عين على نضالات طبقتنا
بقلم؛ العاصي
مهما اختلفت أماكن العمل فالحقيقة واحدة: صراع بين شغيلة تتحمل ضغط الإنتاج و العمل، وبين منظومات تدبير تبحث عن تقليص الكلفة على حساب الحقوق.
في مصانع Aeolon بإقليم الدريوش، حاولت الإدارة فرض العمل في يوم الراحة الأسبوعية، وعندما رفض العمال جرى طرد عدد منهم، ما فجّر احتجاجات داخل المصنع وكشف ظروف عمل قاسية خلف خطاب “الطاقة الخضراء”.
وفي الرباط، خرج عمال وموظفو الجماعات الترابية في وقفة احتجاجية ضد تعثر التفاوض و التجرجير باسم “الحوار” الفارغ في ظل أوضاع مهنية هشة وتفاوتات واضحة في الحقوق.
ورغم اختلاف القطاعات، يجمع بين الحالتين أن الحقوق لا تُمنح، بل تُنتزع عبر التنظيم والوحدة والنضال الجماعي.
عمال Aeolon بالدريوش ينتفضون: لا للعمل القسري يوم الراحة ولا لطرد المناضلين
جرى في وسائل الاعلام تداول فيديو داخل شركة Aeolon بإقليم الدريوش لوقفة عمال المصنع، على خلفية خلاف حول شروط العمل واحترام الحقوق الأساسية للشغيلة. وقد بدأ هذا التوتر حين حاولت الإدارة فرض العمل خلال يوم الراحة الأسبوعية، وهو ما قوبل برفض عدد من العمال باعتباره مساسًا بحق قانوني ومكتسب.
لم تقبل إدارة المعمل رد العمال، إذ أقدمت على طرد 10 من العمال، الأمر الذي فجّراحتجاجات داخل المصنع. ما يجري داخل شركة Aeolon بالدريوش لا يمكن فصله عن طبيعة النشاط الذي تشتغل فيه الشركة نفسها. فـAeolon هي جزء من صناعة عالمية تُقدَّم باعتبارها “خضراء” ومرتبطة بالطاقات المتجددة، حيث يجري تصنيع مكونات توربينات الرياح، خاصة الشفرات الضخمة التي تُستخدم في إنتاج الكهرباء. لكن خلف هذا الخطاب البيئي، تتوراى شروط عمل قاسية، يتحملها العمال في صمت داخل وحدات الإنتاج.
هذا النوع من الصناعة يتطلب عملًا شاقًا في بيئة صناعية معقدة:
- مواد كيميائية (كالراتنجات والألياف الزجاجية).
- مخاطر صحية ومهنية
- وثيرة إنتاج مرتفعة لتلبية طلبات السوق الدولية
ورغم ذلك، تكون الأجور ضعيفة مقارنة بحجم الأرباح التي يحققها هذا القطاع عالميًا، خاصة وأن الشركات تستفيد من مواقع مثل الدريوش بسبب انخفاض كلفة اليد العاملة.
في هذا السياق، تصبح محاولة فرض العمل يوم الراحة الأسبوعية حلقة إضافية في سلسلة من أشكال الاستغلال. فالإدارة لا ترى في العامل إلا أداة إنتاج يجب أن تظل جاهزة دائمًا، حتى على حساب حقه في الراحة والحياة الخاصة. وعندما يرفض العمال هذا المنطق، ويطالبون بأبسط حقوقهم، يكون الرد هو الطرد والتضييق، في محاولة لكسر أي إرادة جماعية.
لكن رد فعل الشغيلة هذه المرة لم يكن الصمت. الاحتجاجات التي اندلعت، وتوجه العمال نحو تأسيس تنظيمهم النقابي، يعكسان بداية تشكل وعي طبقي داخل المصنع. إنه إدراك جماعي بأن ما يواجهونه يشكل بنية استغلال قائمة على تعظيم الأرباح على حساب عرق العمال والعاملات.
المفارقة هنا واضحة: صناعة تُسوَّق عالميًا كرمز لمستقبل نظيف ومستدام، تقوم في جزء منها على عمال يشتغلون في ظروف غير عادلة. وهذا يطرح سؤالًا جوهريًا: أي انتقال طاقي هذا الذي لا يضمن حقوق من يصنعون أدواته؟
ببساطة، ما يعيشه عمال Aeolon اليوم ليس مشكل صغير داخل شركة، بل هو جزء من صراع أكبر: شركات كبرى تبحث عن الربح بأي طريقة، وفي المقابل هناك ضغط وإضعاف للعمال هنا في المغرب.
في هذا الوضع، لا خيار أمام العمال سوى أن يتوحدوا، وينظموا أنفسهم، ويتضامنوا فيما بينهم، حتى يفرضوا ميزان قوى جديدًا يحمي حقوقهم/ن ويصون كرامتهم/ن.
شغيلة الجماعات الترابية تفرض صوتها في الشارع: لا حقوق تُمنح بل تُنتزع بالنضال الجماعي
شهدت مدينة الرباط يوم 25 أبريل 2025 محطة نضالية جديدة لعمال وموظفي الجماعات الترابية، الذين حلّوا من مختلف مناطق البلاد للاحتجاج أمام مقر المديرية العامة للجماعات الترابية، استجابة لنداء الجامعة الوطنية لموظفي الجماعات الترابية والتدبير المفوض. عبرت هذه الوقفة عن تذمر مهني وشكلت لحظة مكثفة من الغضب الطبقي المتراكم، في مواجهة سنوات من التسويف والتجاهل الذي طال مطالب الشغيلة.
لقد جاء هذا التصعيد في سياق فشل أفق ما يسمى “بالحوار القطاعي”، الذي ظل، في نظر العمال، مجرد آلية لربح الوقت وامتصاص الغضب، دون ترجمة فعلية للالتزامات السابقة. فالشغيلة التي تتحمل يوميًا أعباء تدبير الشأن المحلي في ظروف صعبة، تجد نفسها في المقابل أمام أوضاع مهنية هشة، وأجور لا تعكس حجم المهام…
رفعت الحناجر في الوقفة شعارات واضحة: نظام أساسي عادل ومنصف، إدماج حقيقي لحاملي الشهادات، تسوية شاملة للملفات العالقة، وإنهاء أشكال الهشاشة التي تطال فئات واسعة داخل هذا القطاع. رغم فئوية المطالب وعزلتها، إلا أنها تعبر عن واقع بنيوي يهم آلاف العمال والعاملات الذين يُبقون المرافق العامة قائمة بأقل الإمكانيات.
لم يخرج رد الدولة عن المألوف؛ إذ عرف محيط الوقفة حضورًا وتدخلًا لقوات القمع، في محاولة لتطويق هذا الشكل النضالي. وهو ما يعكس مرة أخرى حدود “الحوار” حين يصطدم بالمطالب الحقيقية، ويكشف أن الدولة، بدل الاستجابة، تميل إلى “ضبط “الشارع واحتواء تحركات الشغيلة.
المطالب المطروحة تعكس حجم التفاوت داخل القطاع: حاملو الشهادات الذين حُرموا من الترقية المستحقة، تقنيون ومساعدون إداريون يعانون من تهميش مهني، أعوان عرضيون يشتغلون في وضعيات هشة، إلى جانب عمال التدبير المفوض وعمال الإنعاش الوطني الذين يعيشون خارج أي استقرار مهني.
من خلال وقفة الرباط يتضح أكثر فأكثر أن تحسين أوضاع الشغيلة لا يمكن أن يتحقق بوعود ، بل بفرض ميزان قوى ميداني. فحين يتوحد العمال حول مطالب واضحة، وينتقلون من التشتت إلى الفعل الجماعي المنظم، يصبح بإمكانهم انتزاع حقوقهم.
اقرأ أيضا

