في لا جدوى البحث عن شخص نزيه

الحزب22 أكتوبر، 2026

بقلم، سعيد الريشة

“أما أنا، ولله الحمد، فقد أعرضت عن النعم التي عرضت علي لأكرس نفسي ‘حارسا للدار’. فلئن كان لي أن أفخر بصفة حميدة لافتخرت بالقناعة. لقد صار الإثراء اليوم أمرا ميسورا في المغرب: يكفي أن تحني الرأس وتمد اليد. أما أنا فمتشبع بحكمتنا الشعبية التي تقول أن الفم الممتلئ طعاما لا يستطيع الكلام. أنا حريص على التعبير عما أنوي التعبير عنه دون قيود وعلى السير مرفوع الرأس” [1].

الكلام أعلاه لمؤسس الاتحاد الوطني للقوات الشعبية الشهيد المهدي بن بركة، وهو خطاب مفعَم بأخلاقيات القناعة والاستغناء والأنَفة. وقد ورثه عنه مؤسس الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية عبد الرحيم بوعبيد. فعندما أقيلت حكومة عبد الله إبراهيم، جاء إلى إقامة بوعبيد موظف مسؤول في الأملاك المخزنية لجرد أثاث المنزل، وبعد إنهاء المهمة، قال هذا الموظف بأن عبد الرحيم بوعبيد “رافقه إلى مخزن خاص جمع فيه كل الهدايا التي توصل بها طوال فترة توليه الوزارة: زرابي، أواني، آلات الكترونية وقطع من التحف النفيسة وألح علي السي عبد الرحيم بأن أعد قائمة لجرد كل الهدايا لأنها هدايا لم تقدم لشخص عبد الرحيم بوعبيد وإنما إلى نائب رئيس الحكومة ووزير الاقتصاد الوطني والمالية ولهذا فهي هدايا يجب أن تصبح في قائمة أملاك الدولة…”. [2].

أما عبد الرحمن اليوسفي، أحد زعماء الحزب والوزير الأول في حكومة التناوب التوافقي، فقد عُرف عنه رفضه تعويضات هيئة الإنصاف والمصالحة، وكان يحوِّل تعويضات تنقله كوزير أول إلى صندوق دعم العالم القروي.

هذا النوع من المعارضة الأخلاقية، التي تركز على نزاهة الشخص، بدل المضمون الطبقي (السياسي والاقتصادي والاجتماعي)، انتهت في منعطفات التاريخ الكبرى إلى السير يدا في يدِ مع الاستبداد السياسي، بمبرر أن المصالح العليا للوطن تبرر ذلك. وكان استسلام الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية أمام الملكية سنة 1998، نتيجة لهذا النوع من المعارضة الأخلاقية، وليس خيانة لها أو تخليا عن مُثلها العليا. فالاتحاد الاشتراكي (وقبله الاتحاد الوطني للقوات الشعبية) ليس إلا يسار الحركة الوطنية البرجوازية (يسار حزب الاستقلال) الذي حاول عبثا الوصول إلى تسوية مع المَلكية من أجل تنمية رأسمالية للبلد، رأسمالية تقوم على التنافس الشريف والقانون… وكان الشعب العامل (طبقة عاملة وصغار منتجين) مجرَّد محكومين عليهم طاعة الحاكمين (المَلكية) والذين يسعون إلى تقاسم الحكم معها (الاتحاد الوطني والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية).

بعد انهيار الجناح الليبرالي من المعارضة البرجوازية، المتمثل في الاتحاد الاشتراكي، برز إلى سطح الحياة السياسية الجناح الرجعي الديني من المعارضة البرجوازية ذاتها، متمثلا في حزب العدالة والتنمية، مالئا الساحة التي أُفرِغت من الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية. يتبنى العدالة والتنمية نفس منهج المعارضة الأخلاقية، لكن القائمة على الدين، بدل تلك القائمة على الخطاب الليبرالي- اليساري الخاص بالاتحاد الاشتراكي. ومرارا يركز زعماء حزب العدالة والتنمية على نظافة أيديهم أثناء تدبيرهم للمؤسسات المنتخَبة أو عندما كانوا في الواجهة الحكومية لولايتين (2012/ 2016- 2017/ 2021)…

لكن نظافة اليد ونزاهة الشخص ليست هي التي تملأ معدة المواطن أو تضمن للطفل مقعدا في المدرسة وللمعطل منصب شغل وللمسن تقاعدا مريحا، وللمعارِض حرية التعبير وللصحفي حق الكلمة. فهذا بنكيران الذي يفتخر بنظافة يده يفتخر أيضا بأنه من قام بتمرير أقسى الهجمات على دخل الكادح المغربي وتقاعده، ويتوعد بأن يقوم بأكثر من ذلك إذا حملته الانتخابات إلى نفس موقع تدبير واجهة الحكومة. وفي سنة 2011، رضي بموقع خدمة أجندات المَلكية لتجاوز موجة السياق الثوري العربي- المغاربي، تماما كما رضي عبد الرحمن اليوسفي قبله بأن يتولى واجهة الحكومة لتأمين انتقال سلس للحكم من الحسن الثاني إلى ولي عهده آنذاك.

يبدو إذن أن الغائب ليس الشخص النزيه، فتاريخ المغرب زاخر بمثل هؤلاء الأشخاص. وقد روى جيل بيرو في كتيبه الشيق “صديقنا الملك”، أن قادة انقلاب الصخيرات 1971 كان أحد دوافعهم هو اشمئزازهم من الفساد البالغ للقصر الملكي، وصرحوا قائلين: “بما أن الملك يرفض أن ينظف إسطبلات الفساد، فسنفعل ذلك دونه، أو رغما عنه”. [3]

الغائب هو معارضة جذرية تضع موضع تساؤل ليس أخلاق المجتمع، بل أسسه الاقتصادية والاجتماعية، هذه التي تشكل بدورها أساس الأخلاق السائدة، وفي نفس الوقت تشكل تفسيرا لماذا ينتهي الشخص النزيه إلى أن يكون غير نزيه، أو يحتفظ بنظافة يده الشخصية، ولكن يستمر في خدمة مصالح المالكين (الرأسماليين) ضد مصالح المحكومين (الطبقة العاملة وصغار المنتجين). وفي أقل الأحوال سوءً ينتهي الشخص النزيه إلى الانسحاب مهزوما وإعلان اعتزال السياسة، تماما كما وقع سابقا مع عمر بلافريج النائب البرلماني السابق عن الحزب الاشتراكي الموحد.

لا يمكن إصلاح أخلاق المجتمع الرأسمالي، ومن هنا لا جدى البحث عن شخص نزيه، ومعه لا جدوى محاولات تشريعية مثل “تجريم الإثراء غير المشروع”، وكأن الإثراء المشروع لا يقوم على استغلال قسم من الشعب، غالبية الشعب من طرف الأقلية الرأسمالية. المجتمع الرأسمالي قائم على مبدأ تقديس المِلكية الخاصة والركض وراء الربح، أقصى ربح. والاستغلال هو الذي يرمي بقسم من الشعب، رغما عنه، في مستنقع الجريمة والبغاء والمخدرات والعنف… إلخ.

ينادي الثوريون- ات بأخلاق تحفز الطبقة العاملة والكادحين- ات إلى الثورة على مجتمع الاستغلال، وليس المحافظة عليه (كما تفعل المعارضة البرجوازية الدينية) أو الاكتفاء بإضفاء إصلاحات عليه (كما تتمنى المعارضة البرجوازية الليبرالية)، وكلا النوعين من المعارضة يقفان بشراسة في وجه نضال الكادحين، وقد رأينا ذلك في حراك الريف (2016- 2017) وجيل- زد (خريف 2025). على النقيض من ذلك، يقوم جوهر أخلاق الثورة في استثارة الجماهير البشرية ضد الجمود الفكري والسلبية السياسية اللذين يشكلان أساس رفاه الأقلية الحاكمة ووضعها المتميز. هذا هو الفرق بين أخلاقهم وأخلاقنا، فالشخص الثوري (عكس الشخص النزيه حصرا) يربط شروط وجوده الفردي وأفكاره وأحكامه الأخلاقية بأهداف تاريخية لا تتفق مع المجتمع المعاصر، بينما قد يقتصر الشخص النزيه على إصلاح المجتمع المعاصر، وعندما يصطدم بحقيقة استحالة إصلاحه يستسلم أمامه. لذلك بدل السعي وراء شخص نزيه، يترك دوما طعم رماد في أفواه من ينتظرون قدومه، يكون الواجب هو تقويض مجتمع الاستغلال الرأسمالي القائم على التنافس بين الرأسماليين على الربح وبين العمال على من سيحصل على فرصة عمل قبل الآخر، وبناء مجتمع التعاون الإنساني، مجتمع المنتجين المتشاركين الأحرار؛ وهذا ليس سوى المجتمع الاشتراكي. فإما هذا وإما الهمجية القائمة، والتي تزداد قتامة يوما بعد يوم، وتهدد بتقويض أسس الحياة على الكوكب.

—————-

[1]- دفاتر وجهة نظر ، العدد 17، “المهدي بن بركة، الموروث المشترك من منظمة القارات الثلاث إلى حركة العولمة البديلة”، ص 117- 118.

[2]- عبد الرحيم بوعبيد، سيادة الوطن وكرامة المواطن، الجزء الأول (1941- 1961)، عبد اللطيف جبرو، الطبعة الأولى 1993، ص 91.

[3]- جيل بيرو (2002)، “صديقنا الملك”، ترجمة ميشيل خوري، ورد للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق- سوريا، الطبعة الأولى، ص 139.

شارك المقالة

اقرأ أيضا