عاملات التنظيف: من الاستغلال اليومي إلى النضال من أجل الكرامة وحقوقهن بعيداً عن وعود المسؤولين
بقلم، سامي
يتكوّن هذا النص من جزأين: الجزء الأول يعرض شهادات ثلاث عاملات نظافة[1] حول ظروف العمل القاسية والأجور المهينة، بينما الجزء الثاني يقدّم تحليلاً لأسباب هذا الاستغلال، ويؤكد أن انتزاع الحقوق لا يجري عبر المناشدة، بل من خلال التنظيم النقابي والنضال الجماعي.
الجزء الأول
أوضاع الشغيلة وظروف العمل
تشتغل عاملات النظافة بالمؤسسات التعليمية في أوضاع قاسية ولا إنسانية، مقابل أجر شهري لا يتجاوز 800 درهم، وهو مبلغ لا يغطي الحد الأدنى من متطلبات العيش من كراء وفواتير وتنقل ومصاريف الأبناء. هذا الأجر المهين يفرض على الشغيلة القبول بالاستغلال تحت ضغط الفقر والحاجة، في غياب أي ضمان للعيش الكريم.
رغم أن عقود الشغل تنص على ثلاث ساعات عمل يومياً، تُفرض على العاملات في الواقع ساعات عمل كاملة دون تعويض أو احترام للقانون. ويتم فرض هذه الخروقات عبر التهديد بالطرد، حيث يُقابل أي احتجاج أو مطالبة بالحقوق بالطرد التعسفي وفقدان مصدر الرزق.
عبء العمل والمهام المنهكة
تُجبر عاملة النظافة على تنظيف حوالي 15 قسماً يومياً في وقت صباحي محدود، مع ضرورة إنهاء العمل قبل الساعة الثامنة صباحاً. كما تشمل المهام تنظيف الساحات والمراحيض، التي تكون في الغالب في وضعية متدهورة وخطيرة صحياً، ويُطلب من العاملات تسريحها رغم انسدادها.
وتُفرض عليهن كذلك مهام مهينة إضافية، كتنظيف القيء، دون أي اعتراف بقيمة العمل أو احترام لكرامة من يقمن به.
تُنجز أعمال التنظيف في ظروف مناخية صعبة، خاصة خلال فصل الشتاء، حيث تظل العاملة واقفة منذ دخول المؤسسة إلى غاية انتهاء العمل. وقد انعكست هذه الأشغال المرهقة سلباً على صحة العاملات، فتدهورت أوضاعهن الصحية وأصبحن غير قادرات حتى على القيام بأبسط الأعمال بعد العودة إلى بيوتهن.
وتضطر بعض العاملات إلى الاستمرار في العمل رغم معاناتهن من أمراض مزمنة، فقط من أجل توفير ثمن العلاج.
الهشاشة الاجتماعية وتبعاتها
تعيش العديد من عاملات النظافة أوضاعاً اجتماعية هشة، من بينهن مطلقات وأمهات لعدة أبناء، يقضين اليوم بأكمله داخل المؤسسات التعليمية على حساب رعاية أسرهن. ورغم سنوات طويلة من العمل، تصل في بعض الحالات إلى 12 سنة موزعة على عدة مؤسسات، تستمر نفس المعاناة ونفس الأجر، دون أي تحسن يُذكر، رغم تغيّر شركات التدبير.
تضطر الشغيلة إلى إنهاء كل شهر مثقلة بالديون، حيث تتراكم المستحقات لدى البقال والصيدلية وبائعي المواد الأساسية، في ظل غياب أي أفق لتحسين الأوضاع. ورغم تعدد الشكايات والمطالب، لم يطرأ أي تغيير فعلي، ما عمّق الإحساس بالحكرة وانعدام الاعتراف.
الجزء الثاني
لماذا هذا الاستغلال ؟
تشتغل عاملات النظافة بالمؤسسات التعليمية في أوضاع قاسية ولا إنسانية، مقابل أجر شهري لا يتجاوز 800 درهم، وهو مبلغ لا يغطي الحد الأدنى من متطلبات العيش. هذا الأجر المهين يضع الشغيلة أمام خيار وحيد: القبول بالاستغلال تحت ضغط الفقر والحاجة، في غياب أي ضمان للاستقرار أو الكرامة.
سياسة الدولة وهشاشة الشغل
إن ما تعانيه عاملات النظافة من أجور مهينة، وظروف عمل قاسية، وخرق يومي لقانون الشغل، هو تعبير مباشر عن سياسة دولة اختارت، منذ عقود، الانخراط في وصفات المؤسسات المالية العالمية، وعلى رأسها صندوق النقد الدولي والبنك العالمي، وما نتج عنها من تفكيك للخدمات العمومية وإفراغ حقوق الشغيلة من مضمونها الفعلي.
في هذا السياق، عمّمت الدولة نمط التشغيل الهش عبر الخوصصة والتدبير المفوض، خصوصاً داخل التعليم العمومي، تحت شعارات “ترشيد النفقات” و”إصلاح المرفق العمومي”، وهو ما أفرز ساعات عمل فعلية تفوق ما تنص عليه العقود، ومهام منهكة وخطيرة، وطرداً تعسفياً لكل من تجرؤ على المطالبة بحقوقها.
الدولة والمناولة: مسؤولية سياسية مباشرة
إن تغيّر شركات المناولة دون أي تحسن في الأجور أو شروط العمل يفضح حقيقة هذا النموذج، حيث لا تمثل هذه الشركات سوى وسيط، بينما تتحمل الدولة المسؤولية السياسية الكاملة عن هذا الاستغلال، من خلال دفاتر التحملات، وغضّ الطرف عن الخروقات، والتضييق غير المباشر على أي محاولة للتنظيم.
يتغذى هذا الواقع من ضعف الفعل النقابي داخل قطاعات المناولة، وهو ضعف ناتج عن سياسة تقوم على تشتيت الشغيلة وتجزيئها وتجريم النضال داخل أماكن العمل. وبهذا الشكل، تُحمَّل عاملات النظافة كلفة “الإصلاحات” النيوليبرالية، في تناقض صارخ مع الخطاب الرسمي حول “تحسين عيش” المغاربة.
أفق النضال ومطالب الشغيلة
معركة عاملات النظافة لا يجب أن تختزل في مطالب فئوية معزولة، بل تندرج ضمن المعركة الطبقية الشاملة ضد خوصصة المدرسة العمومية وضد السياسات التي كرّست الهشاشة والتفقير. فكل حديث عن الإنصاف يظل بلا معنى ما لم يقترن بالقطع مع منطق المناولة، وإعادة الاعتبار للتنظيم النقابي الكفاحي، وفرض ميزان قوى فعلي يواجه الدولة واختياراتها.
وانطلاقاً من هذا الوعي، لا يمر انتزاع الحقوق عبر مناشدة المسؤولين أو انتظار تدخل الوزارة الوصية، بل عبر النضال الجماعي والتنظيم الواعي والمستقل، وبناء قوة احتجاجية قادرة على فرض المطالب داخل المؤسسات التعليمية وقطاعات المناولة. فقد أثبتت التجربة أن الحقوق لا تُمنح ولا تُمنّ، وإنما تُنتزع بميزان قوى يفرضه الاحتجاج المنظم والمستمر.
وعليه، فإن الواجب هو التفاف عاملات النظافة باختلاف نقاباتهن حول أرضية مطلبية واضحة تشكل قاعدة للنضال المشترك، وفي صلبها: الرفع من الأجور بما يضمن العيش الكريم، الاحترام الفعلي لعقود الشغل وتطبيق قانون الشغل، صون الكرامة الإنسانية والاعتراف بقيمة العمل، توفير شروط السلامة والصحة المهنية، ووضع حد للطرد التعسفي ولكل أشكال قمع المطالب المشروعة.
إن تحقيق هذه المطالب يظل رهيناً بتوحيد صفوف عاملات النظافة، وتجاوز التشتت الذي تفرضه المناولة، وبناء تنظيم نقابي كفاحي مستقل، والانخراط في أشكال احتجاجية واعية ومنظمة، قادرة على مواجهة منطق الاستغلال وفرض الحقوق على أرض الواقع، بعيداً عن الأوهام والإنتظارية.
[1] رابط الفيديو : https://2cm.es/1o90F+
اقرأ أيضا


