

نظرا لكون اتحاد العمل الأمريكي في مؤتمره بمدينة سانت لويس في كانون الأول/ديسمبر 1888 قد اتخذ قرارا بإجراء مظاهرة مماثلة في 1 أيار/مايو 1890، فان هذا الموعد يصادق عليه.

يجب على كادحي مختلف البلدان إجراء هذه المظاهرة طبقا لمزايا بلدهم الخاصة».

إن الفقرة الأولى من القرار تاريخ سابق وهو أن مؤتمر الاتحاد الوطني لنقابات فرنسا (28 تشرين الأول/أكتوبر-4 تشرين الثاني/نوفمبر 1888) قرر القيام في غضون يومين بمظاهرات عامة تستهدف تخفيض يوم العمل إلى 8 ساعات واقرار مستوى أدنى للأجور. وكان من المفترض أن ترسل جميع نقابات فرنسا إلى مراكز المحافظات والبلديات في 10 شباط/فبراير 1889 وفودا خاصة تحمل هذه المطالب. وفي 24 شباط/فبراير يجب عليهم بالذات، مدعمين بالمظاهرات العمالية، أن يحصلوا على جواب. ونظرا لهذا النجاح (جرت المظاهرات في أكثر من 60 مدينة) أقر المجلس الوطني للاتحاد مشروع قرار لأجل مؤتمر باريس كان يتألف، بادئ الأمر، من الفقرة الاولى، وكلف لافين بتقديمه. إذن، فإن الافتراض بـ«عفوية» اقتراح قرار أول أيار/مايو غير وارد.

والفقرة التالية من قرار لافين تشهد بأنها نوقشت مع ممثلي اتحاد العمل الامريكي الذي طلب من المؤتمر تقديم تأييد معنوي للحركة الامريكية في سبيل يوم عمل من 8 ساعات. غير أن القرار كان يقصد لا النضال الاقتصادي البحت، الذي كانت تميل إليه قيادة اتحاد العمل الأمريكي برئاسة غومبيرس، بل تقديم مطلب سياسي –قانون عمل- إلى سلطات الدولة، على أن يكون مطلبا على المستوى العالمي. ولم يكن هذا يروق لغومبيرس الذي كان يسعى لا بقاء اتحاده خارج الحركة الاشتراكية. لذلك، فقد خاض اتحاد العمل الامريكي فيما بعد النضال في سبيل يوم عمل من 8 ساعات بوسائل أخرى دون أن يستخدم أول أيار/مايو لهذا الغرض.

وأخيرا، فان الفقرة الثالثة من القرار تم الاتفاق عليها بشكل واضح مع الوفد الالماني الذي كان يتخوف من أن اتخاذه تعهدات باستخدام شكل معين للنضال في سبيل تنفيذ قرارات المؤتمر قد يدفع سلطات ألمانيا إلى تمديد مفعول «القانون الاستثنائي» ضد الاشتراكيين الذي ينبغي أن تنتهي مدته في 30 أيلول/سبتمبر 1890.

ومن الهام الاشارة كذلك إلى أن الكثيرين من الخطباء تحدثوا، في التقارير الوافرة العدد المكرسة لحالة الحركة العمالية والاشتراكية في مختلف البلدان ولقضايا نضال مجموعات مهنية مختلفة للعمال، عن ضرورة القيام في وقت واحد بنضالات عالمية للبروليتاريا.

كانت فكرة القيام في آن واحد بمظاهرات عالمية فكرة عالقة في الهواء. ونشأت على الفور خلافات حول مسألة كيف ينبغي أن تكون هذه المظاهرات. وطرحت في مؤتمر باريس اعتراضات ضد المسلك الوارد في القرار. فقد اعرب المندوب الفرنسي تريفو عن فكرة تقول بأن المظاهرة يمكن ان تكون فعالة فقط عندما تحظى بمساندة الاضراب العام الذي يجب عليه أن يشكل بداية للثورة الاشتراكية. فاعترض عليه ليبكنخت قائلا انه يجب على المنظمات العمالية أن تكون أشد قوة بكثير لكي تقوم بأعمال كهذه بنجاح. واقترح تريفو إضافة مفادها أن الثورة سوف تمس فقط تلك البلدان التي يملك فيها الاضراب العام حظا في النجاح. وايده بضعة مندوبين. ولكن لدى التصويت رفضت الاضافة بأكثرية ساحقة. لقد عنى مآل التصويت انتصارا آخر أيضا للقوى الماركسية في المؤتمر.

إثر انتهاء المؤتمر الأول للأممية الثانية مباشرة لم تستطع الجرائد البرجوازية أن تقيم، ولو بقدر ما من الشبه، لا مغزى المؤتمر نفسه، ولا قرار أول/أيار معتبرة إياه، على ما يبدو، وسيلة عادية للترويج للقرارات المتخذة. وقد تحدثت الريبورتاجات القليلة العدد عن «النزعة الطوائفية» للمنظمات العمالية التي لم تتمكن من الاتفاق حول عقد مؤتمر موحد. ولكن هذه الجرائد نشرت، في المقابل، مواد ضافية عن الاحتفالات الوافرة العدد بمناسبة المعرض العالمي.

غير أن الزمن يضع كل شيء في مكانه. فبعد مرور عشرات السنوات سوف يتذكرون المعرض العالمي لعام 1889، إذا تذكروه فعلا، وذلك في أغلب الأحيان لأنه جرى آنذاك بالذات تدشين برج ايفل في باريس. أما الماركسية، التي ترسخت في مؤتمر باريس للأممية الثانية واكملها لينين وطورها، فسوف تغدو مرشد عمل بالنسبة لمئات الملايين الذين يبنون الاشتراكية والشيوعية، والذين يناضلون ضد سياسة العدوان والاضطهاد.

وقدم مساهمته في ذلك قرار أول/أيار أيضا الذي لعب دورا كبيرا في تقوية النضال الطبقي وتطوير الحركة العمالية العالمية. وقد أكد الزمن بكل اقناع كلمات انجلس: «لقد كان القرار بشأن أول أيار/مايو افضل قرار بين القرارات التي اتخذها مؤتمرنا. انه بيبين قوتنا في العالم بأسره، وينعش الأممية بصورة أفضل من جميع المحاولات الشكلية لإعادة التنظيم…» (1).