في ذكرى رحيل المناضل عبد الله زعزاع :  العلمانية و الأحياء الشعبية

سياسة11 مايو، 2026

قبل خمس سنوات، فقدت ساحة النضال من اجل الديمقراطية و التطلعات الشعبية الى التحرر و الحياة السعيد أحد مناضلي اليسار الماركسي، الرفيق عبد الله زعزاع.

نتذكره بفعل ما بذل حتى آخر رمق من أجل الأهداف التي كرس لها حياته، وأدى من أجلها الكثير. التفاني في العطاء، وعدم التنكر للتجربة النضالية، بمكاسبها وأعطابها، والبحث الدائم عن مخارج لأزمة اليسار، وعدم الركوع لأعداء الشعب أو تملقهم، تلك كانت أخلاق هذا المناضل الصنديد ، كما وصفه الرفيق عبد السلام باهي .

إحياء  لهذه الذكرى، نتيح للقارئ/ة  توصيفا للرفيق زعزاع بقلم الرفيق عبد السلام باهي، وآخر للرفيق زعزاع عن تجربته في العمل في الأحياء الشعبية، ويستمد هذا النص الأخير أهمية بالغة بالنظر للظرف الانتخابي المقبل، إذ يبرز حجم الإمكانات التي يضيعها اليسار، وعقم المنظور الاستنكافي الذي يدعي المقاطعة.

   المناضل-ة

عبد الله زعزاع الرفيق الصنديد.. هكذا تحدث عنه الرفاق

بقلم : عبد السلام باهي

(…)  يرمز عبد الله زعزاع  في ذاكرة مناضلي اليسار السبعيني إلى القيادي والمناضل الصلب الذي واجه القمع بقوة وصلابة منذ اللحظات الاولى من اعتقاله . وتحمل درجات قصوى من الانتهاكات الجسيمة والتعنيف والتعذيب والمعاملات القاسية والمخلة بالكرامة الإنسانية .

عبد الله زعزاع قيادي منظمة إلى الأمام الذي دافع بشرف وقوة على مبادئ المنظمة واليسار . وحين اختلف مع رفاقه مارس خلافه معهم بوضوح وشرف وقوة كذلك .

لكن وراء قوة عبد الله زعزاع تكمن دائما تلك المسحة من الود والمحبة الإنسانية العميقة. خاصة تجاه رفاق دربه . لم يتخل عنها حتى في عز الاختلاف . وظلت مستمرة ومستقرة في زاوية من زوايا أعماقه . لها لحظات ظهور كما لها لحظات كمون . ومن أبرز لحظات ظهورها واتساقها نظرته ومحبته للرفيق ابراهام السرفاتي التي لم تتغير وظلت لا تفارقه .

الرفيق عبد الله زعزاع من المناضلين العمال القياديين القلائل في تجربة التنظيمات اليسارية الماركسية الأولى . 23 مارس وإلى الأمام ولنخدم الشعب . إلى جانب رفاق عمال آخرين . منهم الشهيد جبيهة رحال الذي نستحضر ذكراه القريبة .

وقلة هم المناضلون العمال في التجربة . كانوا كالعملة الناذرة . مما كان له ما له وعليه ما عليه من النتائج والمترتبات التي طبعت المسيرة النضالية .

عبد الله زعزاع من الرفاق الذين حكم عليهم بالسجن المؤبد في محاكمة يناير 1977 بالدار البيضاء . وظل مناضلا صامدا في السجن وبعد السجن .

بل لقد حصد حكما آخر من داخل السجن . بعد أن تم اقتياده للمحاكمة مرة أخرى من داخل زنزانته بالسجن المركزي بمدينة القنيطرة . وحكم عليه بسبب قراءاته وتعليقاته على كتاب يتعلق بالراحل الحسن الثاني .

كان عبد الله زعزاع في السجن هو الرفيق المحترم من طرف رفاقه .

يشترك مع باقي الرفاق في القراءة وفي انشغالات أخرى ، ولكن طبعه العملي ظل يميزه اكثر .

وبعد الخروج من السجن لم يركن عبد الله زعزاع إلى الراحة . بل ظل مناضلا شامخا . شارك في محاولات تجميع اليساريين ونقاشاتهم . وأعطى أهمية للممارسة وخوض التجارب العملية والملموسة . كما آمن بدور حرية التعبير والصحافة والفكر في عملية تغيير المجتمع . وفي دينامية الوسط النضالي . وجسد ذلك في ممارسته وفي اكثر من مناسبة . حتى في مواجهة رجال السلطة وبحضور مسؤوليها الكبار .

وناضل على واجهة حرية التعبير وتبليغ مجموعة من المواقف والآراء الراديكالية ، هو ومجموعة من رفاقه من خلال تجربة صحافة المواطن والمواطنة وغيرها من التجارب الصحافية التي خاضها المناضلون اليساريون منذ بداية سنوات التسعينيات من القرن 20 .

وكان الفضل لعبد الله زعزاع في نشر الرسالة التي فضحت وجود معتقلين بمعتقل تزمامرت.

وكذلك في نشر الحوار الذي جرى مع الزعيم النقابي نوبير الأموي . الذي انتقد فيه جشع الرأسمالية المحلية واستبداد السلطة وفسادها . وما تلا ذلك من محاكمة نوبير الأموي الشهيرة بالرباط . وقمع صحافة المواطن . والمضايقات على المناضلين وعلى الكونفدرالية الديموقراطية للشغل.

ثم انخرط الرفيق عبد الله زعزاع في العمل الجمعوي . خاصة جمعيات الأحياء والعمل عن قرب. ومع المواطنات والمواطنين في درب بوشنتوف على الخصوص . إنه درب الطفولة ، ودرب الذكريات المبكرة مع والدة عبد الله زعزاع المرحومة لالة باشة . وهي من أمهات المعتقلين السياسيين التي لم تثنها سنها وصحتها عن المساهمة في نضال العائلات . ومع الإخوة والاخوات الفاضلات زعزاع . ومع سي محمد زعزاع وسي بوشعيب زعزاع ، وغيرهم من الأبناء والأحفاد . كل ذلك الرصيد ظل حيا في ذاكرة عبد الله زعزاع وفي عمله مع رفاقه من أبناء الحي . مصطفى ومناضلون آخرون من حي بوشنتوف وأطفاله . ومع رفيقته في الحياة والنضال رشيدة صدوق . وبفضل عملهم جميعا ، وبفضل نضالهم جعلوا من حي بوشنتوف حيا يندرج في ذاكرتنا الجماعية . وذاكرة مناضلين آخرين من مدن وأحياء أخرى . ذلك الحي الشعبي . وتلك الاحياء الآتية من المغرب العميق . يتحاورن . ومناضلون يأتون بتجاربهم المتنوعة قصد التواصل وتبادل الخبرات ، والإهتمام بمغرب الأحياء السكنية والشعبية ، ومغرب الجبال والصحارى والمناطق المفقرة والمهمشة .

إنها تجربة اصيلة حية وذات أهمية . لكنها لم تنل بعد حقها من ادبيات اليسار . ومن كتابات اليساريين والمؤرخين . مثلما لم تنل ما يكفي من الدراسة والدعم .

ومن نفس المنطلقات وبنفس الهموم ، ظل عبد الله حاضرا في العديد من التظاهرات والوقفات والفعاليات الجمعوية والنضالية . شارك بقوة في حركة 20 فبراير . وظل مواكبا للتطورات . متطلعا للكتابة بوجدانية عن الأوضاع والتجربة . والعلمانية . والديموقراطية .

إنه عبد الله زعزاع المناضل اليساري الصنديد الذي لم ينس اصوله الشعبية . وظل يذكرنا بذلك النوع من المناضلين السندينيين الحاملين لهموم الثورة والديموقراطية ، القريبين من شعوبهم ، التواقين للحرية في بلدان تعيقها الكثير من عوائق الحرية . وفي عهد الثورة الثانية بعد الثورة الكوبية .

=======================

العلمانية والاحياء الشعبية

 بقلم عبد الله زعزاع

جرى هذا في يناير وفبراير 1997

إن النشاط الذي قمنا به أنا ورشيدة (زوجتي) بهدف التعريف بالجمعيات النسائية لدى نساء يسيّرن تجارة في أحياء شارع الفداء واللائي يستقبلن العديد من النساء كزبائن، وذلك منذ شهر ديسمبر كان ناجحا إلى حدّ أنه فاق البعد الكمي لنتائجه، وكانت إيجابية في حد ذاتها.

منذ ستة أشهر، نشأت “الحركة من أجل الديمقراطية”. ظهرت كذلك منظمات نتجت عن تيارات داخل اليسار الجذري. إني لست مختصا في التدبير، ولا زعيما مهمته السهر على بنية تنظيمية. أتصور التزامي حسب الفائدة التي قد تتيحه ممارستي لصالح الديمقراطية.

إن تطور اليسار يحتاج إلى دعم، إلى أسس شعبية. وهذا الإنجاز لا يمكن تحقيقه بشكل ميكانيكي بإنشاء بنيات تنظيمية موحدة على العكس من ذلك، وحده الانخراط في سيرورة تفاعل مع الجماهير الشعبية يمكنه إضفاء دلالة على هذا التوحيد.

لكن الجواب عن كيف يمكن إطلاق هذه السيرورة ليس بديهيا، بل هو عالم وجب اكتشافه.

اقتربت الانتخابات… ومهما كانت مواقفنا تجاهها، لا يمكن أن ننكر أنها تشكل فترة ينصت خلالها الناس للخطابات وأن نتائجها تحدد اللعبة السياسية المقبلة.

أعرف أنه يمكنني الاعتماد على الدعم الهادف والفعال لمجموعة الزنقة 9 وكذلك على شباب أزقة أخرى، بما فيها الزنقة التي أسكن بها. إنهم يشكلون يسار الأحياء الشعبية اليسار الذي يحضر أحيانا اللقاءات السياسية أو الجمعوية التي تعقد بقاعات تتواجد وسط المدينة، لكنهم يصمتون.

خلال اجتماع عقد سنة 1992 بهدف إقناعي بالترشح للانتخابات، قال أحدهم، خالد الكراد :

– إنكم تهدرون أوقاتكم في اجتماعاتكم التي لا تنتهي إلى نتيجة.

إن مستقبل هذه البلاد يجد حله في هذه الأزقة وهذا ما لا تفهمه الأحزاب السياسية. أما أنت إذا أردت أن تمارس سياسيا، فإنك تتوفر على رصيد يعرفه الجميع في الحي، فلن يكلفك الأمر شيئا أن تكون معنا لنا خبرة بالحملات الانتخابية، وإن مرشحنا هو الذي يفوز لأن حينا محسوب على اليسار. إذا فاز الاتحاد الاشتراكي فلأنه يقبل بمرشحنا ونتكفل بحملته الانتخابية في الدوائر الأخرى. إذا كنت متفقا فالحملة مهمتنا.

يذهب مصطفى الكوني، المبادر إلى هذا اللقاء، في نفس الاتجاه:

– إن المواطنات والمواطنين بحينا لا يطلبون المستحيل، إنهم أصيبوا في كرامتهم، إن الشيخ الذي يعبر سبيله يعرفك ويعلم كل شيء عنك وسوف يدعمك. يكفي أن تنزل من برجك العاجي؛ أن تحييه وتشد على يده وتعلن له عن نيتك الترشح للانتخابات ،كن على يقين أنه في وقت تناول الشاي بالمنزل سوف يحكي هذا الشخص عن هذا اللقاء في جزئياته، جميع أفراد الأسرة سوف يناقشون ويقررون، ورغم تواضعها يحسب لها حساب وتشكل جزءا من المشروع السياسي الذي يقوده أناس لا يكفون عن النضال.

كان هذا سنة 1992 و، كنت رفضت الرد بالإيجاب. كنت منخرطا في توحيد مناضلي اليسار، الأمر الذي امتص وقتي. أما مسألة الانتخابات فما زالت في الحقل النظري ولم تحسم بعد. وما يمكنني فعله في الممارسة اليومية في عمل القرب لم يكن واضحا بالنسبة إلي.

واليوم، أعني بداية 1997 ، أعي أني أهدرت فرصة بناء تجربة مع هؤلاء الشباب الذين طلبوا انخراطي في تلك الفترة، وأنني لن أكرر هذا الخطأ. آن الأوان لبدء عمل سياسي مع الناس حتى ولو ارتكبت أخطاء.

إن هذه التجربة التي أخوضها مع رشيدة تجعلني أحس أن في مجتمعنا إمكانات هائلة تلعب لصالح الديمقراطية. يكفي فقط اكتشاف العنصر الذي يمكننا من الانطلاقة. كنت مستعدا للانخراط في هذا العمل. كل الرأسمال الشخصي المتراكم عبر عشرين سنة كخبرة وسمعة لا قيمة له إذا لم يصبح منتجا.

في شهر ماي من نفس السنة جاء مصطفى الكوفي يناديني للقائه بالزنقة ليخبرني :

أود أن أقول لك، إذا لم تترشح هذه المرة للانتخابات، سأقوم بتسجيل ترشحي. أطلب منك في هذه الحالة مساندتي.

أحسست بالحرج، فطلبت منه بعض الساعات للتفكير في الأمر.

كان مصطفى صديقاً خدوما، يختزن إمكانات للعمل والوفاء إلى المثل العليا لليسار. كيف أعترض على طموحه ليصبح منتخبا ؟ كيف يمكنني الترشح دون دعمه لي ؟ حينما التقيت به مجددا استجمعت قواي لأخبره بنواياي وأني كنت آسفا لأنني خيبت أمله.

– كلا، لا يمكنني الترشح عوضك ولم أفكر في هذا الأمر إلا لأن عبد الكبير بن الرأس رفض تجديد ترشحه، وبالتالي فإن بعض أعضاء الاتحاد الاشتراكي مارسوا على ضغطا لأعوضه. وبما أنك مستعد أريد أن أكون مدير حملتك الانتخابية.

اعترض المصطفى على صيغة «لا منتمي». لا يمكن أن نكون من اليسار وبدون حزب لأن هذا قد يقود الناس لعدم الفهم.

إن السلطة هي التي تدفع بـ اللا منتمين للترشح.

في الأول وجهنا طلبا إلى منظمة العمل الديمقراطي الشعبي، فوافقوا  (كان هذا المبدأ في نقاش سابق داخل الحركة من أجل الدمقراطية)، ثم وجهنا طلبا آخر إلى الاتحاد الاشتراكي بهدف الترشح باسم الكتلة في حالة القبول بالترشيحات المشتركة.

تمت اجتماعات عديدة مع مجموعة الزنقة 9 وكذلك بالنسبة للزنقة 8 كان يحضر هذه الاجتماعات بعض المناضلات والمناضلين، من بينهم أعضاء في الحركة من أجل الدمقراطية. المواضيع كانت : ماذا يمكن أن يفعله المنتخب ؟ ما ثقله في مجلس ما ؟ كانت الآراء مختلفة. الأساسي عدم ترك المقعد لمترشح آخر. نعلم أن لا شيء سيتغير، لكن على الأقل قد نكون أرسلنا من يعرقل أهدافهم المشبوهة.

صيغ مشروع جمعية وتم الاتفاق حوله. كان هدف الجمعية تأطير ومراقبة المنتخب والتعبير عن إرادة الساكنة. إنه البرنامج الانتخابي.

ولماذا لا نكون أكثر طموحا ونراهن على مقاعد أخرى ؟ قبلت منظمة العمل الديمقراطي الشعبي خمسة ترشيحات من مجموعتنا، مدعومين بمناضلين من خارج الحي أو لم تعد لهم علاقة به. إن هذه الترشيحات تسمح ولو بالنسبة لهذه الحملة فقط بخلق حزام حول دائرتي.

في اليوم الثاني من الحملة الانتخابية أحضرت خمسة آلاف منشور من المطبعة (مسددة من طرف كمال لحبيب وأخرين والذي ألجأ إليه لأخذ بعض النصائح). بعدما علمت مجموعة الزنقة 9 بالخبر، أرسلوا إلي مبعوثين، إنها مفاجأة سلبية كنت أنتظرها.

نحن مستعدون للفوز، وليس للفشل. «إلى الأمام»، السجن، المساواة بين الرجل والمرأة الحقوق الثقافية للأمازيغ، لا بأس، لكن إذا أردت أن تربح أسقط العلمانية من سيرتك المقدمة وإلا فلن ندعمك جماهيريا.

كنت احتفظت بسيرتي الذاتية سريا، لأنني لم أرغب أن تعلم السلطة بذلك قبل انطلاق الحملة الانتخابية. ولكن هذا الاحتياط يتعلق أكثر بأصدقائي قبل الخصوم. أحسست كما كان الأمر في سنة 1988، حين كتبت رسالة مفتوحة إلى الحسن الثاني والتي استهجنها أغلب الرفاق خوفا من النتائج الخطيرة على اعتقالنا.

فلا يمكن إذن الاعتماد راهنا إلا على الالتزام الفعلي لرشيدة ومصطفى، لكن لم يعد التراجع مطروحا . كل استراتيجيتي تنهض على خلخلة اليقينيات والبرهان أننا قد نخطئ اتجاه الجماهير وردود أفعالهم. وإن الناس ليسوا في حاجة إلى وعود، بل إلى الاقتناع بالكفاح من أجل الجديد.

شرعت في حملتي بشكل عام أقوم بجولات سريعة في أزقة الحي، أقدم نفسي للناس الذين ألاقيهم المارة، الشباب، أصحاب الدكاكين ولو أن قلة من هؤلاء هم من ينتخبون في هذه الدائرة وأناولهم برنامجي. أقوم بهذه الجولات في أوقات محددة (ما بين الحادية عشرة والواحدة زوالا وما بين السادسة والثامنة مساء) أجوب الشوارع من بيت لبيت وإذا لم تطرح علي أسئلة أكتفي بتقديم شخصي كمترشح وأتابع المسير.

يستقبلني الناس بحفاوة وفي بعض الأحيان أجدهم مرتاحين لترشحي، فيشكرونني ويتمنون لي الفوز. إن نظرة خاطفة على مسكن الناس الذين لا أعرفهم هي في حد ذاتها اكتشاف. إنك تجد نفسك متأثراً بتواضع الناس الفقراء، أحيانا تكتشف بيئة متشربة للثقافة لا تعتقد أن أناسها يتوفرون عليها لما نراهم يمرون في الشارع. ربات بيوت فخورات بأسرهن؛ رجال ينادون أبناءهم ليقدمونني إليهم. يقول البعض بأنهم يعرفونني منذ شبابهم أو أنهم سمعوا عن ماضي.

كنت دائما أنتظر رشيدة حتى تعود من عملها، لنقوم بالجولة معا. أهتم كثيرا بحضورها

نجوب الأحياء يدا في يد أو واضعين يد الواحد على كتف الآخر. ينبغي إثارة مخيال وأحلام الشابات أو الفتيان من أجل حياة سعيدة تجسد المساواة.

بالمقابل تصلني أصداء بطريقة غير مباشرة على أن إسلاميين يقتفون أثري، ورغم كونهم لا يتوفرون على مترشح بالمنطقة، يقومون هم كذلك من بيت لبيت يتهمونني بأني سأنزع مكبرات الصوت عن الصوامع أو أني سأهدم هذه الأخيرة. ويقولون إن شقتنا حانوت خمور (كراب) يقصدها الجانحون بالحي للعربدة.

حوالي اليوم الرابع أو الخامس من الحملة الانتخابية، حصل تغير في موقف مجموعة الزنقة 9 التي طبقت فعلا موقف التحفظ.

أخيرا أصبح الحق معك كل من كانوا يتوفرون على مستوى من التعلم والتربية عادوا إلى كراساتهم وكتبهم الدراسية لمواجهة الإسلاميين. لم تعد هذه الحملة انتخابية بل صارت ثورة ثقافية.

تأثرت كثيرا؛ الزنقة 9 حالة خاصة. هي حزب سياسي حقيقي. ليس هناك تباين بين الأجيال : يناقش الشباب مع الشيوخ وحتى الأطفال ينصتون. رأي النساء مرحب به في الشارع العام. بديهي أن الأكثر نشاطا هم الذين يقررون، ومتى اتخذ القرار يصبح قرار كل الساكنة بالزنقة

– «الدراري» قرروا.

فوق هذا وذاك، فبعض سكان الزنقة 1 والزنقة 3 يجدون أنفسهم في نفس هوية كيان الزنقة 9 التي تواجدت بها شخصيات توفيت سبق أن ساهمت في المقاومة، وكذا قربهم من «دار الشباب»، التي يخاض بها صراع حول رؤية دورها.

أتخيل الزلزال النظري الذي خلخل عائلات الكوفي، لكراد، دلال الحداد المالكي المشور وأخرى لا أعرفها. وهناك ثريا المالكي وآمنة بوسعدون، اللتان تذهبان يمنة ويسرة لإيصال الرسالة. حتى الأطفال وعلى رأسهم أطفال الزنقة ،9، يجوبون الأزقة يوميا، هاتفين باسمي.

هذا هو التعويض الهائل عن سنواتي بالسجن وبيان حقيقة ضد من يروجون أن اليساريين انعزلوا.

فانطباع مصطفى بأن الحملة قد نجحت.

إذا كان هناك أناس لا يعرفونك حتى الآن، فقد تكفل بهذه المهمة خصومك والمترشحون الآخرون، بالإضافة إلى الإسلاميين. فوق هذا أنت الوحيد الذي يتوفر على برنامج (أفكارك) وكلهم يتموقعون ضدك. يعني أنهم لا يقدمون جديدا الوحيد الذي أصبح منزعجا هو مرشح السلطة، الذي يعمل بالمقاطعة. يذهب دوما إلى عمله ولا يقوم بالحملة الانتخابية لجلب الدعم لترشحه، إنهم المقدمون الذين يقومون بها لصالحه . لكن لن يفرح بالفوز أي مترشح من طرف السلطات في حينا.

استضافتني مجموعة من شباب الزنقة 13 (زنقة المسجد) إلى اجتماع خصص للتعارف والوقوف على مشاكل الحي، وإن تقرير هذا اللقاء طبع ونشر.

علمت يوما أن تصعيدا حصل بباب المسجد. أحضر الإسلاميون عارضة ضدي وحاولوا تحسيس وتعبئة المصلين في آخر الصلاة، ففضح المناورة خالد كربة وشبان آخرون خرجوا بدورهم بعد الصلاة من المسجد، وعارضوا أن يصبح المسجد مقحما في الحملة الانتخابية. كان المصلون يرفضون الاستماع إلى الإسلاميين.

             في اليوم الموالي فوجئت وأنا أعبر بستانا صغيرا بقيام شخصين مسنين من مكانهما. أحدهما يتوكأ على عكازته. توجها نحوي فشدا على يدي وهما يرجوان إلي المزيد من القوة :

– قواك الله لمواجهة خصومك يا ولدي.

هناك مجموعة صغيرة بالزنقة 8 على علاقة بالإسلاميين، يجتمعون بالزنقة 13 (زنقة المسجد)، لأن أحدهم، عزيز بازي، صديق لهم، وبالمناسبة يلعب كذلك دور المبعوث. اقترحت علي المجموعة مواجهة مباشرة مع الإسلاميين، فوافقت عليها. دام الأخذ والرد بعض الأيام. خاب أمل صديقنا عزيز، لأن مجموعته رفضت اللقاء المباشر في وقت جاءت المبادرة منهم.

تخوفوا من أن لا يكون لهم ثقل في نقاش يحضره أعضاؤهم ويفضلون أن تلتقي فقط بواحد من ممثليهم.

قبلت كذلك هذا الاقتراح، لكنه لم يحصل قط.

كان علي أن أتطرق لموضوع العلمانية خلال الأسبوع الثاني من الحملة الانتخابية.

كانت المرة الأولى بالزنقة 14 . كانت معي رشيدة، منافع، مالكة (صديقة تسكن بحي آخر)، عبد الجبار أجوكين، جواد جزلي، خالد نومار ( من الزنقة (8) وشباب آخرون من الحي. طرحت علي مجموعة صغيرة أن أشرح بوضوح ما أعنيه بالعلمانية. فتشكلت آنذاك مجموعات صغيرة للنقاش. لم يكن مقنعا طرح فصل الدين عن الدولة بالنسبة لمخاطبينا. لكن كان النقاش هادئاً ينطلق من رغبة ثقافية طموحة عوض مواجهة مع مترشح.  فجأة توتر هذا النقاش داخل مجموعة من المجموعات، وصلوا إلى التهديد وإلى خطر المشادات. أحدهم أطلق عبارة «الإلحاد»، فقمنا بمجهودات من الطرفين لتهدئة الجو. كانت بالنسبة لي مناسبة للقول بأن وحده إطار العلمانية يضمن احترام كل القناعات، لكن بعض الشباب، دون الانخراط في النقاش كانوا يبحثون عن تسميمه. بعد الإلحاح أنه لم تكن هناك نية لإفشال جولتنا، حيانا مخاطبونا وتركونا ننصرف.

في المرة الثانية، وأثناء بداية جولة مهمة، حصل أمر خطير. بالإضافة إلى بعض شباب الحي حضر معنا صديقات وأصدقاء من عين الشق. بدأنا بزنقة تادلة التي تفصل حي الميتر عن حي بوشتنوف. فإذا بجماعات صغيرة من الشباب الملتحي الذين كانوا منتشرين بالشارع يتوجهون نحونا كحاجز آدمي ويغلقون الممر.

– نريد النقاش.

وجدنا أنفسنا معزولين عن بعضنا البعض. كان الأمر مقلقا، لأن نبرة النقاش كانت تهديدية والنسبة العددية كانت متفاوتة. يحاول مخاطبي اجتذابي إلى الحقل الديني الشيء الذي رفضته. أناقش ما هو سياسي وليس الدين. لكني اضطررت إلى العودة للإسلام، أعتبر أن قيمه العالمية، والتي تضاهي قيم الديانات الأخرى، هي في حد ذاتها مثل عليا للعدالة والتسامح. ما تبقى ولو متضمنا في القرآن هو جزء من مقتضيات تطور المجتمع في فترة معينة. فلاحظت أن مخاطبي قد أفحموا بأجوبتي وفهمت أن عدوانيتهم تصدر من اعتقادهم أن استعمال وتوظيف كلمات دينية كان له سلطة مخفية. حينما لاحظوا أن خطابهم غير كاف وأنهم بحاجة إلى خطاب إقناعي بطريقة أخرى، أخذوا وقتا للتفكير.

هذه انتخابات جماعية والأمر يتعلق بتدبير المصلحة العامة محليا. ما علاقة هذا بالعلمانية التي هي جزء من مشروع سياسي ؟

– لم أقل أني سوف أعلن سيادة العلمانية ! لكنه من المفيد بالنسبة للناخبين أن يعرفوا كل شيء عن مترشحيهم، أليس أفضل من حفظ كل هذا في السر ؟ والإعلان عنه له علاقة فعلية بالانتخابات. فرضا أنني أصبحت منتخبا، ولسبب أو لآخر أكون في حاجة للاتصال بامرأة في الحي، لا ينبغي لأحد أن يتخذ مبرراً لحقوقه، بدعوى أنه زوجها ، ويحاول منعي من الحديث إليها، لن أعترف له بحقه في تمثيلها، ها هو مثال يفسر دفاعي عن العلمانية خلال حملة انتخابية جماعية.

فجأة ها هو الانفراج، وجوه ودية باسمة تقول :

– شكرا زعزاع، لا أكثر، فقد نضيع وقتك ولديك العديد من الناس يجب أن تلتقي بهم أما بالنسبة للتصويت، فيمكنك الاعتماد علينا وعلى أسرنا.

قال عبد الفتاح، أستاذ الفلسفة، والذي كان معنا :

– لم يكونوا عدوانيين، إن الطلبة هكذا، لهم طرقهم المعارضة أساتذتهم.

تم إعداد الجولة الكبرى لختم الحملة الانتخابية بمنزل عائلة أمهال. وحين انطلقت التظاهرة وجدنا العديد من الشباب الملتحي معنا، فلم أعد أستطيع التعرف على إسلامي فقط من زغب لحيته.

بتاريخ 13 يونيو، في وقت متأخر من الليل، بدأت النتائج تصل. وكلما عرفت نتائج مكتب تنطلق حشود الشباب والأطفال تجوب الحي هاتفة بالفوز. وحينما أعلنت النتائج النهائية، حملت عاليا منقولا من منزل لمنزل لأشكر الناس عن وضعهم الثقة في.

29 % لصالحي، بفارق ضعفين أمام المترشح الثاني، الذي قدمته السلطات العمومية للانتخابات.

في ما يتعلق بالانتخابات التشريعية، وحتى لا نهدر الوقت، سأقول رغم أنه كانت لدي بعض الأوهام لأفوز خلالها بأن الأمر موضوعيا مستحيل. كان المجال المقصود واسعا والساكنة المنتخبة تشكل عدديا ثلاثين مرة ساكنة الانتخابات الجماعية. لا بنية حزبية لدعمنا. لدي حقا دعم شباب الحي الذين تجاوز التزامهم الحي وتوسع ليشمل جماعات أخرى، زد على ذلك بعض الأصدقاء الذين يأتون من أحياء أخرى، مثل عبد الله المسفيوي وعبد السلام الفيغا وخديجة تافنوت من الحركة من أجل الدمقراطية وكانوا نشيطين إبان الانتخابات الأولى.

خلال هذه الحملة التشريعية حصل لمرتين أن ناقشت مسألة العلمانية مع مجموعات من دوائر أخرى قريبة منا (دائرة الناظور في نفس حي الميتر II ودائرة المحطة ببوشنتوف).

انطلق النقاش خلال جولتي وفي الأخرى طلب مني الحضور لشرح موقفي. هذه الحالة تستحق أن تسجل، حيث كنت لوحدي أمام حوالي أربعين من الشباب حتى الساعة الحادية عشر ليلا والنقاش لا يزال مستمرا خلال الليل. حضر شاب يكثر من حركات جسدية ويبحث عن الهجوم علي، وكان الآخرون يصدونه دون توقف. كنت أتخوف لتواجدي معزولا في وسط ذكوري، فكنت أتكلم بصوت عال حتى يسمعني من كانوا بمنازلهم، وأساسا النساء. بطل معركتي في قضية العلمانية هو المساواة في الحقوق بين الرجل والمرأة. أتبنى موقفا لتحدي اتجاه المتناقضين معي حيال هذه المسألة بطرح عليهم السؤال : هل يقدرون التأكيد أن أمهاتهم وأخواتهم لا يستحقن إلا أنصاف الحقوق ؟ هل بعد وفاة الأب يستطيع ابن حيازة حقوق والدته ؟

أعلم أنهم لا يستطيعون الإجابة بالتأكيد. ادعى أحد أن لا علاقة لليسار بالديمقراطية، بل يحاول فقط التقرب من النظام، وآخر يصرح بأننا ضد الوحدة الترابية. تخيلت أنهم يريدون اختبار حدودي فكنت أجيب :

أنا جمهوري، ومع تقرير المصير، ولدي تصور جمهوري لمفهوم الشعب والأمة، لكن لم يحدث قط ومنذ الأزل أن الذين نسميهم مغاربة انتخبوا ، “ديمقراطيا”، أشخاصا يحملون مسؤولية تعريف هذه المفاهيم وتشريعها كهوية جماعية. إن الإسلاميين، بعدم نفيهم مبدأ

أمير المؤمنين يبحثون عن إمكانية الوصول إلى الحكم فيحكمون حسب المبدأ إياه على حساب إرادة الشعب.

بعضهم يريد التيقن إن كنت أدافع عن العلمانية فقط كمسلم أم على أساس قناعة أخرى. أجيب فورا أنني إذا أجبت على السؤال سأكون في تناقض، لأن مبدأ العلمانية هو أن القناعات الدينية الشخصية لا تدخل في عداد تحديد حقوق المواطن، كتدبير أو زعم تدبير شؤون بلد ما في جميع الأحوال، أنا لا أنزعج إن هم استمروا في طرح مثل هذه الأسئلة ، لأنها طريقتي في تعميق التفكير.

اقترح في الأخير أحدهم هذه الخلاصة :

– نشكر زعزاع، الذي استمر في النقاش معنا رغم الضجيج والشتائم الصادرة عن البعض. نشكره كذلك لصراحته، حيث كان بإمكانه أن يظهر اتفاقه معنا لا لشيء إلا لطلب أصواتنا. وحتى لو أن البعض لا يتفقون معه، سنصوت لصالحه لأننا في حاجة إلى أناس مثله.

شخص واحد طرح تحفظه على هذه الخلاصة. إنه يدعم مترشحا لا علاقة له بالإسلاميين ولكن حزب العدالة والتنمية منحه التزكية باسمه لتضخيم صفوفه.

نتائج الانتخابات : حصلت على الرتبة الثامنة من بين ستة عشر مترشحا (كلهم يمثلون أحزابا). كل الأصوات لصالحي جاءت من الدوائر المجاورة التي تحدثت عنها ودائرتي (التي أمثلها جماعيا) وفيها حصلت هذه المرة على 45% من الأصوات المعبر عنها.

اعتقدت أن العديد من المناضلين والمثقفين سيستخرجون درسا من هذه التجربة، لكن لا شيء من هذا ! بالنسبة للعديد، يجب أن يكون المرء زعزاع للقيام يمثل هذا الأمر، ويقولون هذا الكلام مرفقا بابتسامة ساخرة ! ثم يريد آخرون معرفة هل الناس يفهمون جيدا ما هي العلمانية ! لكنهم لا ينصتون أبداً إلى جوابي.

أولا : إذا افترضنا أن الناس لم يفهموا شيئا عن ما هي العلمانية فهذا يعني بالنتيجة على الأقل أنهم لم يفهموا ما يحكيه لهم الإسلاميون بصددها أو أنهم يرفضون قطعا اتباع تفكيرهم خلال هذه الحملة التي شاركت فيها.

ثانيا : حينما يصوت المنتخبون لا يفعلون ذلك كلهم دائما على أساس نقطة واحدة ومشتركة فيما يتعلق بي، يمكن أن نقول إن في جميع الحالات لم يعتبروا أن التصريح المتعلق بالعلمانية كان عائقا كبيرا.

ثالثا : إن الناس قد يخطئون فهم أمر ما إذا نحن لم نحدثهم عنه. والخصم لن يتركنا نحدث الناس عنه دون أن يتموقف ضدنا.

وليس بين عشية وضحاها نستطيع الإقناع، لكن ينبغي البدء يوما ما . علمتني تجربتي أن أحذر توظيف لفظ «إسلامي»، لأنها تجعلنا نخلط «الإسلاميين» في معناه السياسي وحشود الشباب (والأقل عمرا) الذين يمارسون الشعائر وهم ينتظرون من النخب الإجابة عن ما يقلقهم وعن أسئلتهم. ويعبرون على هذا الانتظار بنوع من العدوانية لإثارة الانتباه إلى تطلعاتهم.

المصدر : كتاب عبد الله زعزاع

  نضال رجل من اليسار ، سرديات

ترجمة  الحسين الطوكي

مركز محمد بنسعيد ايت ايدر  للأبحاث و الدراسات

شارك المقالة

اقرأ أيضا