اليسار والانتخابات: موقفنا

الافتتاحية, سياسة11 يونيو، 2026

سينشغل قسم من الرأي العام، ومنه مناضلو- ات الطبقة العاملة والحراكات الشعبية، بموضوع الانتخابات طيلة الأشهر الثلاثة المقبلة. ليس فقط بسبب تركيز الدولة على هذا الأمر، وجعله محورا للحياة السياسية، بل كذلك لأن لدى قسم من الجماهير الشعبية تطلع إلى إيصال صوت معاناتها إلى المؤسسات، وربما التأثير ولو في أمد أبعد على القرار السياسي. وكذلك لأن معظم اليسار يتوق إلى تحسين مكانته في المؤسسات ضمن منظوره للتغيير.

ومن جهة أخرى تمثل الانتخابات لحظة سياسية تحظى باهتمام مناضلي- ات الطبقة العاملة الجذريين- ات، أي الذين يعتبرون أن الطريق إلى التغيير يمر عبر الشارع وليس من المؤسسات، وأن الانشغال بالانتخاب الى المؤسسات إنما يحكمه منطق تعزيز النضال العمالي والشعبي خارجها.

تأتي انتخابات  سبتمبر 2026 وقد استكمل اشتغال الآلية السياسية المسماة “مسلسلا ديمقراطيا” نصف قرن. هذا بعد العقدين الأولين التاليين للاستقلال الشكلي، المطبوعين بعدم استقرار المؤسسات المنتخبة بفعل الصراع بين القصر و الحركة الوطنية (مقاطعة الدساتير، والانتخابات، حالة الاستثناء…). نصف قرن راكمت فيها الدولة خبرة كبيرة في صنع المؤسسات بالتحكم في نتائج الانتخابات، سواء بما سنت للعملية من قوانين، أو ما صنعت من هيئات سياسية تسند إليها الأدوار حسب الحاجة، وكذلك خبرة تكييف أحزاب المعارضة ذاتها لخدمة مصلحة الرأسماليين (حكومة ما سمي زورا بالتناوب، إشراك في حكومات واجهة أخرى …).

مناضلو- ات الطبقة العاملة والحراكات الشعبية الواعون- ات ليس لديهم- هن أي وهم بشأن إمكان تغيير ظروف الحياة باستعمال مؤسسات الدولة. الدولة حتى الديمقراطية تظل في خدمة الرأسماليين طالما بقيت ملكية أداة الإنتاج حكرا عليهم. هذا في أرقى الديمقراطيات فما بالك بهذه الديكتاتوريات المزوقة بالصبغة الديمقراطية الزائفة مثل النظام المغربي.

أقصى ما يمكن أن يحققه النضال داخل المؤسسات، بشرط استناده على نضال خارجها، هو إصلاحات، أي تحسينات في وضع الاستغلال والقهر، مثلما لا يحقق النضال النقابي تحررا من عبودية العمل المأجور وإنما تحسينات في ظروف الاستغلال. لكن هذه الإصلاحات، بالنضال الانتخابي أو النقابي، لها قيمة تدريبية وتربوية، فهي تحسن شروط النضال وتنمي الوعي وإرادة النضال والمقدرة عليه. وفي خضم هذا النضال يمكن التحرر من أوهام الإصلاح ذاتها في ظل النظام. النضال من أجل الإصلاحات يسهم في تنظيم الشغيلة وسائر الكادحين- ات، واكتسابهم- هن خبرات كفاحية، وثقة متنامية في قوتهم- هن الجماعية.  وفقط بالتجربة النضالية يمكن أن تنفض الجماهير الأوهام الإصلاحية، فهي لا تتعلم بالدعاوة. وهذا ما يجعل أنصار التغيير الشامل و العميق يناضلون من أجل الإصلاحات.

اليسار المغربي، بمكوناته الجذرية و الإصلاحية، له تجربة انتخابية، وتجربة عمل في المؤسسات “الديمقراطية” مديدة. اليسار الذي اكتسب وزنا جماهيريا نسبيا، واكتسب مقدرة تأثير أكبر في الواقع النضالي وفي الحياة السياسية، كان اصلاحيا. بنى تجربته باستراتيجية “النضال الديمقراطي” مع انطلاق عملية النظام المسماة “مسلسلا ديمقراطيا”، أفضت في متم سنوات 1990 إلى المسخ المسمى “حكومة تناوب”. مسخ من وجهة نظر ديمقراطية، لكنه كان نجاحا كبيرا للنظام الذي أمن استقرار فترة انتقال الحكم من جهة، ومن جهة أخرى مرر بحكومة الواجهة تلك العديد من السياسات المعادية للجماهير الشعبية. وكان الخسارة السياسية الكبيرة ما لحق مصداقية اليسار وراية الاشتراكية من فقد كبير للاعتبار. فبحكم مكانة حزب الاتحاد الاشتراكي، ورصيده السياسي المستغل لعقود من مقاومة الاستبداد وما كلفت من تضحيات، كان تورطه في مسخ “التناوب” ضربة قاصمة لليسار. وترك انهيار هذا الحزب فراغا في اليسار لم تشغله القوى اليسارية التي تشاطره استراتيجية “النضال الديمقراطي”، ولا استفادت منه قوى اليسار الجذري لبناء قوة  يسارية كفاحية بديلة .

اليوم توجد قوى اليسار في حالة من الضعف غير مسبوقة، ومصداقيته لدى الجماهير الشعبية منخفضة رغم ما حل بحزب العدالة والتنمية الرجعي من فقد للاعتبار، والاستياء الشعبي العريض من سائر الأحزاب صنيعة النظام. أما أقصى اليسار فوضعه أيضا باعث على الأسى، بعد عقود من إمكانات عمل جماهيري مفتوحة، وديناميات نضالية عمالية وشعبية عديدة لم تَصُب في تقويته.

هذه الحالة المنذرة بأسوأ منها موجب قوي لاستثمار الانتخابات من أجل أوسع تواصل مع الجماهير العمالية والشعبية، ومن أجل أكبر وجود ممكن في المؤسسات لجعلها حلبة لعمل سياسي ديمقراطي واشتراكي، يكون إحدى سبل التوعية والتنظيم وإسناد النضالات. الحالة المثلى هي أن يتمكن اليسار العمالي، الموزع بين قواعد اليسار الإصلاحي وبين حزب النهج الديمقراطي العمالي وسائر مجموعات اليسار الجذري، من دخول الانتخابات بمرشحين براية الطبقة العاملة، وفق التقاليد الماركسية. لكن جلي أن هذا الإمكان غير قائم حاليا، تلغيه موانع ذاتية (موقف المقاطعة في الظروف الراهنة) وأخرى  موضوعية (عدم تشكل شريحة عمالية واعية للحاجة إلى استقلال سياسي).

والحالة هذه، يتمثل الموقف المطابق لمصلحة بناء أدوات نضال الطبقة العاملة من أجل تحررها، في مساندة قوى اليسار المشاركة في الانتخابات رافعة لواء مناهضة السياسات النيوليبرالية، والاستبداد السياسي، ومن أجل الحرية و الكرامة و العدالة الاجتماعية. وبالنظر لأوجه قصور  عديدة (طالما أبرزتها  صفحات المناضل-ة ولا يتسع لها المجال هنا)، والناجمة عما ورثه اليسار من ميول ليبرالية (= ناقصة النزعة الديمقراطية) وأخرى قائمة على “التعاون الطبقي” عوض النضال الطبقي، ووزن الجناح غير الاشتراكي داخل هذا اليسار، أي التواق إلى رأسمالية تساوي الفرص بين الرساميل ليس إلا،  بالنظر لهذا كله لا يمكن لمساندة من موقع عمالي جذري سوى أن تكون نقدية. 

المساندة النقدية هي العمل بقاعدة : السير على حدة، و الضرب معا . أي كلنا ضد الاستبداد وصنائعه السياسية، بمنظور معارض للسياسات الجارية، لكن مصلحة الطبقة العاملة ليست هي مصلحة أنصار رأسمالية تساوي فرص الرساميل.

شارك المقالة

اقرأ أيضا