من أجل إنهاء «الاصطفافية»، والحرب على إيران، و«تبييض» الجمهورية الإسلامية بصبغة مناهضة للإمبريالية

 

بقلم سمية روستامبور  Somayeh Rostampour

تؤكد سمية روستامبور بأن على معارضي العدوان الأمريكي والإسرائيلي على إيران تجاوز «النزعة الاصطفافية» — وإلا فلن ننجح في إعادة بناء يسار تحرري حقيقي أو في إحياء نزعة أممية شعبية حقيقية.

تجتاز إيران طور عنف و حِدّة غير مسبوقين. في أعقاب الإبادة الجماعية في فلسطين، والدمار واسع النطاق الذي لحق بلبنان، تشارك الولايات المتحدة وإسرائيل أيضًا في تدمير الأرواح والأجساد والأراضي والبنى التحتية الحيوية في إيران. ولم تستهدفا هناك مصافي النفط ومستودعات الوقود فحسب، بل حتى المرافق الصحية وموارد المياه وأنظمة الطاقة ومنشآت النفط والمدارس وغيرها من الأماكن المدنية. وتم في ميناب تدمير مدرسة للبنات وقتل أكثر من 168 شخصاً، من بينهم أطفال بلوش. لقد قلبت هذه الحرب شروط إعادة الانتاج الاجتماعية ذاتها، وزادت تعميق ضعف الطبقات الشعبية. لقد نسفت الأساس المادي للاستقلالية الاجتماعية، ودفعت النضالات من أسفل عدة خطوات إلى الوراء، وعززت أشكال القومية العرقية التي تقودها الدولة أو الموجهة اجتماعيا. بدد التحول السريع، في غضون شهر واحد، من وعد ترامب بـ«إعادة إيران إلى عظمتها» إلى التهديد بإرجاع البلد إلى «العصر الحجري»، أي غموض متبق حول المنطق الإمبريالي السائد — وهي صيغة تذكرنا بلا شك بلغة حرب الخليج عام 1991 ضد العراق.

ومع ذلك، لا يمكن فهم هذا العنف الإمبريالي «الخارجي» بمعزل عن الأزمة الداخلية التي تحاول بها الجمهورية الإسلامية إعادة تشكيل سلطتها. منذ انتفاضة العام 2022، التي أعقبت قتل الشرطة للشابة الكردية جينا ماهسا أميني، سعت الجمهورية الإسلامية باستمرار، في كل حرب وأزمة جيوسياسية، إلى إيجاد سبل لاستعادة بعض مما فقدت من سلطة واحترام.

مفارقة الهجوم الإمبريالي وشرعية النظام

منحت حرب الإبادة التي شنتها القوة الاستعمارية الإسرائيلية على الفلسطينيين/ت بعد 7 أكتوبر 2023، والتي أعقبها أول هجوم إسرائيلي-أمريكي على إيران في يونيو 2025، إطارًا أوليًا لإعادة الاعتبار للجمهورية الإسلامية. بيد أن مذبحة يناير 2026، حيث قُتل آلاف المتظاهرين/ت الإيرانيين/ت في غضون يومين فقط على يد قوات الدولة الثيوقراطية، لمجرد احتجاجهم على الأزمة الاقتصادية والديكتاتورية السياسية، أعادت فتح أزمة حادة في شرعية طهران، محليًا ودوليًا.

وبينما كان الإيرانيون لا يزالون في حالة حداد، وفيما لم تتمكن العديد من العائلات حتى من استعادة جثامين أحبائها الذين قُتلوا في يناير، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل غزوًا إمبرياليا جديدًا في 28 فبراير 2026، أشد عنفًا من الهجمات السابقة. ومن المفارقات أن الهجمات ساعدت حتى الآن الجمهورية الإسلامية على استعادة بعض المصداقية التي فقدتها بالقمع الدموي في الشهر السابق.

هذان الحدثان، المذبحة والحرب، لا يشكلان سلسلتين منفصلتين، أو شكلين متعارضين من أشكال العنف — أحدهما قمعي والآخر يُفترض أنه تحرري — بل لحظات متتالية، بل وغير متكافئة، لعملية معادية للثورة مترابطة.  تطيل الحرب «الخارجية» الثورة المضادة الداخلية وتعمقها، ما يمكّن الدولة الإيرانية من تشديد التماسك الداخلي، ومرة أخرى، خنق المعارضة الشعبية.

إن الاعتراف بهذا لا يقلل، بأي حال من الأحوال، من حقيقة أن إيران كانت، ولا تزال، هدفاً لعدوان إمبريالي واستعماري يُنفذ بكل افلات من عقاب. على العكس، يتطلب منا ذلك قراءة هذا الهجوم من منظور وظيفته السياسية الأعمق: أولاً، كمشروع تدميري قاتل يستهدف أرواح المدنيين وأجسادهم وبنيتهم التحتية وأراضيهم، يجري تنفيذه تحت ذرائع زائفة، ويمتد ليشمل مشروع الإبادة الجماعية التي تُنفذ في غزة، وكذلك في الضفة الغربية ولبنان؛ وثانياً، كوسيلة لتزويد الجمهورية الإسلامية بموارد جديدة من أجل إعادة تشكيل نفسها.

ما هي “الاصطفافية” (التحيز للمعسكرات)؟

يعزز العدوان الإسرائيلي-الأمريكي عسكرة إيران، والقمع، وسحق الانتفاضات الشعبية. كما أنه يكثف تقاطبا سياسيا قاتلا. من جهة، رحب جزء من المعارضة، ولا سيما الملكيون، بالقصف الإمبريالي باسم عدائهم للدولة الثيوقراطية. من ناحية أخرى، عادت قوى سياسية أخرى إلى فلك الجمهورية الإسلامية باسم مناهضة الإمبريالية ومعارضة الحرب. وبينما قوبلت الطبيعة الرجعية للتيار الأول — المؤيد لإسرائيل والولايات المتحدة والإبادة الجماعية —بمعارضة فورية بناءً على إجماع نسبي بين القوى التقدمية واليسارية، استحوذ التيار الثاني، مع الأسف، على أقسام من اليسار وهو لا يقل أهمية عن الأول.

في هذا المأزق، تعود مسألة «الاصطفافية» لتبرز بأهمية خاصة. وأقصد بـ«الاصطفافية » جملة مواقف واتجاهات تدعم أي قوة أو دولة بناءً على معارضتها للإمبريالية الغربية بغض النظر عن طبيعتها الرجعية أو التقدمية.

الاصطفافية، بما هي موروث من الحرب الباردة، كما يعبّر عنها من يصفون أنفسهم بالمناهضين للإمبريالية ومؤيدو ما يسمى ب”معسكر المقاومة”، غالباً ما تختزل العالم بناءً على منطق ثنائي لـ«معسكرين»: الإمبريالية (الولايات المتحدة، حلف شمال الأطلسي، إسرائيل، وحلفاؤهم) مقابل «المقاومة» (إيران، روسيا، الصين، سوريا الأسد، وما إلى ذلك). وبالتالي، يجري تجاهل الانتفاضات الديمقراطية والتمردية ضد هذه الدول الأخيرة، مثل روج آفا، باعتبارها مشبوهة بطبيعتها أو ”حصان طروادة“ للعدو. ويتم استبعاد أي انتقاد للديكتاتوريين على الفور باعتباره ”تواطؤًا مع الإمبريالية“.

ويتم اختزال التحركات الشعبية إلى مجرد ”مرتزقة غربيين“، أو يتم استغلالها كلما أمكن لخدمة أحد المعسكرين. يصبح منطق ”عدو عدوي“ ذريعة: يصبح مبرراً لتجاهل القمع الداخلي والاحتجاجات التي تليه، باعتبارها مجرد عناصر من صراع جيوسياسي أوسع.

والنتيجة هي أن التضامن الأممي والمتبادل، القائم على التجارب والمصائر المشتركة للطبقات المضطهدة، يصبح مشلولاً، عاجزا عن الجمع بين مناهضة الاستبداد ومناهضة الإمبريالية. وتحت ذريعة منع أي «استغلال إمبريالي» للثورات، يميل الاصطفافيون إلى تفضيل يسار”حذر” مهمش هيكلياً، محكوم عليه أحياناً بالهزيمة الدائمة.

تفضل  هذه«المناهضة للإمبريالية، القائمة على الهوية» الولاء للدول «المناهضة للغرب» على تحليل للرأسمالية العالمية. وبذلك، يبرر القمع، والسلطة الأبوية، وكره المثليين، والاستعمار الداخلي باسم «المقاومة». تُعطى الأولوية المطلقة للنضال ضد الإمبريالية الغربية، ويصبح ضحايا هذه الدول «المناهضة للإمبريالية» «أضراراً جانبية».

وصف الكاتب الأيرلندي فريد هاليداي هذا النوع من التفكير بأنه “مناهضة الإمبريالية  الخاصة بالأغبياء”.  باسم العداء للولايات المتحدة، يعزز هذا الموقف، عملياً، وبشكل عنيف، دولة ثيوقراطية تقمع اليسار والأقليات القومية والنسويات والمجالس الشعبية. وقد تبنّت المناضلة السورية ليلى الشامي هذا المفهوم لاحقاً في كتابها Burning Country لتوصيف مؤيدي بشار الأسد إبان الثورة العربية في سنوات 2010. ومنذ سحق الاتحاد السوفيتي للانتفاضة المجرية في بودابست عام 1956 وحتى اليوم، أخفت «مناهضة الإمبريالية الخاصة بالأغبياء»  هذه عنف الدولة وقمع الثورات.

يمكن ملاحظة مثل هذا الاتجاه داخل شرائح معينة من اليسار الغربي الأبيض، ولكن أيضًا داخل أنماط التفكير الديكولونيالي. إنه ينتمي إلى ما يمكن أن نسميه «مناهضة ظاهرية للإمبريالية »، أي الاستخدام الاستراتيجي للخطاب المعادي للإمبريالية بقصد طمس أو تبرير أو التقليل من أشكال الاستبداد والعنف الفاشي الممارس داخل الحدود الوطنية، خاصةً عندما تُقدَّم هذه الدول على أنها خصوم للقوة الهيمنية الغربية. إن كانت هذه الشخصيات تدين استعمار القوى الغربية، فإنها تظل عمياء إلى حد كبير، بل ومتواطئة، عندما يتعلق الأمر بـ»الاستعمار الداخلي«، أي الطريقة التي تصف بها الشعوب المهمشة، مثل الأكراد والبلوش، علاقتها بالسلطة الإيرانية.

وغالبًا ما يصاحب هذه الممارسة شكلٌ من أشكال التلاعب النفسي العنصري. كان مصطلح «التلاعب النفسي» يشير في الأصل إلى التلاعب بالنساء بالتشكيك المنهجي في كلامهن وحالتهن العقلية. وبعد أن أصبح مصطلحًا رئيسيًا في علم النفس، ثم أداة نقدية بيد النسوية، أصبح يشمل الآن بنحو أوسع شكلًا من أشكال اللغة السياسية الخادعة والعنيفة، بل والإنكارية. يتم ”تعليم“ المجتمعات التي تعرضت تاريخياً للسيطرة الإمبريالية والقمع الداخلي، من مواقع امتياز نسبي، التفسير ”الصحيح“ للإمبريالية والمقاومة. لا يعيد هذا الموقف المتعالي ترسيخ التراتبيات الاستعمارية للمعرفة وحسب؛ بل ينزع الشرعية عن الأفكار والتجارب المعاشة — أي القدرة على الفعل ذاتها — لأولئك الذين يخضعون لأنظمة عنف متداخلة.

والعواقب ملموسة للغاية. تستغل جمهورية إيران الإسلامية هذا الخطاب الديكولونيالي لتصنيف المتظاهرين على أنهم «إرهابيون» وتشديد جهازها القمعي. كما يساعد هذا المنطق في تبرير سياسات الميز ضد المهاجرين الأفغان في إيران، وذلك بتصويرهم على أنهم تهديد داخلي، تلقي عليهم الدولة مسؤولية الصعوبات النابعة في الواقع من نظامها السياسي والاجتماعي والاقتصادي.

منطق«الاصطفافية” المضاد للثورة

بعد الإبادة الجماعية في غزة، والحرب التي شنتها إسرائيل والولايات المتحدة على إيران في يونيو 2025، عادت ”الاصطفافية“ مرة أخرى لتهيمن على جزء من اليسار الراديكالي العالمي في الغرب، وكذلك في أمريكا اللاتينية وأفريقيا والعالم العربي. وهي تختزل السياسة الإيرانية إلى صراع بين ’إيران‘ و”المحور الأمريكي-الإسرائيلي“. أما الانتفاضات الشعبية، التي تُقمع بالدم منذ العام 2017، فإما يتم تجاهلها في صمت أو إعادة تأويلها بواسطة الخطاب الرسمي للدولة، من قبيل «تسلل الموساد»، «الثورة الملونة»، «المؤامرة الغربية»، وما إلى ذلك. يحوِّل هذا الإطار الحركات الاجتماعيةَ إلى تهديد أمني ويشرعن القمع — من العنف في الشوارع إلى الإعدامات — بحجة «حالة الطوارئ» أو «اللحظة غير المناسبة». ولأنه يعتبر الشعب الثائر العدو الرئيسي، فإنه في الواقع مضاد للثورة بشكل عميق.

في ظل نظام الحرب الدائمة المتوسع، يُطلب من الناس المناضلين مرارًا وتكرارًا الانسحاب، والتراجع باسم أولوية أعلى. حتى أولئك الذين يعترفون بالطبيعة القمعية لهذه القوى غالبًا ما يضعون النضالات التحررية جانبًا باسم الاستراتيجية. هذا ما أطلق عليه مرتضى سامانبور وأمير كيانبور اسم» التحالف الاستراتيجي«. لطالما كانت النضالات النسوية أسيرة هذا المنطق بالذات: يُطلب منها دائماً الانتظار، أولاً من أجل مصلحة الطبقة، والآن من أجل مصلحة مناهضة الإمبريالية. لكن السياسة النسوية أسمت حقيقة هذا التأجيل بوضوح: لاحقاً تعني في كثير من الأحيان أبداً. لا ينبغي إحالة أي نضال إلى» غرفة انتظار التاريخ«باسم تصور خطي للتحرر، أو التضحية به لصالح تراتبية لقضايا يُفترض أنها أكثر إلحاحاً.

أعطت التطورات الجيوسياسية الأخيرة الاصطفافيين مساحة مناورة أوسع. إبان حرب إسرائيل على إيران في يونيو 2025، التي غالبًا ما يُشار إليها باسم»حرب الاثني عشر يومًا«، عززت تجربة الدمار الملموسة الاتجاهات المناهضة للحرب داخل إيران. ومع ذلك، بعد المذبحة الدموية التي ارتكبتها الدولة في يناير 2026، أصبح جزء من المجتمع، المنهك والمواجه لمأزق، ينظر خطأً إلى التدخل الأجنبي كوسيلة لإطاحة الحكومة، بعد أن جُربت سبل داخلية أخرى دون جدوى ولم تستسلم الدولة للضغط. أفاد طبيب بارز أن» ما لا يقل  عن ألف «مريض (متظاهر) يعانون من إصابات خطيرة في العين قد توجهوا إلى مستشفى واحد في طهران عقب احتجاجات يناير، وجميعهم كانوا بحاجة إلى علاج عاجل لمحاولة إنقاذ بصرهم.

وهنا بالضبط تنهار ”الاصطفافية“. إن إدانة الحرب الخارجية، مع التزام الصمت إزاء عنف الدولة الداخلي، ليست موقفاً مبدئياً مناهضاً للحرب، بل شكلا من أشكال النسبية التي تمحو الاختلافات الجوهرية بين الأنظمة وأساليب العنف. ليس القصد هنا أثارة ”استثنائية إيران“لتبرير الهجوم العسكري، كما فعلت بعض التيارات المؤيدة لترامب والملكية. بل هو، بالأحرى، الإصرار على أن ديكتاتورية ثيوقراطية، يمارس فيها زعيم غير منتخب سلطة خارجة عن القانون على تسعين مليون شخص بواسطة الإرهاب الاجتماعي، والإعدامات، والتعذيب، والسجن السياسي، والعزلة الرقمية، والحكم الديني المعادي للمرأة، والسياسات العنصرية الاستعمارية تجاه الأقليات القومية والمهاجرين الأفغان، لا يمكن معاملتها على أنها معادلة للدول التي لا تزال فيها الحريات المدنية والقانونية، مهما كانت محدودة، موجودة، وحيث يعمل العنف على نطاق وشكل مختلفين هيكلياً. .

إن إدانة الحرب الخارجية أو التدخل الإمبريالي، دون التنديد الصريح بأشكال العنف الداخلية هذه، وتقتيل السكان، كما يفعل الاصطفافيون، هي قراءة سياسية خاطئة تماماً للديناميات في إيران، وتعني الانحياز إلى الدولة ضد الشعب الذي تقتله. تحكم الدول عن طريق تقسيم الناس وسحق الانتفاضات. لا يقاوم الاصطفافيون هذا المنطق؛ بل يتبعونه. إنهم إذ يتخذون الدول وتحالفاتها الجيوسياسية نقطةً مرجعية أساسية، يعيدون إنتاج الانقسامات المفروضة من أعلى، مستعيضين عن صنوف التضامن التي تشكلت من الأسفل بين الناس في النضال بالولاء لمعسكرات الدول.

خيانة لذاكرة الجنوب العالمي

منذ الثورة المضادة الإسلامية ضد الثورة الحقيقية عام 1979، أخضع جزء من اليسار الوطني والدولي التحليل الطبقي والجندري لتفسيره لمناهضة الإمبريالية أحادي الجانب. فعلى سبيل المثال، تم تهميش احتجاجات النساء ضد الحجاب الإلزامي، ما أسهم عن غير قصد في ترسيخ النظام الديني والأبوي، و باتا يُعرضان على أنها ضمانة لـ«الأصالة الثقافية»، وعلامة تمييز عن الغرب، ومؤشر على الاستقلال الوطني. وبهذا النحو، تشكلت مروية سائدة تنظر إلى الثورة الإيرانية حصريًا من موشور معاداة الغرب، وبذلك تطمس القوى العلمانيةَ والنسوية والمثلية والكردية والاشتراكية وغيرها من القوى التقدمية. هذه الأيديولوجية عاجزة هيكليًا عن الاعتراف بشرعية النضالات الداخلية داخل الدول المعادية للغرب. لا يُعترف بالشعوب غير الغربية إلا كأهداف للإمبريالية الغربية، وتُهمل بشكل منهجي التجارب الحياتية والذكريات الجماعية والذاتيات السياسية للمجموعات المهمشة — مجتمعات النساء والمثليين والأقليات العرقية والطبقات الشعبية — باعتبارها انحرافات غير مهمة أو اختراعات غربية.

وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي في العام 1991، استمر هذا التوجه في شكل نزعة «عالم ثالثية» دولانية، حيث انتقل الولاء من الشعوب إلى الدول «المعادية لأمريكا»، وخضعت حقوق النساء ومجتمع الميم والأقليات لـ«الوحدة المناهضة للإمبريالية». هذا النهج، الأوروبي المركزي والاستشراقي في آن واحد، يتجاهل ذاتية الشعوب غير الغربية. و لا يعتبر العنف خطيراً إلا عندما ينبع من المعسكر الأمريكي، ويرفض الاعتراف بأن سكان الجنوب العالمي قد يناضلون حقيقةً من أجل الحقوق والحريات الديمقراطية.

وعلى هذا النحو، تتحول ”الوحدة المناهضة للاستعمار“ إلى استبداد قومي. وتقبل منطق ”حالة طوارئ“ تبدو دائمة، حيث تُعطى الأولوية لسلطة الدولة والأمن والنفوذ الجيوسياسي (على سبيل المثال: ”نحن نقاتل في سوريا حتى لا نضطر للقتال في طهران“).

تحول ”الاصطفافية“ الذاكرة المناهضة للاستعمار إلى أداة لإضفاء الشرعية على دول ما بعد الاستعمار المستبدة. وهي تجعل الدولة فاعل المقاومة، وتجرد الشعوب من شرعيتها ومن ذاتيتها السياسية. و خون بذلك ذاكرات الطبقات المضطهدة التي غالبًا ما تشكلت ضد الدولة نفسها. ومن المفارقات أن دولًا مثل إيران تُقدَّم على أنها “مستقلة عن الرأسمالية العالمية“، حتى في الوقت الذي تظل فيه آلات للاستغلال الداخلي والعسكرة، مهتمة تحديدًا بدمج نفسها في مسرح الرأسمالية العالمية والتنافس مع الدول الأخرى عليه.

يكشف المنطق عن عنفه بنحو أوضح في علاقته بالهامش المستعمر في إيران. لا تقتصر «الاصطفافية» على طمس تعددية قوى المعارضة الإيرانية فحسب. بل إنها تعيد، برسوخها في مفهوم شبه استعماري وأمني للسيادة والحدود، إنتاج التراتب الداخلي بوضع النضالات العرقية الكردية وغيرها من النضالات غير الفارسية في مرتبة ثانية، أو حتى افقادها الاعتبار. في هذا الصدد، غالبا ما أبان الاصطفافيون، منذ الجهاد ضد كردستان في عام 1980 إلى أكثر من 100 هجوم حديث على الأحزاب الكردية الإيرانية المنفية في كردستان العراق إبان الحرب، عداءً تجاه الأكراد أشد حتى من عداء الحكومة الإيرانية لهم، حيث قللوا من شأن شرعية مقاومتهم أو همشوا هذه الشرعية.

تشكل أعمال العنف هذه جزءًا من تاريخ أعرق، تفاقم بسبب الدعم النشط — أو الصمت — من بعض الفاعلين في العالم العربي ومن قطاعات معينة من اليسار. وتجسد إبادة الأنفال التي نفذها صدام حسين إبان الحرب الإيرانية-العراقية، والتي أودت بحياة حوالي 180ألف كردي لمجرد هويتهم، هذه الدينامية. وتفاقمت صدمة القمع الدموي بسبب دعم جزء من العالم العربي وإنكار المثقفين للإبادة الجماعية.

وفي الآونة الأخيرة، في العام 2018، تسبب احتلال الجيش التركي لعفرين في روج آفا في عنف منهجي وتشريد وتدمير. ورداً على ذلك، صرح زعيم حركة حماس خالد مشعل بأن «النصر في عفرين هو رمز لإرادة تركيا. إن شاء الله، سنقدم ملحمات عظيمة لمساعدة شعبنا»، قبل أن يشيد بقيادة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحزبه، حزب العدالة والتنمية، الذي يحكم منذ أكثر من عشرين عاماً.

لقد تسببت هذه الأحداث، للأسف، في حدوث انقطاع دائم في الروابط بين النضالات الكردية ونضالات العالمين العربي والفارسي، وكذلك مع أجزاء معينة من اليسار المنتسب إلى مناهضة الإمبريالية، والذي تخلف في كثير من الأحيان عن الاعتراف بالنضال الكردي ودعمه.

استغلال الدولة للعقوبات الغربية

لم تظهر الحرب الأخيرة على إيران فجأة؛ بل كانت قيد الإعداد منذ فترة طويلة بنظام عقوبات يعمل كتقنية إمبريالية لإنتاج الضعف الاجتماعي، كما أظهرت حالة العراق من قبل. لم تؤد العقوبات إلى إفقار السكان، وتأجيج التضخم، وتآكل الرعاية الصحية والعمالة، وإضعاف القدرات الجماعية على المقاومة وحسب؛ بل ساعدت أيضًا في تهيئة الظروف الملائمة للتصعيد العسكري. فبحبس البلاد في اقتصاد حصار مطول، جعلت العقوبات حالة الاستثناء أمراً عادياً، وعززت أجهزة الريع والأمن التابعة للدولة، وألقت تكاليف الأزمة على كاهل الطبقات الشعبية. وبذلك، أعدت الأرضية المادية والأيديولوجية للحرب: فالمجتمع المنهك والمجزأ والمحصور في صراع من أجل البقاء يصبح أكثر عرضة لمشاريع العسكرة الخارجية. وبالتالي، تظهر العقوبات على حقيقتها: ليست بديلاً عن الحرب، بل إحدى أشكال تحضيرها.

ومع أن العقوبات حقيقية ومدمرة، لا تفسر وحدها ظروف الحياة غير اللائقة في بلد غني بالموارد مثل إيران. في مواجهة القراءات «الاصطفافية» التي تعزو جميع أشكال عدم المساواة الاجتماعية في إيران إلى العقوبات الغربية، يجب أن يتصدى التحليل أيضاً للاقتصاد السياسي الإيراني نفسه: نظام رأسمالي يتسم بخصخصة قاسية، وهشاشة عمالية واسعة النطاق — مع أكثر من 90  في المائة من عقود العمل مؤقتة — ونظام هيمنة وحرمان منظم داخلياً، يُستدام جزئياً بالاستغلال الشديد ومصادرة حقوق الشغيلة الذين يُعاملون على أساس العرق والذين بلا أوراق ثبوتية، ولا سيما الأفغان والبلوش. تُفسر الاحتجاجات الشعبية في إيران، في نظر الاصطفافيين، على أنها استياء اقتصادي، ناجم بالكامل عن العقوبات، مما يحجب الدور المركزي لسياسات الدولة نفسها. أحد الآثار المترتبة على هذا المنطق الاصطفافي هو أنه يرسم، ببخسه لأهمية الديناميات الفعلية للمعارضة الداخلية للجمهورية الإسلامية، معادلة زائفة تستند إلى الفكرة الخاطئة بأن هذا «الاستياء الاقتصادي» يتوافق مع المشروع البهلوي الرجعي لتغيير النظام من أعلى. على عكس ادعاءات أنصار هذا المنحى، فإن معارضة تغيير النظام الإمبريالي لا تتطلب تجاهل التمرد الداخلي على الجمهورية الإسلامية، أو نزع الشرعية عنه.

لا يُعزى انتشار الفقر في إيران إلى العقوبات وحدها؛ بل له جذوره أيضاً في اقتصاد سياسي ريعي وفي احتكار الواردات، وكلاهما استغلهما النظام. وليست سياساته الأمنية والإقليمية مجرد ردود فعل على الضغوط الخارجية، بل هي جزء لا يتجزأ من منطق بقاء الدولة، حيث توجه الموارد نحو المؤسسات القسرية والمشاريع الأيديولوجية والعسكرية، بينما يُترك السكان منهكين ومفلسين. كما يقول كايهان فالادبايغي، تساعد العقوبات على تكثيف تركيز الثروة داخل الأوليغارشية مع توطيد هياكل السلطة. فهي تضع التكاليف على كاهل الفئات الأكثر ضعفاً، وتبرر القمع، وتزيد من ثراء الأوليغارشية. وتظهر سياسات الصدمة الاقتصادية — تقلبات الدولار، وإلغاء سعر الصرف التفضيلي — كإجراءات محسوبة من أجل “البقاء” في سياق ضعف.

بالإضافة إلى ذلك، يطمس أنصار الاصطفافية العنف الذي تمارسه الجمهورية الإسلامية ضد الشعب. يجري تجاهل، أو إنكار، جرائم القتل والتعذيب والإعدام وإطلاق النار على الجرحى في المستشفيات والهجمات على مراسم العزاء، وبالتالي يتم إضفاء الشرعية عليها. هذا الدعم لثيوقراطية استبدادية ومناهضة للإمبريالية يفرغ لغة التحرر من أي مضمون حقيقي.

توقفوا عن الحكم على قضية ما بمقياس الطريقة التي يتم بها استغلالها

يجري انتشار الاصطفافية الاستبدادية إلى حد كبير عبر وسائل التواصل الاجتماعي. هناك، يتشابك إضفاء الشرعية على الدول الاستبدادية مع معاداة الغرب المختزلة، وفي بعض الحالات، مع معاداة السامية وترسيمات قائمة على نظرية المؤامرة.

برغم التباينات الموضوعية بين إسرائيل (المدعومة من الغرب) والجمهورية الإسلامية (الخاضعة لعقوبات غربية)، فإن آليات سياسية ورمزية مماثلة تعمل: أعلام الولايات المتحدة وإسرائيل في بعض التجمعات ”المؤيدة لإيران“؛ أعلام الدولة الإيرانية (أو أعلام الجمهورية الإسلامية) وصور علي خامنئي في بعض التعبئات المؤيدة للفلسطينيين. هذه كلها إيماءات من شأنها تحويل النضالات المشروعة إلى تبريرات للعنف، وفي الآن ذاته تشويه سمعة المقاومة الإيرانية والفلسطينية على حد سواء. وينطبق المنطق نفسه على الشعار الشهير الآن «المرأة، الحياة، الحرية» (جين، جيان، أزادي). وقد استولى عليه اليمين المتطرف الغربي، واليمين المتطرف الإيراني في الشتات، والتيارات المؤيدة للإبادة الجماعية، وتم استغلاله لدعم العنف العسكري.

ليس هذا المنطق خاصاً بإيران. فكما أبرز ديفيد بروفي فيما يتعلق بشينجيانغ، تعاملت أقسام من اليسار الدولي مع قمع الأويغور والشعوب المسلمة الأخرى باعتباره مشكلة تتعلق بالدعاية الغربية أو التمويل أو التلاعب الجيوسياسي، أكثر من كونه مسألة تتعلق بالحقوق القومية وعنف الدولة؛ وفي حالة فيجاي براشاد وتينغ تشاك، اعتمد هذا الموقف التبريري حتى على مصادر ملفقة، يبدو أنها مُنتجة بواسطة الذكاء الاصطناعي. لكن الاستغلال الكلبي لحقوق الإنسان من قبل الدول الغربية لا يجعل المعاناة التي تشير إليها تلك اللغة أقل واقعية.

نحن نعلم جيداً كيف ينتهي الأمر بالحركات التقدمية والراديكالية من الجنوب العالمي إلى أن يستولي عليها اليمين بمجرد نقلها إلى الغرب. لكن هذه العملية لا يمكن أن تقودنا إلى التخلي عن واجب التضامن. وتوضح حالة الحركة الكويرية هذا الأمر جيدًا: فـ«الغسيل الوردي » [*] الذي تمارسه دول مثل إسرائيل لا يلغي قوة التحرر الكويرية ولا ضرورة التضامن مع الكويريين الذين يواجهون القمع في أي سياق. تعتمد شرعية المقاومة فقط على محتواها التحرري وعلى تجذرها بين المضطهدين، ولا تعتمد أبدًا على استغلالها المغرض من هذه الجهة أو تلك.

تسهم «الاصطفافية» بطرق ملموسة جداً في إدامة الظلم التاريخي والمعاصر. حيث تخلق فراغاً سياسياً من خلال التشتيت والتجزئة، فراغاً يملؤه تدريجياً اليمين واليمين المتطرف، سواء في المنطقة أو في جميع أنحاء العالم. ويشغل اليمين المتطرف الإيراني في الشتات هذا الفراغ من خلال تبسيط الثورة وتشويه صورة «مناهضة الإمبريالية». وبذلك يمكنه أن يقدم نفسه على أنه قوة التغيير الوحيدة. من خلال التوحيد المصطنع لشعوب بأكملها («جميع الأوكرانيين الذين يقاومون روسيا هم نازيون.» «جميع الثوار السوريين هم جهاديون.» «جميع الإيرانيين الثائرين يدعمون إسرائيل أو الملكيين.»)، تصبح « الاصطفافية» شريكاً في صعود القوى الإمبريالية والرجعية.

اليمين المتطرف هو اليمين المتطرف في كل مكان

في أوروبا، لن يقبل أي يسار متماسك الانضواء تحت رايات اليمين المتطرف بحجة أن قوة معادية تهاجم البلد. لكن عندما يتعلق الأمر بإيران، يعتبر البعض أنه من المقبول مطالبة الإيرانيين بمحو هويتهم والتجمع خلف قوى رجعية وقومية ومتطرفة، بل وحتى فاشية. يعني هذا التباين، في الواقع، أن شعوب الجنوب العالمي يجب أن تكتفي بالاختيار بين الهيمنة الإمبريالية والهمجية الداخلية. ومع ذلك، فإن الجمهورية الإسلامية هي بالضبط دولة يجب تسميتها بما هي عليه: تشكيل فاشي، يميني متطرف غير غربي، خاصة عندما يتعلق الأمر بالأقليات العرقية-القومية والمهاجرين الأفغان.

يكشف البيان «المناهض للحرب» الذي صدر مؤخراً بشأن إيران عن المأزق السياسي لـ«الاصطفافية»: خطاب مناهض للحرب يمكّن شرائح معينة من اليسار من التقارب مع الأوساط الفاشية والمعادية للسامية والنازية الجديدة والمؤمنة بنظريات المؤامرة. جمع البيان موقّعين من أوساط سياسية تبدو متعارضة: من جهة، شخصيات مناهضة للحرب من التيار المناهض للاستعمار و الاصطفافي مثل فيجاي براشاد، وسانديو هيرا، ورامون غروسفوغيل، وبوافينتورا دي سوسا سانتوس، ومونيارادزي موشونغا، وأجامو باراكا، ونوردين سعيدي، وبولينا أروش فوجيلي؛ ومن ناحية أخرى، مجموعة من الشخصيات — بما في ذلك ديودونيه، وألان دي بينوا، وتوماس ويرليت، وجان-ميشيل فيرنوشيه، وكريستيان بوشيه، وماريون سيغو، وجاكوب كوهين، وبيير-أنطوان بلاكفان، وأرنو ديفلاي — بالإضافة إلى منظمات مثل  حزب التجمع الوطني، و”المساواة والمصالحة“، و”العمل الفرنسي“، و”حركة المقاومة الفرنسية“، وجميعها مرتبطة بالتيارات المحافظة، واليمينية المتطرفة، والقومية، أو الفاشية. ويوضح هذا التجاور كيف يمكن لشكل جيوسياسي بحت من أشكال مناهضة الإمبريالية أن يصبح متوافقاً مع سياسات اليمين المتطرف. في هذا الإطار، يُعاد تصوير النظام الإيراني ومرشده الأعلى المجرم، علي خامنئي، على أنهما “صوت ضد الغطرسة والإرهاب“، بينما يتم تطبيع التسامح المقلق للغاية تجاه عنف الدول ما بعد الاستعمارية ضد شعوبها تحت راية السياسة المناهضة للحرب.

يتطلب الانسجام السياسي رفض أي ايعاز، بالنسبة للإيرانيين كما بالنسبة لأي شعب آخر، بالتساهل مع الفاشية باسم ”أهون الشرور“ الجيوسياسية. ينبغي ألا نطلب من الإيرانيين قبول أي واقع سياسي يرفض اليسار قبوله لنفسه في أي مكان آخر. نحن لا نسير مع الفاشيين ولا تحت راياتهم: نحن نحاربهم، بما في ذلك عندما يستولون على مفردات الحرية من أجل قلب معناها.

وكما هو الحال مع الستالينية، التي ساهمت كثيراً في تشويه سمعة الاشتراكية، فإن الانقسام إلى معسكرين في إيران يضعف اليسار ويقوي اليمين المتطرف. وفي الوقت نفسه، فإنه يعمق الانقسام بين الشمال والجنوب ويضفي الشرعية على قمع الحركات المناهضة للطغيان في الجنوب. والنتيجة هي عزل القوى التحررية، وانعدام ثقة المنفيين في اليسار في الشمال (بما في ذلك التيارات المناهضة للاستعمار)، وانهيار التضامن الأممي.

في حين تقدر السجينات النسويات الكرديات، المحكوم عليهن بالإعدام في سجن إيفين، على التعبير عن تضامنهن مع المقاومة الفلسطينية — حتى على حساب خسارة جزء من دعمهن في إيران — يعجز مناهضو الإمبريالية الاستبداديون والهوياتيون، المتحدثون من رغد الغرب أو أي مكان آخر، عن إبداء تضامن مماثل مع النضالات الشعبية في إيران. وفي بعض الأحيان، والأمر أخطر، يتم إنكار حجم تلك المعاناة الكامل أو التشكيك فيه.

من الملح التخلص من “الاصطفافية”. وإلا، فلن ننجح في إعادة بناء يسار تحرري حقيقي أو في إحياء أممية شعبية حقيقية، وهو ما تحاول شبكات مثل «Peoples Want» القيام به. لا تكون مناهضة الإمبريالية حقيقية إلا إذا حاربت جميع أشكال الهيمنة، في كل مكان ومن أجل الجميع.

هامش:

[*] الغسيل الوردي (Pinkwashing) هو مصطلح يشير إلى استراتيجية تسويقية أو سياسية تستخدمها جهات (دول، شركات، مؤسسات) لتلميع صورتها وإظهار دعمها لحقوق المثليين (مجتمع الميم) بهدف صرف الأنظار عن ممارسات سلبية أخرى، مثل انتهاكات حقوق الإنسان، أو قمع الاحتلال، أو جرائم بيئية .

مصدر:

https://tempestmag.org/2026/05/for-an-end-to-campism-the-iran-war-and-the-anti-imperialist-washing-of-the-islamic-republic/

 ترجمة : جريدة المناضل-ة

شارك المقالة

اقرأ أيضا