ما دلالات انتخاب أسامة باريك إلى البرلمان؟

سياسة24 أكتوبر، 2026

بقلم؛ علي أموزاي

انتُخب الشاب أسامة باريك نائبا برلمانيا عن حزب الوحدة والديمقراطية في الانتخابات التشريعية الأخيرة (23-09-2026). هذا حدث سياسي مهم، ليس علينا التقليل من شأنه ولا التضخيم في دلالاته السياسية. ليست هذه أول مرة تحمل فيه القاعدة الشعبية نوابا عنها إلى البرلمان، أملا في أن يمثلوها خير تمثيل. فقد سبق إلى ذلك سكان مدينة سيدي إفني حينما انتَخبوا أعضاء السكرتاريا المحلية التي قادت حراك المدينة بين سنوات 2005 و2008، عقب الانتخابات الجماعية المنظَّمة سنة 2009. وفي مدينة جرادة نجح قادة الحراك (تحت راية حزب التقدم والاشتراكية) في الحصول على 23 مقعدا من أصل 25 في المجلس البلدي في انتخابات 8 سبتمبر 2021. وفي مدينة فجيج انتُخب أعضاء حزب فيدرالية اليسار الديمقراطي مرتين في انتخابات جزئية (12 سبتمبر 2024، 22 أبريل 2025).

الدلالة الأهم في هذه الحالات هو أنه حتى في ظل الاستبداد وتحكم الدولة في الخريطة الانتخابية والاستعمال الواسع للمال، يتمكن الشعب من إيصال من يراهم صالحين لتمثيله في المؤسسات المنتخَبة، مع أوهام كبيرة وآمال عظيمة بأن المشكل يتمثل فقط في الشخص المنتخَب، وأن وصول النزهاء إلى تلك المؤسسات يفتح الباب لتحقيق المطامح والمطالب التي انتُخبوا من أجلها. هذه الأوهام ليست بسيطة، فهي تمد جذورها في الواقع، واقع أن الشعب لن يسعى إلى إسقاط المؤسسات القائمة وإقامة أخرى محلها دفعة واحدة دون المرور بتجربة استعمال المؤسسات القائمة فعلا. ودور اليسار الثوري ليس الاستهانة بهذه الأوهام بل إدراك الواقع الموضوعي الذي يقف وراءها. فالصراع الطبقي لا يجري كما تتصوره المجموعات اليسارية العصبوية المنغلقة على نفسها والمنقطعة عن الواقع. الصراع الطبقي هو ما يفعله الناس في حياتهم اليومية، والانغراس في فعل الناس هذا، دون تزكية أوهامهم، والسعي إلى الارتقاء بوعيهم ليتجاوز الوضع القائم، هي مهمة اليسار الثوري.

الدلالة المتعلقة بانتخاب أسامة باريك، هي أكثر مما تسعى وسائل الإعلام إلى ترسيخه في وعي الناس. استعمال وسائل التواصل الاجتماعي (فايسبوك… إلخ)، ليست إلا واسطة للتعبير. لكن الأكثر دلالة هو ما يجري التعبير عنه. فالجميع يستعمل تلك الوسائل، ولدى الدولة هيئة أركان الكترونية ضخمة، تستعملها للدعاية لمرشحيها المفضَّلين، لكن ذلك لا يحول دون تحقيق اختراقات انتخابية عكس ما تسعى إليه، كما حدث مع الشاب أسامة، وأيضا مع المجموعة النيابية لتحالف اليسار المكوَّنة من ثمانية نواب برلمانيين.

لذلك يمكن فهم كل ذلك التملُّق الذي يحظى به الشاب أسامة من طرف جميع الأحزاب والفرق النيابية في مجلس النواب، بما فيها محاولات فريق تحالف اليسار استقطابه إلى مجموعته البرلمانية.

جو البرلمان له تأثير على سلوك النواب الذي انتخبهم الشعب عن اقتناع، ما دام هؤلاء النواب لا يخضعون لبيئة مضادة تحميهم من ذلك التأثير. ويفاقمُ الأمرَ الحزبُ الذي انتخِب تحت لواءه أسامة، ولكن بشكل رئيسي القاعدة الاجتماعية التي انتخبته؛ أي سكان الجبل بإقليم ميدلت، كما يحلو لأسامة تكراره. هذه القاعدة الاجتماعية تتكون أساسا من صغار الفلاحين القرويين وشبابها. يعتقد هؤلاء أن المشكل يكمن في إقصاء مناطقهم من التنمية التي تستفيد منها مناطق البلد الأخرى، أو بالتعبير المفضَّل لديهم “المغرب النافع”، عكس “المغرب غير النافع” الذي يقطنونه. لذلك يتناولون مشكل الفقر والإقصاء من زاوية محلية ضيقة، فتعبئة سكان القرى ومن يتحدث باسمهم متوقف، في حالة المغرب حيث يغيب حزب يساري كبير يعبئ سكان القرى، على الظروف المحلية أكثر منه على الظروف الوطنية. 

لهذا تميزت مداخلات النائب الشاب أسامة بتثمين البرنامج الحكومي وتمني التوفيق لحكومة الواجهة الجديدة، مع التركيز على غياب هموم سكان الجبل في ذلك البرنامج. في حين أن سبب أوضاع القرى هو نموذجُ التنمية القائم ذاته والبرامج الحكومية التي تكثفه، وليس إقصاءُ سكانها من ثمار هذا النموذج وبرامجه الحكومية المتعددة الألوان الحزبية. فالنموذج الرأسمالي التابع القائم في المغرب، لا يمكن إلا أن ينتج إقصاء وتفقيرا، سواء في القرى والجبال، أو المدن والسهول، بينما تقع ثمار ذلك النمو في جيوب أغنياء القرى والجبال والمدن.

ما يجب علينا كيساريين- ات جذريين- ات الانتباه له، ليس مواقف الشاب أسامة وتصريحاته داخل البرلمان ولوسائل الإعلام الباحثة دوما عن تسويق السياسة تجاريا. ما يهمنا أكثر هو تلك القاعدة الاجتماعية التي انتخبت الشاب أسامة، وكيف يمكن تعبئتها لدعم مطلبها التي يتحدث عنها أسامة دوما في كل المحافل. فتصريحاته المنوِّهة بالخطاب الملكي والمتمنية التوفيقَ للحكومة الجديدة، ليست إلا القشرة الرقيقة، التي يجب على اليساري- ة الثوري- ة أن يفصلها عن المطالب الشعبية التي تمثل اللب والجوهر والتي انتُخب على أساسها أسامة.

هذا ما تنتبه له الأحزاب البرجوازية الممتلئة مقاعدُ البرلمان بفِرقها النيابية، لذلك تتملق هذه الأحزاب الشاب أسامة، كي تتمكن، ليس من إفساده شخصيا وهو ما لن تتوانى عن فعله إن وجدت إلى ذلك سبيلا، وإنما كي تمكن من فصله عن تلك القاعدة الشعبية التي انتخبته و”تحميه” من ضغوطها ومطالبها. وقد يبدو خطاب أسامة مشتركا مع تلك الأحزاب في مدح المَلكية؛ لكن يجب مرة أخرى ألا نركز على هذا الذي يمثل القشرة، ونغفل عن اللب والجوهر. فبين الشاب أسامة وتلك الأحزاب البرجوازية تقع هوة سحيقة: أسامة مخلص قولا للمَلكية، لكنه يسعى فعلا لتحقيق مطالب القاعدة الشعبية التي انتخبته، لكن الأحزاب البرجوازية مخلصة قولا وفعلا للمَلكية ولبرنامجها الاقتصادي- الاجتماعي المؤدي دوما إلى اضطهاد سكان القرى، وضمنهم من انتخب أسامةَ إلى البرلمان. هذه الأحزاب ستبقى دوما وفية للمَلكية ولبرنامجها الاقتصادي، بينما الثاني إذا خاب أمله قد يمضي في اتجاه آخر، إذا وجد سندا في يسار جذري يدرك ضرورة استعمال السياسة الوحيدة الممكنة حاليا: استعمال المؤسسات المنتخَبة، وإذا كان مسنودا بتعبئة نضالية من القاعدة الشعبية التي انتخبته.

لقد كان الأمل كبيرا في أن ينضم أسامة إلى مجموعة تحالف اليسار داخل البرلمان، لكن هذا لم يتم، واقتصرت هذه المجموعة على إعلان الاستعداد لمواكبته وتقاسم الخبرة معه! لكن يبدو أن مجموعة تحالف اليسار، بنهجها الحالي لن تفيد الشاب أسامة كثيرا. فتركيز مجموعة تحالف اليسار على الألاعيب الدستورية والقانونية والتنظيمية، كما يستفادُ من مداخلات نواب التحالف داخل البرلمان، لن يفيد ذلك الشاب. فليس في تلك الألاعيب ما سيميز مجموعة تحالف اليسار عن بقية المعارضة (العدالة والتنمية والتجمع الوطني للأحرار) التي تنحو نفس النحو. ولن تتمكن القاعدة الشعبية التي انتخبت أسامة من تمييز نواب تحالف اليسار عن بقية أطياف المعارضة.

هذا النهج الذي اعتمدته مجموعة تحالف اليسار سيبدد ذلك الرصيد الذي حققته طيلة الحملة الانتخابية، حيث كان التركيز على شعار “السلطة للمنتخَبين وليس للمعيَّنين”. هذه هي الأرضية التي يمكن أن يتميز بها نواب تحالف اليسار، فضلا عن الأرضية الاجتماعية التي تمثل دوما روح اليسار. وعلى هذه الأرضيتين يمكن أن يفيد تحالف اليسار الشاب أسامة، ومعه تلك القاعدة الشعبية التي انتخبته. دون ذلك، ستنتهي تجربته في أحسن الأحوال إلى ما انتهت إليه تجربة عمر بلافريج: اعتزال السياسية، وفي أسوأ الأحوال إلى انفضاض القاعدة الشعبية عنه بعد تبيُّنها استحالةَ تحقيق مطالبها عبر ممثلها في البرلمان، وفي أكثر الأحوال سوءا استقطابه من أحزاب النظام وإفساده، مع تكريس الفكرة السائدة أصلا: “المخزن يغيِّر ولا يغيَّر”. وهو ما لا نتمناه للشاب أسامة باريك، وما علينا العمل بجد لتفادي وقوعه.

شارك المقالة

اقرأ أيضا