مقتطف من مذكرات المناضل إبراهيم أوشلح: تمهيد
بقلم: إبراهيم أوشلح
البديل ومثله العليا
يغمرني شعور بالمجازفة عندما أدرك أنني تجرأت على الحديث عن نفسي وعن الأحداث الجسام التي مررت بها وخُضْتُ، مع آخرين، أطوارها، أحداث، كان بعضها فارقا بالنسبة لبلدنا المغرب، كمحاولة الانقلاب العسكري الثانية في 16 غشت 1972، ووقائع أحداث 3 مارس 1973 في الأطلس المتوسط. والحقيقة أن أثر تلك الأحداث علي وعلى رفقائي من المناضلين كان عميقا وبالغا، وهو ما دفع بعض الأصدقاء، ومن بينهم بعض المؤرخين البارزين، إلى تشجيعي لكي أتجاوز الصمت المعتقل في صدري بعد أن طال أمده واستفحل. وهذا الكتاب في حقيقته، ليس إلا شهادة أشهد بها على الأدوار التي قام بها الفاعلون البررة، أولئك الذين انخرطوا في الصراع، وخاضوا معاركه وصنعوا أحداثه. أضيف إلى هذا أنني أريد بهذا الكتاب أيضا أن أذكر، عن قصد، بما جرى من أحداث، وبالدوافع التي دفعت إلى حدوثها، هادفا بذلك، بعيدا عن السرد التاريخي الجاف، إلى تقديم معطيات ووقائع لمن لا يعرفها، وبصورة خاصة للأجيال التي لا تعرف عنها شيئا كثيرا يمكن أن يكون باعثا على فهمها وإدراك سياقها وأبعادها في الممارسة والتاريخ، وهذا بدون ريب، مما توجبه الذاكرة علينا بمسؤولية ووفاء.
سأحاول التذكير، بناء عليه، بالملحمة التي كانت لحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية في العمل من أجل إقامة نظام سياسي بديل لنظام الملكية المطلقة، الأمر الذي أدى إلى مواجهة مباشرة مع نظام سنوات الرصاص، فلجأ، نتيجة لذلك، إلى أسلوب المواجهة المسلحة، التي كنت فيها، لطبيعتها الثورية مناضلا نشيطا وفاعلا مؤثرا. هذا مع الاعتراف أيضا بأنني كنت في مراحل مختلفة وعلى ضوء استراتيجيات متنوعة من الكوادر المقربين جدا لمحمد البصري المعروف بـ«الفقيه، وكذا لعبد الرحمان اليوسفي، وهما اللذان شكلا مع عبد الرحيم بوعبيد ترويكا قيادة الحزب في مرحلة ملتهبة من مراحل تطور المغرب الحديث. وعلى هذا الأساس فإنني أنتمي في الواقع، إلى الجيل الذي جعل من الحفاظ على الملكية أو تغييرها معادلة ألقيت مهمة إنجازها على عاتقه بدون ريب.
عدت إلى بلدي يوم 20 غشت من عام 1994، بعد أربعة وعشرين عاما قضيتها في المنفى، وذلك حين تعهد الحسن الثاني رسميا بوضع حد لمتابعة المنفيين السياسيين، خصوصا بعد أن فتح أبواب السجون والمعتقلات، بما في ذلك مركز تازمامارت الرهيب، فكان القرار الملكي بالنسبة إلي بمثابة خلاص حين أصبح المنفى عبثا ثقيلا. وكان اعتقادي أن العفو الملكي أرسى، في الحقيقة، الأسس العامة لعملية طويلة من التهدئة والتسوية والالتزام المتبادل مع المعارضة المتمثلة في “الكتلة”، وأساسا مع الاتحاد الوطني للقوات الشعبية واليسار بمجمله.
فكانت عودة مناضل مثلي عَمِلَ في الظل لسنوات مندرجة بدون ريب في سياق المفاوضات التي تمت بين عبد الرحمن اليوسفي والملك في نطاق التسوية التي تمت بينهما، ثم كان في ذلك مغزى الاستقبال الذي حظيت به عودتي من فرنسا (باريس) فور نزولي من الطائرة، يوم 20 غشت 1994، في مطار الرباط سلا مصحوبا بابنتي ليلى وقرينتي جان، فيما كان ابني قيس، الذي عاد بمفرده من إسبانيا، ينتظرني مع أفراد عائلتي وأصدقائي وجمع غفير من المناضلين. وبعد خلوة قصيرة مع ضابطين من ضباط أمن المملكة، قدما لي شخصيهما بتلك الصفة، أدركت تماما أنهما أرادا بسؤالهما التأكد من أنني عدت إلى الوطن في إطار العملية الجديدة التي أطلقها الملك، فكان ردي صريحا واضحا بما مفاده أنني عدت إلى بلدي بعد خطاب الملك».
وعلي أن أقول هنا بالذات أنني طوال الفترة التي أقمتها في الخارج لم أتردد في القيام بأعمال كان من نتائجها المباشرة وغير المباشرة أن حكم أثناءها على الكثيرين من رفاقي بالإعدام فأعدموا، كما اختفى آخرون بدون أن يتركوا خلفهم أثرا لاختفائهم القسري، وعلى رأسهم رفيقي الحسين المانوزي، ومنهم الذين قتلوا في عنف المواجهات الدامية بالأطلس الكبير (أملاغو)، وفي مقدمتهم صديقي محمد بنونة، في 5 مارس 1973
كما أنه من الحق علي أن أوضح أننا نحن المعارضين الناجين من بطش السلطة، اخترنا بوعي منذ عام 1975 نبذ أي لجوء إلى العنف، ثم قررنا التوقف عن القيام بالعمل المسلح. والمثير في هذا أننا بناء على الأفعال والوقائع المتعلقة بنا، لم نحرز على العفو إلا بعد ذلك بأزيد من عشرين سنة، أي في يوليو 1994. وهي الأفعال والوقائع المتعلقة بـ «سنوات الرصاص التي سأقوم بسردها في هذا الكتاب، على أمل صادق ومسؤولية مؤكدة، بأن تفهم بشكل أفضل يجلي الكثير من جوانبها ويضيء عددا من الحلقات المرتبطة بها، بعيدا عن المديح الكاذب أو الغرور التافه، وخصوصا في الفترات المتأخرة من حكم الملك الحسن الثاني اعتبارا لدينامية الحكامة التي تميزت بها سياسته قبل وفاته.
لقد قتل المئات من الأشخاص الذين ضحوا بحيواتهم من أجل أفكارهم ومواقفهم وتجاربهم العملية في المعارك التي خاضوها هنا وهناك. كما عانى أمثالهم عددا، أو أكثر من أهوال السجون والتعذيب والمعتقلات الرهيبة في مختلف ربوع البلاد. ويطيب لي بكل إخلاص أن أحيي ذاكرة جميع أولئك الذين افتقدناهم في مختلف معارك النضال من أجل المبادئ والمثل العليا، دون أن أنسى ذاكرة مختلف الضحايا الذين سقطوا أثناء ممارسة واجباتهم في خدمة الدولة. كما أود الإشادة بما لا يحصى عدا وعددا من المناضلين والمواطنين الذين عانوا بشكل تعسفي من تداعيات خيارات فرضت عليهم قسرا، ولم تكن من اختيارهم طوعا ولا مفر من القول إن المغاربة قاطبة يستحقون اليوم، بعد كل ذلك وقبله، حياة سياسية واجتماعية هادئة وعادلة، لا يفسدها الشك ولا يطبعها جدال عقيم، في ظل دولة الحق والقانون.
وعلي هنا أن أناشد شباب اليوم بشكل خاص، وخصوصا أولئك الذين خاب أملهم فاشمأزوا من طبيعة الحياة السياسية في البلاد، فأقول لهم جهارا: إن من حقكم أن تدركوا أن الوضع الذي تعيشونه، في المرحلة الراهنة من تطور بلادنا، هو النتيجة غير المكتملة لمرحلة طويلة وصعبة اكتنفها مخاض عسير، عاناه أكثر من جيل طلبا لانعتاق بلادنا، وتحديث بناها وترسيخ ديموقراطيتها. ولن أضيف أكثر من أن النتيجة، بفضل المنجزات الكبيرة المتحققة، إيجابية في العموم، على أن نعمل جميعا في سبيل تحقيق منجزات أخرى تنتظرنا في المستقبل بإرادة أقوى وتصميم أكبر.
اقرأ أيضا


