جيل زيد والبطالة: كيف ينهك الانتظار المفرط حياة الشباب؟
المقال منشور في العدد 88 من جريدة المناضل-ة
بقلم أكوليز
جيل زيد في المغرب يعيش أزمة مزدوجة: لا يجد الشباب مناصب شغلٍ، وفي الوقت نفسه يُسلب منهم الزمن الذي يحتاجونه لتعليمهم، لتطوير مهاراتهم، ولتخطيط مستقبلهم. ساعات طويلة تُقضى في التنقّل والانتظار، وقلة الفرص تجعل البحث عن عمل عملية مستنزفة جسديًا ونفسيًا، بينما تُحمّل الدولة الشاب/ة المسؤولية عن فشل وضع لم يختره/ تختره. هذه ليست مجرد معاناة شخصية، بل أداة لإدامة الإقصاء الطبقي والسيطرة الاقتصادية والاجتماعية.
لا يُقاس الفقر فقط بما ينقص الدخل، بل بما يُسلب من الزمن. فالوقت، خلافًا لما يُقدَّم بوصفه معطًى كونيًا متساويًا، هو مورد اجتماعي يخضع لتوزيع غير عادل، ويُستخدم كآلية هادئة لإعادة إنتاج التفاوتات الطبقية. في حياة الشاب الفقير، يكون الزمن عبئًا يوميًا، واستنزافًا مستمرًا، وشكلًا من أشكال العنف البنيوي الذي نادرًا ما يُدرج في النقاش.
يبدأ هذا العنف منذ الصباح الباكر. يستيقظ الشاب الفقير قبل غيره، لا بدافع الانضباط أو الطموح، بل لأن شروط العيش تفرض عليه ذلك. يقضي ساعات طويلة في وسائل نقل عمومية بطيئة ومكتظة ومهترئة، تنقّل يومي بين هوامش المدن ومراكزها، انتظار لا ينتهي أمام الإدارات العمومية، وتأجيل دائم للمواعيد. هذا الزمن المهدور لا يظهر في مؤشرات الأداء ولا في خطابات “النجاعة”، لكنه يشكّل جزءًا مركزيًا من تجربة الشباب.
البطالة: قلق وأمراض وانتظار
تشير الأرقام إلى حجم الظاهرة: في المغرب، بلغ معدل البطالة لدى الشباب بين 15 و24 سنة نحو 38.4٪ في الربع الثالث من 2025[1]، ويصل عدد الشباب الذين لا يشتغلون ولا يدرسون ولا يتابعون أي تكوين مهني إلى حوالي 1.5 مليون شخص [2]. هذه الكتلة الواسعة لا تعاني فقط من غياب الدخل، بل من زمن معلّق ضائع بين البحث والانتظار وانسداد الأفق، زمن لا يُستثمر ولا يُعوَّض. الدراسات الوطنية تشير إلى أن البحث المطوّل عن العمل يتحول إلى ضغط نفسي مستمر: سبعة من كل عشرة عاطلين يعانون من الملل، ونحو 74٪ منهم يعانون أعراض اكتئابية نتيجة اليأس والقلق المستمر[3]. وبحسب دراسة شملت خريجي الجامعات المغاربة، فإن الضغوط المرتبطة بالبحث عن العمل تؤدي إلى تراجع القدرة على التخطيط للمستقبل، وانخفاض تقدير الذات، وعزلة اجتماعية متزايدة [4].
يرتبط هذا الاستنزاف الزمني بالاختيارات الاقتصادية والسياسات العمومية. كل تدهور في النقل العام، كل تقليص في ميزانيات الصحة والتعليم، وكل تحويل للخدمات إلى سلع يزيد ساعات الضياع. الزمن يتحول إلى أداة فرز طبقي دقيقة: من يملك الموارد يشتري السرعة ويختصر الوقت، أما الشاب الفقير فيُحكم عليه بالبطء، ويقضي ساعات إضافية في التنقل والإجراءات الإدارية، دون أي سياسات تحمي حقه في الوقت. هذا البطء المفروض ليس تفصيلًا، بل شرط بنيوي لإعادة إنتاج الفوارق الاجتماعية.
الصبر المفروض: أداة الإخضاع
ولا يكتمل هذا العنف دون الخطاب الذي يرافقه. يُطلب من الشاب الفقير أن يصبر. الصبر هنا لا يُقدَّم كقيمة إنسانية، بل كأيديولوجيا تُستخدم لتطبيع الانتظار ونزع الشرعية عن الغضب. تمرّ السنوات، ويُحمَّل الفرد مسؤولية وضع لم يختره: لم يُحسن تدبير وقته، لم يكن مرنًا بما يكفي. يتحول الزمن المسروق إلى فشل أخلاقي شخصي، بينما تُخفى البنية التي تنتجه.
بهذا المعنى، لا تُسرق الساعات فقط، بل يُنتَج فائض آخر غير مرئي: فائض انتظار وخضوع. فالرأسمالية لا تستخرج فقط فائض القيمة من العمل المأجور، بل تنظّم زمن البطالة والهشاشة باعتباره مجالًا للضبط الاجتماعي، حيث يُعاد تشكيل الأجساد والعقول على القبول الدائم وعدم الاستقرار.
ورغم طابعه الجماعي، يُعاش هذا الزمن غالبًا في عزلة. تُقدَّم المعاناة اليومية على أنها تجربة فردية، بينما هي في جوهرها ظلم مشترك. يشترك الشاب العاطل والعامل الهش والطالب، وساكن الهامش الحضري في التجربة نفسها. إعادة تسييس هذا الزمن تعني كسر هذا الوهم الفرداني، وتحويل الانتظار من حالة صامتة إلى وعي جماعي.
كما أن إنهاك الزمن ليس بريئًا سياسيًا. فالشاب الذي يقضي ساعات في التنقّل والانتظار والذي يستنزفه القلق اليومي، يُحرَم عمليًا من الوقت الضروري للنقاش، للتنظيم، ولتخيل بدائل جماعية. سرقة الزمن هنا تعني أيضًا سرقة القدرة على الفعل، عبر إغراق الحياة اليومية في تعب دائم يمنع تشكّل مقاومة منظمة.
من ثم، لا يمكن اختزال النقاش حول الشباب في أرقام التشغيل وحدها. فالدفاع عنهم يمر أيضًا عبر استعادة الزمن المسروق: زمن التنقّل، زمن الانتظار، وزمن الحياة اليومية. لأن من يُجرَّد من السيطرة على وقته، يُجرَّد تدريجيًا من قدرته على تخيّل مستقبله. والسؤال الجوهري لا يتعلق بفشل الأفراد، بل بمن يملك سلطة الزمن، وكيف تُمارَس هذه السلطة يوميًا ضد الفئات الأكثر هشاشة.
من أجل تعويض عن البطالة
ليست البطالة لدى الشباب مجرد غياب للشغل، بل آلية لسلب الوقت والحياة نفسه. ساعات الانتظار الطويلة والمجهود الضائع تجعل من البحث عن عمل مهمة مستحيلة، وتضعف قدرة الشباب على تطوير المهارات أو المشاركة الفعلية في المجتمع. وهنا، يكتسي التعويض عن البطالة أهمية حاسمة، لأنه يخفف من حدة الهشاشة ويمنح حدًا أدنى من الاستقرار. بدون هذا التعويض، يُترك الشباب لتحمل تبعات اختلالات اقتصادية هي في جوهرها خارج سيطرتهم، ويستمر الزمن في أن يكون وسيلة لإفقارهم.
[1] المندوبية السامية للتخطيط، مذكرة إخبارية للمندوبية السامية للتخطيط حول وضعية سوق الشغل خلال الفصل الثالث من سنة 2025، https://2cm.es/1mst7+
[2] المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي،” شباب لا يشتغلون، ليسوا بالمدرسة، ولا يتابعون أي تكوين” NEET”: أي آفاق للإدماج الاقتصادي والاجتماعي؟” إحالة ذاتية رقم 2023/73 https://2cm.es/1hvED+
[3] المندوبية السامية للتخطيط ، مذكرة حول أبرز نتائج البحث حول تصورات العاطلين عن العمل لظاهرة البطالة بجهة الشرق ، https://2cm.es/1hvzt+
[4] الغالي أحرشاو، البحث عن الشغل وسيكولوجية مواجهة البطالة (حالة خريجي الجامعة المغربية)، https://2cm.es/1msqm+
اقرأ أيضا


