على هامش صدور الترجمة العربية لمذكرات المناضل إبراهيم أوشلح: كيف خطط الاتحاديون لإسقاط الملكية (مقابلة مجلة زمان -أكتوبر  2013)

الشباب و الطلبة20 يناير، 2026

نتيح لقراء/ت المناضل-ة، وعامة المهتمين/ت مقابلة مطولة أجرتها مجلة “زمان”، قبل 12 سنة، مع المناضل إبراهيم اوشلح. القصد فتح شهية القراءة، قراءة مذكرات هذا الأخير و كتابات سواه من الرفاق صناع التجربة وشهودها. نتيح هذه الوثيقة توخيا لأتم إحاطة بالموضوع من أجل استخلاص دروس حقبة من تاريخ النضال ضد الاستبداد ومن أجل الاشتراكية. ولا يسعنا بالمناسبة إلا أن نحيي جهود مجلة زمان لحفظ ذاكرة اليسار المغربي، وإن كنا لا نشاطرها منظورها لهذا التاريخ.

****

كان إبراهيم أو شلح عضوا في قيادة التنظيم السري لحزب الاتحاد الوطني (ثم الاشتراكي للقوات الشعبية، ومسؤولا عن إذاعة «التحرير» في ليبيا. من موقعه هذا عاش تفاصيل الإعداد للثورة المسلحة التي كان ينوي الحزب قيادتها لإسقاط نظام الحسن الثاني في شهادته عن هذه المرحلة، يكشف ويشرح أو شلح الوقائع والأحداث كما عاشها وشارك فيها.

تفتح “زمان”، في نسختها العربية، صفحاتها لذاكرة السيد إبراهيم أو شلح، أحد الشهود الرئيسيين على الصدام العنيف بين جزء من الحركة الوطنية والملك الراحل الحسن الثاني. ويتعلق الأمر تحديدا بظرفية 1975-1970، التي وصل فيها العنف والعنف المضاد درجاته القصوى في تاريخ المغرب المستقل.

نود في البداية التشديد على أننا، ونحن نعتصر ذاكرة أحد الفاعلين الاتحاديين في هذه المرحلة، لا نركض وراء الإثارة العابرة، ولا نهدف إلى خدش مشاعر هذا الطرف أو ذاك، بل دافعنا الأساسي هو تسجيل ذاكرة فاعل، وحفظ مصدر من مصادر تاريخنا القريب من التلف والضياع. صحيح أن الذاكرة ليست

التاريخ، لكنها مصدر من مصادره، بل هي المصدر الأكثر هشاشة، فهي معرضة للضياع بحكم وفاة حامليها، كما أنها مؤهلة للتشويه نتيجة “غش الذاكرة” المرض الملازم لها. فالفاعل التاريخي كائن حي يتفاعل مع تعاقب الزمن، وغالبا ما تختلط لديه الوقائع التي كان طرفا فيها مع الوقائع التي تلتها.

فتختلط دوافع الأولى مع دوافع الثانية، وكثيرا ما يضيع التاريخ الموضوعي بينهما. إن تسجيل الذاكرة عمل أساسي لسببين الأول إيقاف التفاعل السلبي بين الماضي والحاضر، والثاني خلق إمكانية تصحيح ما اعوج في رواية فاعل معين، عبر إثارة فضول فاعلين آخرين قد يكونون مساهمين في نفس الأحداث.

ذاكرة إبراهيم أو شلح تختزن في ثناياها وقائع وأسماء لها وزنها في تاريخ المغرب القريب فبالرغم من تواضعه المعروف، ونزوعه نحو التحفظ والتكتم فالرجل ليس بالشخص العادي ولا بالشخصية المبتذلة هو أحد المتخرجين الأوائل من كلية العلوم، وأحد المتخصصين النوادر، خلال الستينيات، في علوم الأرض والجيولوجيا. وقد كان بإمكانه أن يتبوأ أعلى المناصب إلى جانب محمد كريم العمراني إمبراطور الفوسفاط حينها إلا أنه اختار المغامرة و”الثورة” إلى جانب محمد الفقيه البصري.

مصطلح “الثورة” يثير اليوم عند من يقرأه أو يسمعه إما السخرية والابتسام نظرا لشحنة الطوباوية التي تتقاطر منه في زمننا هذا الذي جفت فيه منابع الحلم، اللهم تلك المرتبطة بالغنى السريع، وإما الاستغراب والشفقة على جيل ضيع نبوغه وكفاءته في التضحية بالنفس والنفيس من أجل سعادة وكرامة ورخاء شعب لم يستوعب حينها مقاصد هذا الشباب المندفع. تمثل “الثورة” اليوم بهذا الشكل المزدوج هو معطى ثقافي في حاضرنا، أما خلال ظرفية 1968-1975، فكانت أفقا سياسيا محتملا. لقد كانت الحقبة تزخر بالانقلابات والانتفاضات الشعبية المختلفة، وحركات التحرير المتنوعة الحاملة للسلاح باسم الشعب، ضد أنظمة سياسية قائمة محلية وأجنبية.

لم يكن الواقع السياسي المغربي معزولا عن هذا المناخ العالمي، فقد عاش المغرب منذ استقلاله في مارس 1956، صراعا حادا بين الفرقاء حول ” الدولة الوطنية” المطلوب تأسيسها بعد الاستعمار. فمقابل توجه الراحل الحسن الثاني نحو بناء دولة أو توقراطية لا يكون فيها للملكية أي منازع لا في شرعيتها ولا في إدارتها للشأن العام، كان هناك توجه وطني تحرري يطمح لإرساء دولة عصرية تستمد شرعيتها من الشعب ويقودها رموز نجحوا في امتحان مقاومة الاستعمار.

وكان هؤلاء يعتبرون أن شرعيتهم أسمى من شرعية الملكية المغربية، بل لولا نضالهم وتضحياتهم لما تسنى للملكية المغربية أن تعود إلى العرش. هؤلاء خسروا المعركة في بداية الستينيات، فهمشوا من إدارة الشأن العام، أقصوا من النشاط المدني بعضهم تعرض للاعتقال والاختطاف، بل للقتل كـ ” الرمز” المهدي بنبركة. فترسخت لدى جيل كامل فكرة “عدم شرعية النظام الملكي المغربي” ، لأنه همش “الوطنيين الحقيقيين” وفتح المجال أمام “الخونة” خدام الاستعمار، كالجنرال محمد أوفقير وزبانيته لقرصنة استقلال المغرب.

على قاعدة هذه الفكرة الجوهرية، ستنمو فكرة “الثورة المغربية” وستتغذى من عصرها ومنتوجاته الإيديولوجية المتنوعة الاشتراكية الشعبوية، الماركسية الشيوعية، الماوية والتروتسكية والماركسية اللينينية … كل طرف كان يقول بـ ” العنف الثوري” ولكل طرف تصوره الخاص للثورة”. لم يبرز الخلاف بين التوجه الثوري والتوجه الديمقراطي إلا في أواسط سنة 1974. فالخلافات الجوهرية لم تكن حول مبدأ “الثورة على النظام الملكي” ، بل حول طريقة إنجاز ذلك بجيش شعبي وحرب طويلة المدى أو بكومندوهات وعمليات مركزة وسريعة. بحرب ضد الجيش الملكي أو المصالح الأمنية الأخرى، أو بتحالف من داخل الجيش نفسه ولما لا عبر انقلابات عسكرية.

****

  • قبل أن تصبح عضوا في التنظيم السري لحزب الاتحاد الوطني (ثم الاشتراكي) للقوات الشعبية، كيف تشكل وعيك السياسي؟

لا بد من العودة إلى مرحلة الطفولة التي كانت أجواؤها أساسية في تكوين وعيي السياسي مبكرا، نشأت وسط عائلة استقلالية، تتحدر من تافراوت بمنطقة سوس، وكان والدي منخرطا في نضالات حزب الاستقلال في مدينة سلا حيث ولدت وترعرعت. اتذكر مثلا، أن والدتي حكت لي وأنا طفل كيف أن أبي كان يمكن أن يستشهد قبل أن أرى النور، لمشاركته في مظاهرات 29 يناير 1944 التي قادها عبد الرحيم بوعبيد وبوبكر القادري آنذاك في مدينة سلا ضد الاستعمار، والتي ووجهت بقمع دموي. أذكر أيضا حكايات والدتي عن اجتماعات خلايا الحزب في بيتنا، كما اتذكر جيدا كيف عشت باهتمام كبير نفي محمد الخامس سنة 1953، وكيف أثر في تفاعل والدي ومحيطي مع هذا الحدث.

بعد ذلك جاءت مرحلة الدراسة في مدرسة الأعيان بسلا ثم ثانوية مولاي يوسف بالرباط كانت محطة أساسية في ترسيخ وعيي الوطني. في مدرسة الأعيان كان مدرسونا فرنسيين وأول مغربي درست على يديه كان هو الأستاذ البكاري. أذكر أننا نفذنا إضرابا عن الدراسة وعمري لم يكن يتجاوز 11 سنة بعدما طرد هذا الأستاذ لمحاولته خلق قسم نموذجي حديث في المدرسة آنذاك.

أما في ثانوية مولا يوسف فتأثرت كثيرا بالأستاذين السغروشني وزنيبر اللذين كانا يدرساننا فكر المعتزلة في التراث الإسلامي، بعدما قام الحسن الثاني سنة 1963 باستبدال دروس الفلسفة بالفكر الإسلامي، إلى جانبهما كانت lucie aubrac (من أشهر مقاومي النازية في فرنسا)، وفرانسوا دي لاسودا الذي كان له دور هام في حركة مناهضي حرب الجزائر وجميعهم زرعوا فينا أفكارا تقدمية.

أود أيضا أن أشير إلى صدمة حرب الرمال مع الجزائر سنة 1963، والتي كان لها أثر في تكويني السياسي. أذكر هنا صدفة عجيبة، إذ جاء مرة فريق من ضباط الجيش الملكي ونقلونا إلى ثانوية لالة نزهة بالرباط حيث عرضوا علينا شريطا دعائيا للقوات الجوية، وفي نهاية العرض قدمت إلينا استمارات لنملأها. الذين ملؤوا استماراتهم أصبحوا فيما بعد أعضاء في الجيش، وكان من بينهم مبارك الطويل والزموري اللذان سيشاركان في ما بعد في انقلاب الصخيرات سنة 1971 وسيزج بهما في معتقل تازمامارت أما أنا فكنت من الذين لم يملؤوا تلك الاستمارات.

عندما التحقت بكلية العلوم في الرباط سنة 1964 تعرفت على العربي عجول وحميد بلقاضي وأبا عقيل، وأسسنا معا أول تعاضدية للاتحاد الوطني لطلبة المغرب بكلية العلوم في تلك السنة. من غرائب الصدف أن الكلية كانت أيضا مقرا للبرلمان المغربي، وكنا نستفيد من مقهى البرلمان. لكننا أصبحنا محرومين من هذا المقهى بعدما حُل البرلمان وأعلنت حالة الاستثناء سنة 1965، فذهبت بصفتي عضوا في التعاضدية إلى عميد الكلية وكان هو الأستاذ ألبير ساسون، لكنه رد علي “لا بد من موافقة الديوان الملكي لفتح المقهى ” . بعد 40 سنة ذكرت ساسون بهذه الحادثة فقال لي “لو قبلت طلبكم حينها لنظم طلبة كلية الحقوق مظاهرة ليطالبوا أيضا بفتح مقهى في كليتهم”.

  • كيف التحقت بالاتحاد الوطني للقوات الشعبية؟

شاركت في الحملة الانتخابية مع المهدي العلوي، مرشح الاتحاد، في انتخابات 1962، ولم أكن أحمل حينها بطاقة الحزب. يمكن القول إنني كنت منخرطا فيه بشكل ضمني.

بالعودة المرحلة الدراسة الجامعية، كانت انتفاضة 23 مارس 1965 محطة أخرى هامة في ترسيخ وعيي السياسي. لم تكن كلية العلوم حينها شاركت في المظاهرات التي نظمها الطلبة بالرباط، لكن الحي الجامعي ظل محاصرا من طرف قوات “الكوم” العسكرية ثلاثة أيام، ثم اقتحم الحي ونكل بالطلبة.  في 1967 حصلت على شهادة الإجازة، وقررت الانتقال إلى فرنسا لإتمام دراستي، وتحديدا بمدينة غرونوبل. هناك سوف التقي مجددا بالعربي عجول وحميد بلقاضي، كما سأتعرف على مناضلين اتحاديين آخرين مثل الطيب بناني والعربي الجعيدي والبشير بنبركة والجرموني، إضافة إلى المرحوم إدريس بنعلي وبلكندوز، اللذين كانا أقرب إلى الحزب الشيوعي المغربي آنذاك.

في غرونوبل كان محمد واكوك مناضلا اتحاديا يلعب دورا هاما في الإشراف على خلايا حزبية. صادف قدومي لفرنسا استعداده للعودة إلى المغرب، وكان عليه أن يجد من يورثه الإشراف على الخلايا التي كان مسؤولا عنها ، فأوكل إلي رفقة العربي عجول مهمة تدبير خليتين عماليتين. إلى جانب هاتين الخليتين، بدأت رفقة الطيب بناني في تأسيس خلايا حزبية جديدة، لم يكن النضال الحزبي همنا الوحيد، بل كنا نولي اهتماما كبيرا للنجاح في دراستنا والحصول على الشهادات التي جئنا من أجلها.

في تلك الفترة حدثت انتفاضة ماي 68 الشهيرة بفرنسا، وعشت تفاصيل النقاش الفكري والسياسي الذي ميز المرحلة.

  • ما هي الأنشطة التي كنتم تقومون بها في خلايا الاتحاد الوطني للقوات الشعبية التي كنتم تشرفون عليها في فرنسا؟

كانت هناك خلايا عمالية وأخرى طلابية. بالنسبة لخلايا العمال كنا ننظم دروسا لمحو الأمية لصالح العمال المغاربة بفرنسا ونؤطر جمعيات العمال.

أما الخلايا الطلابية فكانت أقرب إلى نواد للتفكير وتنظيم الندوات الفكرية والإيديولوجية، إضافة إلى الانخراط في الأنشطة التي تنظمها الجمعيات المدافعة عن القضية الفلسطينية. وطبعا الأنشطة التضامنية مع المناضلين الذين يحاكمون في المغرب خاصة أثناء محاكمة مراكش 1970 (اتهم خلالها اتحاديون بالتآمر على النظام).

 

  • كيف أصبحت عضوا في التنظيم السري للحزب؟

كنت أتابع دراستي في فرنسا، تخصص الجيولوجيا، في إطار منحة من وزارة الطاقة والمعادن المغربية التزم مقابلها بالاشتغال في الوزارة أو أحد المرافق التابعة لها بعد إنهاء دراستي… في سنة 1970 انتقلت إلى مدينة نانسي لإتمام دراستي في السلك الثالث والالتحاق بالمدرسة الوطنية للجيولوجيا. صادف ذلك انعقاد محاكمة مراكشK فشاركت في الأنشطة التي كنا ننظمها في إطار الاتحاد الوطني لطلبة المغرب تضامنا مع المتهمين. حينها تلقيت دعوة (تليغرام) لحضور لقاء بين طلبة شعبة الجيولوجيا وكريم العمراني، الذي كان حينها مديرا للمكتب الشريف للفوسفاط… ذهبت فعلا إلى ذلك اللقاء، وقال لنا العمراني إننا ننتج 11 مليون طن من الفوسفاط وأنا بحاجة إليكم لننتقل إلى إنتاج 20 مليون طن.

في نفس الوقت اتصل بي الفقيه البصري، عبر العربي عجول، وطلب لقائي في باريس. كان كريم العمراني يقترح علي خدمة مغرب معين، لكنني كنj أريد أن أخدم مغربا آخر مختلفا. فذهبت للقاء الفقيه البصري، وهكذا التقيت الفقيه لأول مرة في باريس في مقهى بجانب محطة ميترو Duroc.

كان البصري رمزا من رموزنا حينها. إنه قائد من قادة المقاومة محكوم عليه بالإعدام في محاكمة 1963. كانت له هالة كبيرة، ويعرف استعمالها في علاقاته مع المناضلين. كما كانت له القدرة على التعامل مع الأشخاص الذين يلتقيهم أول مرة وكأنه يعرفهم جيدا، إذ كان يسأل عنهم مسبقا.

  • ماذا كان غرض الفقيه البصري من وراء دعوتك هاته؟

كان هدف الفقيه البصري هو خلق تنظيم سري مواز وسط الطلبة والعمال الاتحاديين يكون منعزلا عن التنظيم العلني المعروف. كان يعتبر أن ما نقوم به مهم لكن هناك أشياء أكثر “جدية”، كما كان يقول، يجب أن يتكلف بها مناضلون أكثر حزما. التنظيم الموازي كان يشمل الخلايا العمالية والطلابية وكانت له فروع في بلجيكا مع الحسين المانوزي، وألمانيا مع عمر زهرير وهولندا مع الحسين إيخيش.

هكذا صرت أمارس مهاما علنية وأخرى سرية لا يعلم عنها رفاقي في التنظيم العلني شيئا . أذكر مثلا، أنني وصلت مرة متأخرا لأحد اجتماعات الطلبة الاتحاديين، وكان الحبيب المالكي يرأس الاجتماع. تأخرت لأنني كنت على موعد في إطار العمل السري مع الفقيه البصري والمهدي العلوي. فتدخل المالكي مشتكيا من تأخري بشكل يوحي وكأنه يريد أن يسمع مني أنني كنت مع الفقيه البصري، فأخذ محمد بنيحى الكلمة ورد عليه موبخاً ” علاش كتقلب؟”.

 

  • كانت الثورة المسلحة لإسقاط النظام هدفا للتنظيم السري. كيف اقتنعت بالانتقال لمرحلة حمل السلاح؟

إلى حدود سنة 1970 لم أكن قد انخرطت في أي عمل مسلح. كنت فقط عضوا ضمن هذا التنظيم السري الموازي، أشارك مع الفقيه البصري ومناضلين آخرين في تنظيم الخلايا الحزبية في أوربا.

كان أملنا أن نبني مغربا آخر غير ذلك الذي كان يحكمه الحسن الثاني، وكنا نؤمن بأن الملكية مهزوزة وآيلة للسقوط. كانت الثورة الفرنسية ثم الأدبيات الماركسية في ما بعد والثورة الكوبية وحرب فيتنام والتيار التقدمي في الثورة الفلسطينية، كلها عناصر أساسية في تشكيل فكرة الثورة في ذهني.

إضافة إلى أدبيات الحزب التي كانت تؤثر فينا كثيرا، ومنها على الخصوص في تلك الفترة تقرير الدكتور الحبابي “شبابنا في الثمانينات”، الذي يشرح إلى أي مدى كان الوضع مزريا حينها. كانت أحلامنا مختلفة ونريد مغربا ديمقراطيا بعيدا عن التعفن الذي كان سائدا.

يجب أن أشرح هنا أن التنظيم السري لم يكن موجودا فقط في الخارج، بل أساسه كان داخل المغرب.

  • كيف نشأ التنظيم السري للاتحاد الوطني للقوات الشعبية في الداخل؟

بعد محاكمة 1963، وأحداث 23 مارس 1965، واغتيال الشهيد المهدي بنبركة، أصبحت هناك قناعة لدى عدد كبير من مناضلي الاتحاد بأن النظام لا يمكن أن يستمر. أذكر أن بيانا رسميا صدر عن الحزب سنة 1963 يقول “لا دواء لهذا النظام إلا بزواله”. في هذا الظرف السياسي بدأت مجموعة من أعضاء المقاومة وجيش التحرير المنخرطون في الاتحاد، إضافة إلى بعض الطلبة والعمال في تأسيس خلايا سرية هدفها العمل من أجل ثورة مسلحة تسقط النظام.

مجموعة كبيرة من المقاومين لجأت إلى الجزائر بعد محاكمة 63 ، مثل محمد بنسعيد آيت يدر ،وعبد السلام الجبلي، أو شيخ العرب الذي بادر بشكل تلقائي للعودة إلى المغرب سنة 64 والقيام بعملية مسلحة. بالموازاة مع ذلك، كان محمد الحبيب الفرقاني يرعى خلايا التنظيم السري في الداخل. كان يتم إرسال مناضلين آخرين إلى سوريا للقيام بتدريبات عسكرية يعودون بعدها إلى المغرب. لم يكن يعني الأمر رجال المقاومة فقط بل كان هناك محامون وأساتذة وعمال وطلبة يتم إرسالهم إلى سوريا.

سنة 1969 تم اكتشاف هذا التنظيم فاعتقل 190 مناضلا، وكانت محاكمة مراكش الشهيرة سنة 1970. شكلت تلك المحاكمة ضربة قوية للتنظيم. لكنها لم تقض عليه. اثناء انعقاد هذه المحاكمة حاولت مجموعة من المناضلين تنفيذ عميلة في الريف انطلاقا من اسبانيا، يتعلق الأمر بمناضلين تدربوا في سوريا وكانوا ينوون إدخال أسلحة إلى المغرب، لكن تعاون النظام الفرانكاري الإسباني مع النظام المغربي مكن من اعتقال المجموعة.  ضغط النظام السوري بقوة، فتم إطلاق سراح المناضلين الذين كانوا يحملون جوازات سفر سورية، بينما سلم من لم يكن يملك جوازات السفر السورية إلى المغرب وهكذا اعتقل وعذب سعيد بونعيلات واحمد بنجلون.

استطاع التنظيم السري النقاط أنفاسه، ومواصلة استقطاب المناضلين وتأسيس الخلايا والإعداد للثورة. رغم الحكم عليه غيابيا بـ 20 سنة سجنا نافذا في محاكمة مراكش، تمكن عمر دهكون من الاستمرار في العمل السري وتنظيم الخلايا في المدن.

كان دهكون والجدياني مكلفين بالتنظيم في الرباط والدار البيضاء ووجدة واكادير ومكناس وفاس. المقاوم محمد أومدا الذي تدرب في سوريا وعاد إلى المغرب تكلف بمنطقة الأطلس المتوسط. إبراهيم التيزنيتي كان هو الآخر مقاوما، تكلف بالتنظيم السري في الجنوب، وفي تنغير كان سيدي حمو با سلام.

  • من كان مسؤولا في المكتب السياسي للحزب عن هذا التنظيم السري؟

محمد الفقيه البصري كان هو القائد العام لجميع الخلايا السرية المرتبطة بالعمل المسلح في الداخل والخارج.

  • ماذا عن باقي قيادة الحزب؟

العمل المسلح لم يكن قرارا علنيا سهلا يمكن مناقشته و اتخاذه داخل مؤسسات الحزب المعروفة في تلك الفترة كانت قيادة الحزب منقسمة

بين الجناح النقابي المعروف بجناح الدار البيضاء ويقوده المحجوب بن الصديق وعبد الله إبراهيم، وجناح الرباط الذي كان يقوده عبد الرحيم بوعبيد وعمر بنجلون.

كنا نعلم أن قيادة الحزب في الخارج أي الفقيه البصري وعبد الرحمان اليوسفي والمهدي العلوي مع جناح الرباط، أما المحجوب وعبد الله إبراهيم فكان معروفا أنهما كانا يرفضان العمل خارج إطار الشرعية.

لكي أجيب على السؤال، يمكنني القول إن القيادة السياسية للحزب في جناح الرباط ( التي سوف تؤسس لاحقا الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية) كانت على علم بوجود التنظيم السري، لكنها لم تكن تتكلم لغة السلاح بل لغة السياسة. ما كان يقوم به الفقيه البصري كان يدخل في الإطار العام لاستراتيجية الحزب في الوقت الذي كانت تعتبر فيه القيادة السياسية العمل المسلح تكتيكا، كانت القيادة العسكرية تعتبر العمل السياسي تكتيكا، وكان هناك تكامل بين الطرفين على أساس خدمة نفس الأهداف أي تغيير النظام. كما يقال بالدارجة “شي يكوي وشي يبخ”.

يجب أن أشير هنا إلى أنه كان هناك تيار ثالث داخل الحزب اختار في البداية العمل المسلح بوضوح ثم تراجع عنه بوضوح أيضا. يتعلق الأمر بالمقاومين محمد بنسيعد آيت يدر وعبد السلام الجبلي اللذين عبرا بعد محاكمة مراكش عن رفضهما نهج الفقيه البصري، وأنهما مع الثورة بطريقة أخرى. في ما بعد سوف يلتحق بهما مناضلون آخرون من داخل وخارج الحزب لتأسيس حركة 23 مارس.

  • هل سبق أن زاركم عبد الرحيم بوعبيد في الخارج باعتباركم تنظيما سريا ؟

لم يسبق لي أن رأيت بوعبيد في الخارج، لكنني أعرف أنه كان على علم بما نقوم به. عمر بنجلون أيضا كان على علم بوجود التنظيم السري وحاولنا إخراجه من المغرب لأنه كان مستهدفا من طرف النظام، لكنه رفض مغادرة البلاد.

خارج هذا المستوى لم يكن يعرف الكثيرُ من أعضاء الحزب أي شيء عن التنظيم السري والعمل المسلح. بل إن هناك كثيرا من المناضلين اعتقلوا وعذبوا من طرف النظام بسبب أشياء لم يكونوا يعلمون أصلا أن هناك تنظيما سريا يتهم بالوقوف وراءها.

مع أنه يجب أن نميز بين درجة مسؤولية كل من الفقيه البصري والمهدي العلوي وعبد الرحمان اليوسفي، قادتنا في الخارج، عن العمل المسلح. فالفقيه كان هو المسؤول الأول.

أذكر مرة أن عبد الرحمان اليوسفي جاء ليكلفني بعدد من المهام في إذاعة التحرير بليبيا التي كنت مسؤولا عنها، فأخبرته أن ما يطلبه مني كثير جدا، وأن لي مهام أخرى غير الإذاعة في إشارة للمهام العسكرية. قلت له إن الإذاعة “غير خضرة فوق طعام” ، فرد علي “أنا مشارك معاك غير الخضرة”.

 

  • كنتم تعتبرون الاتحاد الوطني لطلبة المغرب امتدادا للحزب. كيف كانت علاقة التنظيم السري به في الخارج ؟

بالنسبة إلينا كان الاتحاد الوطني لطلبة المغرب بمثابة مشتل للمناضلين.

عقدنا اجتماعا مهما سنة 1970 في باريس حضره محمد بنيحيى والعربي عجول واليزيد بركة وعمر زهرير، لنحضر للمؤتمر 14 لهذه المنظمة الطلابية. قررنا أن يكون الطيب بناني مرشح التنظيم السري، رغم أنه لم يكن عضوا فيه. فبدأنا ننسق مع محمد الخصاصي، الذي كان له دور كبير في هذا التنظيم السري، لتحقيق هذا الهدف. أما الوسيط الذي كان يسهل عملية التنسيق هاته فلم يكن سوى الراشدي الغزواني، الذي سيصبح في ما بعد مديرا للجماعات المحلية بوزارة الداخلية ووزيرا للتخطيط.

  • كيف انتقلت من فرنسا إلى ليبيا؟

في نهاية 1970 جئت إلى المغرب لحضور المؤتمر الوطني 14 للاتحاد الوطني لطلبة المغرب، وقد سبق لي أن حضرت المؤتمرين 11 و 12. صادف وجودي هناك اعتقال سعيد لشكر، الذي كان عضوا في التنظيم السري وحلقة الوصل بين المناضلين في المغرب والفقيه البصري في باريس. شعرتُ بالخطر وكان أول شخص أقصده هو محمد واكوك (الذي ورثت عنه خلية حزبية عند التحاقي بغرونوبل)، وقد أصبح إطارا كبيرا في وزارة الصناعة. غضب كثيرا عندما رآني في المغرب، وقال لي “أن أول شخص سيعتقل بعد لشكر هو أنت إذا بقيت هنا .”

في دجنبر 1970 غادرت المغرب هاربا نحو فرنسا، وفي يوليوز 1971 اتصل بي الفقيه البصري وقال لي هل أنهيت دراستك؟” ، قلت أجل. فأخبرني أن هناك مهمة تنتظرني في ليبيا، ثم ذهبت إلى ليبيا حوالي 10 أيام بعد انقلاب الصخيرات في 1971.

أذكر أنني التقيت الفقيه البصري في باريس بعد الانقلاب وكانت عيناه منتفختين من السهر . لم ينم ليلتها لأنه لم يكن يعلم شيئا عن انقلاب 1971 وظل ملتصقا بالمذياع والهاتف يتابع الأخبار. الفقيه البصري لم تكن له أية علاقة بذلك الانقلاب.

كان محمد بنيحيي هو الذي يفترض أن يذهب إلى ليبيا، لكن تكويني في الجيولوجيا أهلني لكي أشتغل في قطاع النفط هناك. حين وصلت إلى طرابلس استقبلني عبد السلام جلود والمختار الكروي وكانا من أعضاء مجلس الثورة مع القذافي. كان الليبيون متشوقين لمعرفة أخبار الانقلاب في المغرب، خاصة وأنهم أرسلوا طائرات عسكرية لدعم الانقلابيين، لكن الجزائريين منعوها من مواصلة الطيران نحو الصخيرات.

بقيت حوالي 3 أشهر لا أقوم بأي شيء، ربما كنت تحت مراقبة الليبيين ليتأكدوا من أهدافي، بعد مدة جاء الفقيه البصري ورفقته اثنان من ممثلي الحزب في المشرق وهما الطاهر الجميعي من دمشق وعثمان بناني من القاهرة. وصرت أنا ممثلا للحزب في طرابلس.

في ليبيا سأكتشف جانبا آخر من التنظيم السري لم أكن أعرف عنه حينها شيئا. يتعلق الأمر بالمناضلين الذين تدربوا في معسكر الزبداني بسوريا.

  • لماذا انتقل التنظيم المسلح للحزب من سوريا إلى ليبيا؟

كانت مجموعة ممن تدربوا في مخيم الزبداني تشارك في القتال مع فصائل المقاومة الفلسطينية، وكان الطيران الإسرائيلي يقصف المعسكر داخل الأراضي السورية ردا على ذلك. فقرر حافظ الأسد أن ينهي وجود المخيم. وهكذا أصبح مخيم السواني في ليبيا القاعدة الأساسية للتكوين بالنسبة للجناح المسلح لتنظيمنا ابتداء من 1971، بعدما التحق به كل من كان في سوريا، وأيضا مناضلون آخرون جاؤوا من الجزائر.

فبعد نجاح الثورة في ليبيا اختار الليبيون دعم أي ثورة تهدف إلى إسقاط أي نظام ملكي في المنطقة، وكانوا متحالفين طبعا مع المصريين. جمع القذافي قدماء معارضي الملكية في ليبيا، وكان من ضمنهم صالح بوصير. وبوصير هذا كان قضى فترة في المغرب تعرف خلالها على الفقيه البصري فقدم الفقيه لليبيين بعد انقلاب القذافي. كما أن الفقيه البصري كانت له علاقات قوية مع المقاومة الفلسطينية وكان الفلسطينيون يعتبرونه قياديا عندهم. سمعة الفقيه البصري كانت معروفة في ليبيا.

 

  • كيف كانت علاقاتك بمعمر القذافي؟

لم يسبق لي أن رأيت القذافي طيلة وجودي في ليبيا، وأعتقد أن الفقيه البصري نفسه لم يره سوى مرة أو مرتين.

كان الرائد عبد المنعم الهوني هو الرجل الثاني في ليبيا أثناء الثورة وبعدها .

لكن لم يمض وقت طويل حتى اختلف مع القذافي وصار معارضا ليغادر البلاد سنة 1975. كان مسؤولا عن المخابرات والأمن والفلسطينيين في ليبيا. كان مخاطبي الرئيسي.

أتذكر أن الهوني حكى لي أنه كان رفقة أحد زملائه في المغرب، بعد الثورة الليبية، في طريقه إلى اسبانيا. وعندما توقف في محطة بنزين قرب مكناس تعرف عليه صاحب المحطة فدعاه لوجبة عشاء، وقال له “إذا أردتم أن تقوموا بشيء جدي في المغرب فهناك رجل واحد يمكن التعويل عليه هو الفقيه البصري”.

  • هل كان صاحب محطة البنزين هذا عضوا في الجناح السري للحزب؟

لا ، بل كان فقط، مواطنا عاديا تعرف بالصدفة على الهوني وتبادلا الحديث أثناء وجبة عشاء. بالنسبة إليه الليبيون قلبوا النظام الملكي في ليبيا. الهوني نفسه هو الذي حكى لي هذه الواقعة في سويسرا سنة 1975، بعدما غادر ليبيا كما قلت. قدمني الهوني لوزير النفط الليبي على أساس أن أشتغل في وزارة النفط كنت أتقاضى أجرا قيمته 175 جنيه ليبي في الشهر وكان الدينار الليبي يساوي حينها أكثر من 3 دولات كانت ثروة فعلا. بعدها أرسلوا إلي الحسين المانوزي ليشتغل في الطيران الليبي، بعدما سبق له أن اشتغل في شركة طيران في بلجيكا، وخضع لتدريبات في معسكر الزبداني بسوريا . ثم جاء محمد التوزاني وكان ضابطا عسكريا متخرجا من سوريا.

  • كيف كان ضابطا عسكريا سوريا؟

محمد التوزاني خريج القرويين. هرب من المغرب بعد محاكمة 1963، وسافر إلى العراق ثم كلفه الحزب بالالتحاق بالمدرسة العسكرية في سوريا وتخرج منها. شارك في تدريب المناضلين في معسكر الزبداني هناك ثم جاءت بعده شخصية وازنة، ويتعلق الأمر ببوزاليم المعروف بجليل الذي كان من المقاومين الأساسيين وما يزال على قيد الحياة. وهو الذي وضع قنبلة كاريان سنطرال الشهيرة في الدار البيضاء سنة 1952. إضافة إلى بوجمعة أمشكار. كلاهما جاء من سوريا، فتكونت النواة الأساسية للمجموعة في ليبيا.

أذكر أيضا أن من بين من التحق بنا كان رشيد المانوزي بعد أن طلبت النيابة العامة إدانته بالسجن المؤبد في محاكمة مراكش، ولم يكن عمره يتجاوز 18 سنة، تدرب معنا في ليبيا، وتكلف بالتسيير الإداري للإذاعة. ثم أصبح لاحقا مسؤولا في فرنسا عن خلية تضم خليل العمراني وخالد عليوم ومحمد المباركي، اللذان أصبحا وزراء في ما بعد، وتجندوا جميعا من أجل الدعم السياسي لثورة 3 مارس 73.

  • كنتم تعرفون بعضكم بأسمائكم الحقيقية؟

بوزاليم هو الوحيد الذي كان معروفا باسمه الحقيقي. أما نحن فلم نكن نعرف بعضنا سوى بأسمائنا المستعارة. كان اسمي أحمد بنونة. طبعا لا علاقة لهذا الاسم بمحمد (أو محمود) بنونة الذي قاد عملية 3 مارس 1973. هو الآخر تدرب في الزبداني بسوريا وجاء منها إلى ليبيا، وتربطه قرابة بعائلة المهدي بنبركة، فهو ابن خالة عثمان بناني صهر المهدي.

جاء أيضا 4 مناضلين من العراق أسميهم “الكوموندو الاتحادي” ، تدربوا هناك على الملاحة البحرية وعمليات الضفادع البشرية، كان الفقيه البصري قد أرسلهم في إطار عملية لقيادة زورق يبحر عبر الساحل من ليبيا لنقل أسلحة إلى الناضور.

جاء عندي مبارك بودرقة إلى ليبيا، وكان محاميا متدربا في مكتب عبد الرحيم بوعبيد، أي في قلب قيادة الحزب لتنسيق هذه العملية، كان هناك قائد في ودا لاو (رجل سلطة) يدعى المستغفر هو الذي سيسهل العملية في الناضور.

  • رجل سلطة كان من ضمن أعضاء التنظيم السري للاتحاد الوطني للقوات الشعبية؟

أجل كان عضوا في التنظيم السري مع عمر دهكون وحكم عليه بـ 30 سنة سجنا وبعد خروجه من السجن اشتغل بالمحاماة، كانت الخطة أن يدعو القائد في واد لاو عناصر الجمارك في الناظور لوجبة عشاء، تجعلهم يغفلون عن مراقبة المركز الحدودي الذي يفترض أن تمر منه الأسلحة، لكن العملية الغيت في النهاية.

 

  • هل كانت الأسلحة ليبية؟

أجل، ليبيا كانت تمدنا بالسلاح. الليبيون كانت لهم ميزة أساسية أنهم لا يتدخلون في ما نقوم به نهائيا سواء في الإذاعة أو المعسكر، خلافا لما كان عليه الأمر في الجزائر. كنت أذهب إلى المطار لاستقبال المناضلين الذين يلتحقون بنا فأستلم جوازات سفرهم دون أن يتدخل أي مسؤول أمني ليبي.

خلاصة القول إننا بدأنا في تأسيس معسكر للتدريب في منطقة السواني التي تبعد عن طرابلس بحوالي 30 كيلومتر. كان المعسكر عبارة عن خيام وسط البساتين والأشجار. إلى جانب التدريب العسكري كانت هناك حصص التكوين السياسي يوميا سواء في مخيم الزبداني بسوريا أو في مخيم السواني بليبيا، وكان يتكلف بحصص التكوين السياسي عبد الغني بوستة وأنا في ليبيا. أما في سوريا فكان يقوم بهاته المهمة كل من محمود بنونة وملوك الشافعي وأحمد بنجلون.

بدأنا أيضا نستقطب المناضلين من أوربا، وكان أول وفد نستقبله من هناك يضم 3 أفراد، هم عبد الغني بوستة وحفيظ با محمد من فرنسا وعزيز الوزاني الذي كان عاملا أرسله إلينا التنظيم من ألمانيا. أما حفيظ با محمد فكان له مسار فريد، فقد غادر المغرب نحو الجزائر وربط علاقات صداقة مع بوتفليقة وشخصيات جزائرية أخرى، وصار يشتغل مصورا في السينما، وهو الذي يعود له الفضل في إنجاز فيلم “lattentat” ، ثم التحق بنا في التداريب العسكرية.

  • كيف كان يتم تمويل التنظيم السري في الخارج ؟

كان هناك ضابط ليبي واحد يدعى محمود زكري مسؤول عن الاتصال بنا. كان يقول لنا “أنا أعرف ليبيا الصحراء ولا أعرف ليبيا النفط” ، كان شحيحا لا يمنحنا أكثر من 70 قرشا للشخص في اليوم.

طبعا كانت هناك مساعدات مالية من العراق وسوريا وليبيا والجزائر، في فترة ما قبل بومدين، كان الحسن الثاني يعتبرنا مرتزقة، لكننا كنا نعتبر أن هناك تكاملا بين تيارات سياسية عربية لها أهداف مشتركة أو متقاربة. مثلا كنا نعتبر أن من واجب الثورة الجزائرية دعمنا كما دعمناها نحن أثناء حربها للاستقلال عن فرنسا.

  • هل صحيح أنه كانت هناك عقارات اشتريت في أوربا باسم أعضاء في التنظيم السري وبقيت في ملكيتهم في ما بعد؟

لم تكن هناك عقارات اشتريت بأموال التنظيم السري، باستثناء بعض المحلات التجارية الصغيرة ومكتبة في Villejuif ضاحية باريس. كانت هناك سيولة مالية محدودة يشرف على تدبيرها أساسا الفقيه البصري ولم يثبت أن هناك أي عضو من أعضاء التنظيم اغتني بفضل تلك الأموال أو أن المال كان يدخل في اهتمامات المناضلين حينها.

  • ماذا عن إذاعة “التحرير”، ما قصتها ؟

عندما حلت ذكرى اختطاف المهدي بنبركة في 29 أكتوبر 1971، وكنا

نخلد هذه الذكرى كل سنة، اقترحت على الفقيه البصري أن يقنع الليبيين بإعطائنا فرصة لبث برنامج إذاعي خاص عن ذكرى استشهاد المهدي، وافق الليبيون وكلفوا أهم مذيع لديهم لقراءة ما كتبناه عن المهدي. يتعلق الأمر بالمصري جلال معوض الذي كان المذيع الرسمي لجمال عبد الناصر، وجاء به الليبيون إلى طرابلس تكريما له، بعد وفاة عبد الناصر.

كان يتكلف فقط بقراءة المواد المتعلقة بالجيش الليبي، وافتتاحية إذاعتنا إذاعة “صوت التحرير ، صوت الجماهير” . كانت جريدة “التحرير” الناطقة باسم الحزب قد منعت منذ 1963 فسعينا لجعل إذاعة “التحرير” وسيلة لفك الحصار عن الحزب. كان شعارها “إذاعة تهتم بشؤون الشعب العربي في المغرب”. استعملنا عبارة “الشعب العربي” لإرضاء الليبيين. لكن مواد الإذاعة كانت تذاع بلغات المغرب المتعدد. محمد التوزاني كان يخاطب الجمهور بالدارجة والحسين المانوزي بالأمازيغية ونجيب المرابط (اسم مستعار لم أعرف اسمه الحقيقي بالريفية، أما الحسانية فجاءنا الوالي مصطفى السيد (الذي سيؤسس البوليزاريو في ما بعد) بمن يخاطب بها جماهير الصحراء المغربية.

كان النظام في المغرب ينزعج كثيرا من إذاعتنا، وأرسل المغرب مرة كوموندو تابع لجهاز “الكاب 1” قام بتفجير الأعمدة التي كانت مثبتة عليها أجهزة بث للإذاعة. الطريف في الأمر أن عبد المنعم الهوني أخبرني أنه شك في أن الإسرائيليين أو المغاربة وراء هذه المحاولة، لكنه عندما عاين فشل العملية عرف أن المغاربة هم من قام بها (يضحك). وقد ألقي الليبيون القبض على الذين نفذوا هذه العملية.

  • كيف كانت علاقاتكم بالوالي مصطفى السيد ؟

كان الوالي طالبا في الرباط، طرق أبواب الاتحاد وحزب الاستقلال كما هو معروف لحشد الدعم لتحرير الصحراء من الاستعمار الاسباني لكنه لم يجد أذانا صاغية، جاء به محمد الخصاصي إلى الجزائر ، والتقى هناك المقاوم الحسين الخضار. بعدها جاء إلى ليبيا فاستقبلته في المطار وذهبنا إلى فندق البريد في طرابلس.

التعليمات التي وصلتني كانت أنه سيبدأ عمليات ضد الاسبان في الصحراء، واتفقنا على أن يستعمل إذاعة “التحرير” في هذا الإطار، في ما بعد أصبح يأتي إلي ويطلب “المدافع” ، قلت له أنا لا أملك أية مدافع لكنني فهمت أنه يقصد البنادق الرشاشة (يضحك).

ذهبت عند عبد المنعم الهوني وأخبرته بما يطلب الوالي. وفعلا أعطاه الهوني الأسلحة التي طلب، ولم يكن يتحدث حينها عن البوليزاريو. في ما بعد كان هناك صحافي ليبي مقرب من النظام يدعى الكشاط، يدعي أنه يتحدر من واد الذهب، فأرسله الهوني إلى الصحراء وكلفه بإعداد تقرير عن الأوضاع في المنطقة. بعد 3 أشهر تبين أنه لم يدخل واد الذهب ولا الساقية الحمراء وأنه كان يكذب بشأن انتمائه للمنطقة، فأودعه الهوني السجن مدة شهر. هذا الشخص هو الذي سيتبنى في ما بعد قضية البوليزاريو في ليبيا.

  • تتذكر افتتاحية طريفة نوعا ما بثت على أمواج إذاعة التحرير حول المحجوبي أحرضان؟

فعلا، كنا نسميه “مول المكانة”. الذي وقع أن الحسن الثاني أرسل مرة المحجوبي أحرضان إلى الفقيه البصري في محاولة للتفاوض معه، نجح أحرضان في استدراج الفقيه ومعرفة نواياه الحقيقة تجاه الحسن الثاني. فاستدعى الأخير عبد الرحيم بوعبيد ليحمله مسؤولية ما ينوي الفقيه القيام به وطلب منه طرده من الحزب. عرف بوعبيد أن أحرضان نقل كلام الفقيه إلى الحسن الثاني بعدما سجله بواسطة ساعة يدوية كان يضعها على معصمه، أخبر بوعبيد أحد قياديينا فأذعنا افتتاحية نقول في خاتمتها ” إن الساعة آتية لا ريب فيها ” . فهم أحرضان أننا نقصده وراح يستعطف حسن الأعرج كي يتدخل لدى الفقيه البصري حتى لا يتعرض لمكروه.

  • كانت عملية 3 مارس 1973 أول عمل تقومون به انطلاقا من ليبيا، كيف بدأ الإعداد لهذه العملية؟

كانت هناك مجموعة أساسية تدربت في سوريا وجاءت خصيصا لتحضير عملية 3 مارس، محمود بنونة هو الذي قاد هذه العملية، عاش معي محمود في نفس البيت وكان يشتغل معنا في الإذاعة من حين لآخر. كان إنسانا وسيما لا يتكلم كثيرا، يضحك قليلا، ذو تفكير عقلاني يقضي جل وقته في العمل.

عقدنا اجتماعين أو ثلاثة في باريس في يناير 1973، حضر فيهما محمود بنونة ومحمد بنيحيي ومحمد ايت قدور من فرنسا وعمر زهرير وكرم من المانيا، هاته المجموعة هي التي تكلفت بتحضير الأرضية السياسية للثورة. كان بنونة عازما على الدخول للمغرب، حكى لي عبد الفتاح سباطة أن بنونة كان ينام على الأرض وليس على السرير، عندما كان يبيت عنده في باريس خلال الفترة التي كنا نعقد فيها تلك الاجتماعات، كان يحضر نفسه منذ تلك الفترة للظروف الصعبة.

بعد هذه الاجتماعات عدت إلى ليبيا وجاء عندي بنونة قادما من الجزائر وقال لي إنني سأجمع كل المجموعات المدربة في سوريا وليبيا وسأدخل المغرب.

 

  • لكن كتاب “أبطال بلا مجد” ينشر رسالة ينتقد فيها محمود بنونة استعجال الفقيه البصري في إشعال فتيل الثورة. وأنت تقول إن بنونة هو الذي استعجل الدخول إلى المغرب؟

إلى اليوم لا أعرف من أعطى الأمر بانطلاق العمليات القتالية في 3 مارس 1973. أنا متأكد أن محمود بنونة حينما كان يقول إنه عازم على الدخول إلى المغرب، إنما كان يقصد إعادة ترتيب التنظيم في الداخل. كانت هناك فكرة سائدة لدينا بقيادة عمل مسلح من البوادي انطلاقا من وهران، لكن بنونة كان يعتبرها غير جدية. كما كان يعتبر أن الاعتماد على محمد الميد في فيكيك باعتبارها محور لتنسيق العمل المسلح غير جدي.

وهذا فعلا ما كتب في رسالته للفقيه البصري، معتبرا أن الخيار الأسلم هو الاعتماد على قاعدة ليبيا وبعض العناصر المدربة في الخارج للقيام بعمل ما . لكن الأساسي أنه كان يهدف، أولا، إلى إعادة ترتيب التنظيم في الداخل وإعداد التحضيرات اللوجيستية وضبط شبكة التنسيق والتواصل. عبد  الله المالكي والبشير الزين اللذان كانا مع بنونة وما يزالان على قيد الحياة اليوم، أكدا لي صحة هذه الرواية أي أن الهدف الأصلي للمجموعة لم يكن بدء العمليات في 3 مارس 1973.

ما يعزز ذلك أنني لم أكن أعلم شيئا عن هذا التاريخ، بينما أنا المسؤول عن الإذاعة في ليبيا ويفترض في أن أكون على علم مسبق لأحضر المواكبة الإعلامية. كما أن وفاة بنونة في وضع دفاع عن النفس وليس في وضع هجومي يؤكد أنه لم يكن بصدد عملية هجومية.

المسألة الأساسية الأخرى أن هناك وشايات أوقعت بالمجموعة، وأذكر هنا الدور الذي قام به البشير الفيكيكي في خيانة التنظيم وإبلاغ السلطات.

هناك أيضا نقاش حول دور الفقيه البصري في التنسيق وقيادة مختلف قطاعات التنظيم السري. كنت أعتقد منذ البداية أن البصري محدود لكنه مهم بالنسبة إلينا، ولا يمكن العمل بدونه ربما كانت لي ثقة زائدة في المعلومات التي كان يخفيها عني حول إمكانيات التنظيم وحجمه الحقيقي.

  • تحدثت عن الأرضية السياسية للثورة، كيف كان تصوركم السياسي لما بعد الثورة؟

الاجتماعات التي تحدثت عنها لم تكن تحضيرا لـ3 مارس بالضرورة، كان الهدف هو ضبط الإطار السياسي لعملية مسلحة يمكن أن تقع في أي وقت بعد ترتيب التفاصيل العسكرية على الأرض كما ذكرت.

تسارعت الأحداث، ووقعت انقلابات 71 و 72 ، وكنا نعتبر أن الأمور أصبحت ناضجة. لم نكن نتصور أن الأمور ستدوم أسابيع أو أشهر، بل أن نخلق بؤرا ثورية يكون هدفها الاستراتيجي خوض حرب بعيدة المدى قد تستمر بضع سنوات، قصد خلق الأداة الثورية ثم التنظيم الطلائعي الذي سيسعى إلى جلب تعاطف الشعب وانضمامه إليه. فكرة ربط الشعب بالعمل المسلح الذي نبادر لإطلاقه كانت أساسية بالنسبة لنا ولمحمود بنونة. كنا نعول أولا على قاعدة الحزب وأطره النقابية، ثم الفلاحين والعمال في البوادي والمدن كما كان الشأن في تجربة المقاومة وجيش التحرير أثناء الاستعمار أو تجربة فيتنام وكوبا.

  • تبين أن ثقتكم في الشعب واستعداده للثورة كانت زائدة ومبالغا فيها؟

فعلا، تبين لنا أن القاعدة الاقتصادية والاجتماعية للنظام كانت أقوى مما نتصور. وأن المخزن كانت له وسائل التغلغل وسط المجتمع بحجم أكبر مما كنا نظن. لكن رد فعلنا الأولي حينها كان هو مواصلة القتال. قلنا ما دام أن هناك عملية انطلقت فيجب دعمها وتجميع المناضلين والأسلحة والالتحاق بجبهات القتال، لكن ظهر أن موازين القوى لم تكن في صالحنا وأننا كنا سنقوم بعمل انتحاري.

  • كنتم مرتبطين بأحزاب بعثية وأنظمة عسكرية، ماذا كان البرنامج السياسي لثورتكم ؟ هل كنتم تستلهمون نموذج هذه الأنظمة ؟

أبدا. برنامجنا كان هو برنامج الحزب، كنا متأثرين فعلا بالناصرية لكننا لم تكن بعثيين أو قوميين على طريقة المشارقة. كانت قناعاتنا القومية مرتبطة اساسا بالقضية الفلسطينية ومواجهة الامبريالية، نحن امتداد للحركة الوطنية، وكان هدفنا الأساسي تحرير البلاد وبناء الديمقراطية.

وقد كانت أهدافنا محددة بوضوح في البيان الذي أذيع عبر إذاعة “التحرير” في 17 مارس 1973، ويتعلق الأمر ب: تحقيق وحدة التراب الوطني واسترجاع المناطق التي ما تزال خاضعة للاستعمار، إسقاط النظام الملكي وإقامة نظام جمهوري، انتخاب مجلس تأسيسي لوضع دستور يعمل به بعد استفتاء شعبي، ضمان حرية التنظيم السياسي والنقابي وتأسيس الجمعيات، تحقيق ثورة زراعية واسترجاع أراضي المعمرين، تعريب التعليم ودمقرطته وتوحيده. إلغاء ظاهرة الرشوة التي تعتبر معطى من معطيات الإقطاع والرأسمالية. كان هناك بيان آخر حمل اسم “الجبهة الوطنية لتحرير المغرب” وصدر من منكاس في 3 أبريل 73 والحقيقة أن محمد بنيحي هو الذي أعده بإيعاز من قيادة الحزب في محاولة لوضع فاصل بين العمل الشرعي والعمل المسلح داخل الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وفك الحصار عنه.

  • كيف تفاعلت قيادة الحزب مع أحداث 3 مارس 1973؟

كان هناك اجتماع للمكتب السياسي وطُرحت ضرورة اتخاذ موقف مما حدث. حسب ما كتبه محمد عابد الجابري، لم يتمكن الاجتماع من الخروج بموقف فرفع عبد الرحيم بوعبيد الجلسة وتقرر استئناف الاجتماع في وقت لاحق. لكن هذه الجولة الثانية لم يصدر عنها أي موقف مما وقع. إزاء النظام لم يتخذ المكتب السياسي أي موقف بإدانة الأحداث أو التبرؤ منها أو طرد الفقيه البصري من القيادة. في ما بعد كان هناك اجتماع هام سنة 1974 من أجل توقيف العمل المسلح داخل الحزب، حضر الاجتماع فريقان كان هناك فريق يضم كلا من الفقيه البصري ومحمد التوزاني وحسن البصري ومبارك بودرقة وأحمد الطالبي المسؤول عن التنظيم الطلابي في أوربا وأنا.

أما الفريق الثاني فكان يضم عبد الرحمان اليوسفي ومحمد بنيحي ومحمد الخصاصي ومحمد أيت قدور. وكانت لديهم توجيهات من عبد الرحيم بوعبيد بوقف العمل المسلح.

افتتح اليوسفي الاجتماع، وقال إن الظروف السياسية صعبة والحزب صار مهلهلا، فقد اعتقل الآلاف وأغلقت مقرات الحزب، ويجب وقف العمل المسلح. قلنا لهم نعم لنوقف العمل المسلح، لكن من أجل ماذا؟ دام الاجتماع يومين أو ثلاثة، وكانت الأجواء متوترة. فقد اعتبر الفقيه البصري ما يجري بمثابة محاسبة شخصية له، وبقي 4 أو 5 أشهر منغلقا على نفسه لا يكلم أحدا. ربما هذا ما يفسر رسالته التي أضحت شهيرة بعدما نشرتها مجلة “لوجورنال” قبل سنوات.

اتفقنا على أن يأتي أيت قدور إلى ليبيا وأرحل أنا إلى الجزائر. وعلى أن يمدهم حسن البصري بجميع الحسابات المالية التي كانت بحوزتنا. بقيت في الجزائر إلى غاية 1976 رفقة مبارك بودرقة ثم عدت إلى فرنسا.

مع ذلك يجب الإشارة إلى أننا حاولنا التأثير في توجه المؤتمر الاستثنائي لسنة 1975 والذي تبني استراتيجية النضال الديمقراطي كنا انشأنا تيارا أطلقنا عليه اسم ” الاختبار الثوري”. وبعثنا خالد عليوة ليقرأ مقترحاتنا في المؤتمر والتي كانت تركز على عدم التخلي عن بعض الثوابت مثل المجلس التأسيسي لإعداد الدستور. لكن عمر بنجلون أقنع عليوة بسحب مداخلته وانسحب فعلا من المؤتمر. رغم أن المؤتمرين هتفوا باسم الفقيه البصري. حين القيت الرسالة الصوتية لعبد الرحمان اليوسفي الذي وافق على خيار النضال الديمقراطي، هتف المؤتمرون ” اليوسفي ها هو والفقيه فين هوا”. جزء من مكونات هذا التيار المتحفظ على خط النضال الديمقراطي والمشاركة في المؤسسات المنتخبة، سيلتقي في ما بعد مع تيار رفاق الشهداء في ما افضى إلى انشقاق 1984 وتأسيس حزب .

  • ماذا كان مصير المخيم والإذاعة في ليبيا بعد المآل الذي آلت إليه عملية 3 مارس 1973؟

حين اندلعت حرب اكتوبر 1973 ضد إسرائيل، كان المصريون يضغطون على الليبيين لوقف ما يمكن أن يهدد وحدة الصف العربي فطلب منا الليبيون حل المخيم.

 

  • كيف دبرت مسارك السياسي في ما بعد؟

كنت عضوا في تيار الاختبار الثوري كما ذكرت، لكنني انسحبت منه سنة 1978 بسبب بعض الخلافات الذاتية، وركزت نشاطي على مجال حقوق الإنسان وخاصة المختطفين مجهولي المصير. وقد كان ضحايا تلك المرحلة بالآلاف كما أظهرت ذلك هيئة الإنصاف والمصالحة في ما بعد، معظمهم من ضحايا القمع العشوائي والشامل الذي طال كل من له صلة من قريب أو بعيد بالاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، بعد أحداث 3 مارس 1973 وحين صدر العفو العام سنة 1994، عدت إلى المغرب مقتنعا أن هذا القرار كان فعلا مكسبا بالمقارنة مع الماضي.

  • قلت إن الفقيه البصري لم يكن له أي علم لانقلاب الصخيرات في 1971، ماذا عن انقلاب الطائرة سنة 1972؟

كنت على موعد مع الفقيه البصري في يوليوز 1972 على بعد أيام قليلة عن محاولة الانقلاب التي حصلت في 10 غشت من نفس السنة، التقينا في شارع sebastopol  في باريس فقال لي الفقيه ” يجب أن تحضر نفسك، هناك. انقلاب قادم في المغرب”، واضاف “شباب في الجيش سيقومون بانقلاب مع أوفقير”، صدمت عندما سمعت اسم أو فقير، وقلت له مذهولا ” أو فقير الذي عذبك والذي قتل المهدي بنبركة”، فأجابني أن هناك من الشباب من سيتخلص منه بعد انتهاء العملية.

  • لماذا أخبرك البصري بهذا السر حينها ؟

لانني على صلة بالليبيين، فيجب أن أكون على علم عندما تنطلق العملية، فأنا كنت ممثل الحزب في ليبيا، ثانيا، لأنني كنت مسؤولا عن إذاعة الحزب هناك. وكان يجب أن أتهيا للحدث المرتقب. عدت إلى ليبيا ولم أخبر أحدا بمن في ذلك الإخوة الذين كانوا يبيتون معي في نفس البيت مثل الحسين المانوزي ومحمد التوزاني وغيرهما.

عرفت في ما بعد ان الفقيه البصري، كان ينسق مع امقران وكويرة عن طريق محمد ايت قدور الذي كان مديرا لميناء القنيطرة، إضافة إلى عمر الخطابي ومحمد الطاهري، رغم أنهما لم يكونا عضوين معنا في الاتحاد.

لكن الفقيه لم يلتق مباشرة أمقران، وحين كان الأخير في رحلة علاج بفرنسا،

قبل الانقلاب، أراد أن يلتقي الفقيه البصري، فاكتفى الأخير بإرسال باقة ورد إليه مع حسن البصري، وكانت تلك إشارة إيجابية من طرفه.

قناعتي الشخصية أن قيادة الحزب كانت على علم بالانقلاب، وأن أوفقير نفسه هو الذي أخبر عبد الرحيم بوعبيد بذلك. علمت في ما بعد أن كويرة كان يصرخ في أمقران قبل أن ينفذ حكم الإعدام في المجموعة التي نفذت الانقلاب “قل للناس الحقيقة، قل ليهم شكون كان مشارك معنا”. إذن ما جاء في رسالة الفقيه البصري كله صحيح.

  • ما قصة هذه الرسالة؟ لماذا كتبها البصري؟

أرسلها إلينا الفقيه في قيادة “الاختيار الثوري”، وهو التيار الذي أسسناه في الخارج بعد وقف العمل المسلح. توصل بها عبد الغني بوستة وكلف الطيب نافع بإرسالها إلى عبد الرحمان اليوسفي سنة 1974. حين نشرت الرسالة في الصحافة بعد سنوات سألني عنها اليوسفي مستغربا، فعرفت أنه لم يقرأها ولم تصله قط بل بقيت في البريد في مدينة كان الفرنسية حيث يقيم. ربما اعتبر الفقيه البصري أن المصالحة مع القصر واختيار الحزب نهج النضال الديمقراطي منذ 1975 ستكون على حسابه، فأراد أن يقول لباقي أعضاء القيادة إنهم كانوا جميعا مسؤولين على جميع اختيارات الحزب في تلك الفترة، وأن يحذرهم من أن يهمشوه أو يحملوه لوحده مسؤولية العمل المسلح والتنسيق مع الجيش في انقلاب 1972.

المصدر: مجلة “زمان” عدد 1 بتاريخ 15 أكتوبر إلى 15 نوفمبر 2013.  صفحات 20 إلى 31

شارك المقالة

اقرأ أيضا