مجلس ترامب: واجهة إمبريالية لشرعنة احتلال غزة؛ النظام المغربي يشارك في مجلس الاستعمار هذا

سياسة22 يناير، 2026

بقلم، محمود فبرايري

أصدر مجلس الأمن الدولي في 17 نوفمبر 2025، قرارا يرحب بإنشاء “مجلس السلام” لإدارة شؤون قطاع غزة، وهو هيئة إدارية انتقالية ذات شخصية قانونية دولية مكلفة، حسب قول منشئيه، بوضع إطار العمل وتنسيق التمويل لإعادة تنمية القطاع و”تثبيت وقف دائم لإطلاق النار، ودعم إعادة إعمار غزة، والدفع نحو تحقيق سلام عادل ودائم يستند إلى ضمان حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته وفقًا للقانون الدولي، بما يسهم في تحقيق الأمن والاستقرار لجميع دول وشعوب المنطقة”. وينص القرار على استمرار هذا التفويض حتى 31 ديسمبر 2027، مع إمكانية التجديد بالتنسيق الكامل مع مصر وإسرائيل والدول الأعضاء الأخرى المشاركة مع القوة الدولية.

قبِلَ النظام المغربي، يوم 19 يناير 2026[1]،  إلى جانب دول عربية أخرى ضمنها السعودية والإمارات وقطر والأردن، دعوةَ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للانضمام إلى مجلس هذا. لا يمكن قراءة قبول النظام المغربي الانخراط في هذا المجلس إلا باعتباره استمرارا لانخراطه المتواصل في المشروع الإمبريالي- الصهيوني، وما يُكرِّره الإعلام الموالي للنظام المغربي عن “المكانة الاستراتيجية الدولية للمملكة” لا تعني إلا ترجمةً لذلك الانخراط في المشاريع الإمبريالية بلغة دبلوماسية.

مجلس “سلام” ترامب: استمرار للحرب بوسائل دبلوماسية

يرمي إحداث هذا المجلس إلى إعادة ترتيب الوضع الإقليمي بما يخدم مصالح الولايات المتحدة، وهندسة القضية الفلسطينية خارج إرادة الشعب الفلسطيني. فالخطاب الذي يروّج لهذا القرار باعتباره «توازناً استراتيجياً» لا يخفي حقيقة جوهرية مفادها أننا أمام استسلام سياسي صريح لإملاءات واشنطن وتل أبيب، وتوفير غطاء عربي لشرعنة الاحتلال تحت لافتة «السلام». فبعد المذبحة الجماعية وشبه القضاء على حركة حماس وحزب الله وردع إيران الشديد بعد حرب الاثني عشر يوما، تضع الإمبريالية سيف الحرب في غمده، لتلجأ إلى الدبلوماسية لإنهاء أهداف الحرب، وهو ما عبَّر عنه هشام معتضد في مقال بموقع هسبريس بقول: “إدراك واشنطن أن أزمة غزة، وما بعدها، لا يمكن احتواؤها فقط عبر أدوات القوة العسكرية أو الرعاية الأحادية، إذ إن الولايات المتحدة، في مرحلتها الجديدة، تبحث عن شركاء يمتلكون رصيدَ ثقة مركباً: ثقة لدى الأطراف الغربية، وشرعية أخلاقية وسياسية لدى العالم العربي والإسلامي؛ والملك محمد السادس يجسد هذا النموذج النادر في الدبلوماسية المعاصرة”، هكذا يكون انخراط النظام المغربي، استثمارا لتلك المكانة من أجل تسهيل تنفيذ المشروع الأمريكي- الصهيوني بالمنطقة، أي أن الدبلوماسية هنا هي استمرار للحرب بوسائل أخرى. لا يعني هذا أن الإبادة متوقفة، فوقف إطلاق النار جارٍ من جانبٍ واحد هو المقاومة الفلسطينية، بينما تستمر إسرائيل في قتل الفلسطينيين بالسلاح، أو بوسائل أخرى مثل منع مرور المساعدات الإنسانية ما يقتل الفلسطينيين جوعا وبردا وغرقا.

وفي هذا الإطار يكون من الوهم تماما ما صرَّح به أنيس سويدان، المدير العام لدائرة العلاقات الدولية بمنظمة التحرير الفلسطينية”: “وجود جلالة الملك كعضو مؤسس في مجلس السلام هام للفلسطينيين، كونه صمام أمان في الدفاع عن القضية الفلسطينية”. [توفيق بوفرتيح (20-01-2026)، “تراكمات الدبلوماسية والثقة الدولية تضع المغرب في قلب مسار السلام بغزة”[2]. فقد سبق تبرير التطبيع مع الكيان الصهيوني بحرص النظام المغربي على إحقاق الحقوق الفسطينية، لكن عامين من الإبادة أكدا عكس ذلك، إذ استمر التعاون العسكري- الأمني بين النظام المغربي والكيان الصهيوني طيلة الإبادة، وفُتحت الموانئ المغربية أمام سفن نقل الأسلحة إلى الكيان، رغم حدة رفض الشعب المغربي لذلك.

مسار تسوية يحرم الشعب الفلسطيني من حق تقرير مصيره

أُقصي الشعب الفلسطيني عمداً من هذا المجلس الذي منح دونالد ترامب لنفسه رئاستَه، ويضم شخصيات ارتبط اسمها تاريخياً بتفكيك الحقوق الفلسطينية، من قبيل جاريد كوشنر وتوني بلير، في غياب تام لأي تمثيل فلسطيني. ليس هذا الإقصاء اعتباطيا، بل هو جوهر المشروع نفسه، أي مصادرة حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وإعادة إنتاج منطق المؤامرات الاستعمارية التي كانت تُقسِّم الأوطان وتُحدِّد مصائر الشعوب رغما عنها

إن المنطق الاستعماري واضح منذ قرار إحداث المجلس، إذ يشترط انتهاءَ الفترة الانتقالية التي سيدير فيها المجلس شؤون غزة وتسليمه لسلطة فلسطينية بأن “تُتِمّ السلطة الفلسطينية برنامج إصلاحها على نحو مُرضٍ” ينتهي بـ “تغيير السلطة بما يتناسب مع خطة السلام”، [جلبير الأشقر (18-11-2025)، “في قرار مجلس الأمن حول غزة”، أي بما يتناسب مع المصالح الصهيونية والأمريكية[3]… يتعلق الأمر إذن بـ”اتفاقية أسلو” جديدة لكن في سياق وميزان قوى إقليمي وعالمي مختلف كليا وغير مؤات للشعب الفلسطيني.

مجلس حرب لا مجلس سلام

“مجلس السلام” الذي فرضه ترامب وانتقى بعناية المشاركين فيه، هو في الحقيقة “مجلس حرب” على الشعب الفلسطيني وقواه المقاوِمة. يشدد ترامب، ومعه نتنياهو، على نزع سلاح حماس قبل الانتقال إلى المرحلة الثانية من تطبيق “خطته للسلام. فالنقطة 13 من خطة ترامب تنص على موافقة حركة حماس والفصائل الأخرى على عدم أداء أي دور في حكم غزة، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر أو بأي شكل من الأشكال. ويتم تدمير البنى التحتية العسكرية والإرهابية والهجومية كافة، بما في ذلك الأنفاق ومصانع تصنيع الأسلحة، وتُمنع إعادة بنائها”، وقد حذٍّر ترامب حركة حماس بـ”عواقب وخيمة” إذا لم تلتزم بنزع سلاحها.

مجلس “سلام” يُبرئ الكيان الصهيوني

تُبرِّر الدولة المغربية مشاركتها بادّعاء لعب دور «الوسيط التاريخي»، غير أن هذا الادّعاء يصطدم بواقع فاقع، فإسرائيل قوة احتلال استيطاني، تمارس القتل الجماعي والحصار والتجويع، فكيف يُناقَش «السلام» من دون محاسبة المحتل، وكيف يُقرَّر مصير الأرض المحتلة خارج إرادة شعبها؟ إن «مجلس السلام» ليس سوى أداة لفرض الاحتلال واستمرار الإبادة باسم «الاستقرار»، وتسويق أوهام إعادة الإعمار لشراء الوقت وتطبيع الجريمة.

ويُقدَّم التطبيع المغربي–الإسرائيلي أيضا باعتباره «توازناً» بين دعم فلسطين والشراكة الاستراتيجية. لكن الوقائع تدحض هذا الادّعاء: فمنذ 2021، وُقِّعت اتفاقيات دفاعية وعسكرية مع إسرائيل، وتُوِّجت في يناير 2026 بنقاشات حول نقل طائرات بدون طيار وأنظمة دفاع جوي متطورة. لقد فُضِّل التفوق العسكري الإقليمي، ولا سيما في مواجهة الجزائر، على أي التزام فعلي بالتضامن مع الشعب الفلسطيني.

في المقابل، جرى اختزال «دعم فلسطين» في مساعدات إنسانية رمزية، لا تمسّ جوهر الصراع. والأسوأ من ذلك الحديث عن احتمال إرسال قوات مغربية للمشاركة في «قوة تثبيت» بغزة، أي حماية الاحتلال الإسرائيلي أثناء ما يُسمّى «انسحاباً تدريجياً». هكذا يتحول الرصيد التاريخي للتضامن الشعبي المغربي مع فلسطين إلى غطاء سياسي للتعاون مع المحتل.

ولا يمكن فصل هذا المسار عن معادلة التطبيع؛ اعتراف إسرائيلي بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية مقابل الالتحاق بالمحور الأمريكي- الإسرائيلي. صفقة سياسية تُدار بمنطق المقايضة، لا بمنطق الحقوق ولا بمبادئ التحرر.

وفي سياق ذلك، يُضخَّم «التهديد الإيراني» وعلاقته بالبوليساريو لتبرير هذا التحالف. غير أن المقارنة فاضحة؛ إذ لا تحتل إيران شبراً من الأرض المغربية، بينما يمارس الاحتلال الإسرائيلي جرائم يومية موثقة بحق الفلسطينيين. يُحوَّل العدو الحقيقي إلى «حليف ضروري»، ويُختزل التضامن مع فلسطين في كونه «عاطفة شعبية» تتعارض مع «واقعية الدولة».

بل جرى توظيف هذا الخطاب نفسه لقمع الاحتجاجات الشعبية المغربية الواسعة المناهضة للحرب على غزة خلال 2023- 2024. يُقمع المتضامنون-ات مع فلسطين، وتُشيطَن مطالبهم-هن، بينما تُقدَّم خيارات الدولة بوصفها وحدها «العقلانية» و«الاستراتيجية».

مجلس ترامب: استعمار بلا أقنعة

أُطلق هذا المجلس في سياق خطة ترامب (سبتمبر 2025)، المدعومة بقرار مجلس الأمن رقم 2803، مع توسيع صلاحياته لتشمل «مناطق متضررة أخرى»، في مسعى واضح لإقامة آلية إمبريالية موازية للأمم المتحدة. وحتى رفض فرنسا الانخراط في هذا المجلس لم يصدر عن موقف مبدئي مناهض للاستعمار، بل عن حرصها على الحفاظ على مناطق نفوذها الخاصة.

أما «حل الدولتين» الذي لا يزال يُستحضَر خطابياً، فلم يعد سوى قناعا أيديولوجيا لواقع استيطاني استعماري: توسع استيطاني متواصل، وقدس محتلة، ولاجئون محرومون من حق العودة، ودولة إسرائيل ترفض أصلاً قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة. إن التمسك بهذا الشعار دون ميزان قوى حقيقي ليس سوى مناورة، لا سعياً للحل. حتى حل الدولتين هذا مرفوض من طرف إسرائيل والولايات المتحدة بالرغم من أنه في الحقيقة حل استسلامي كونه يقوم على دويلة فلسطينية خاضعة لدولة الاحتلال الصهيوني، بينما دعمته دول إمبريالية أخرى، وعلى رأسها فرنسا، مستنكفة جميعاً عن ممارسة أي ضغط فعلي لوقف الإبادة. [جلبير الأشقر (23-09-2025)، “فلسطين: الاعتراف بالشعب قبل الدولة”[4].

من أجل تضامن أممي مع القضية الفلسطينية

يرفض اليسار التقدمي هذا التحالف الاستعماري، ويطالب بقطع العلاقات العسكرية مع إسرائيل، وبالانحياز الصريح لحق الشعب الفلسطيني الكامل في أرضه وحريته. ويدعو إلى مقاطعة حقيقية، وإلى إعادة بناء موقف عربي شعبي مستقل عن حسابات الأنظمة.

إن الشعبين المغربي والفلسطيني يرفضان تآمر الأنظمة الاستبدادية مع الإمبريالية. ويظل الكفاح الفلسطيني، في جوهره، أملاً لشعوب المنطقة كافة في التحرر والانعتاق.

لا سلام بدون تحرر، ولا عدالة بدون حرية الفلسطينيين، ولا مستقبل للمنطقة دون كسر نير الاحتلال والإمبريالية وحق الشعوب في تقرير مصيرها بنفسها.

لن يتحقق تضامن فعلي مع الشعب في ظل نظام استبداد يجعل من السياسة الخارجية حقل اختصاصه الحصري، في تعارض مع إرادة الشعب المغربي. في قلب المطالب الديمقراطية يوجد مطلبُ جعل الدبلوماسية والسياسة الخارجية اختصاصا حصريا لممثلي الأمة المنتخَبين والقابلين للمحاسبة والعزل، وقد كان في تاريخ المغرب سابقة لهذا المطلب، حين ثار أهل فاس وخلعوا بيعة عبد العزيز وولوا محلَّه أخاه عبد الحفيظ وجعلوا شرطا لاستمرار البيعة تلك ألا تُعقَد أي معاهدة خارجية دون الرجوع إلى “ممثلي الأمة”[5].

[1] جلالة الملك يرد بالإيجاب على دعوة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ليصبح عضوا مؤسسا لمجلس السلام | Maroc.ma

[2]  https://www.hespress.com/تراكمات-الدبلوماسية-والثقة-الدولية-ت-1689437.html].

[3] https://www.alqudsalarabi.co.uk/في-قرار-مجلس-الأمن-حول-غزة/]،

[4] https://www.alquds.co.uk/فلسطين-الاعتراف-بالشعب-قبل-الدولة/].

[5]  [عبد الله العروي (2015)، “الأصول الاجتماعية والثقافية للوطنية المغربية، 1830- 1912″، تعريب محمد حاتمي ومحمد جادور، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء- المغرب، الطبقة الأولى، ص 544].

شارك المقالة

اقرأ أيضا