ينبغي أن يكون المناهضون للرأسمالية في طليعة النضال من أجل الحرية

مقالات16 يونيو، 2026

بقلم؛ ديفيد هارفي

تدور حالياً معركة ديمقراطية على الصعيد العالمي، رداً على التطرف الاستبدادي للطبقات الحاكمة، والذي يشمل القضية الملحة المتمثلة في عنف الشرطة والعنصرية التي تمارسها الدولة. هذا البعد الاستبدادي متأصل في الرأسمالية، لكنه يتفاقم مع فرض الحكومات لسياسات أكثر وحشيةً من أي وقت مضى تهدف إلى تدمير المجتمع والبيئة. وفقاً لديفيد هارفي، ينبغي أن يكون المناهضون للرأسمالية الجناح المتحرك والفاعل في هذه المعركة.
تتكرر حجة قوية باستمرار في دعاية اليمين: أن اليسار الراديكالي هو العدو الطبيعي للحرية الفردية، لأنه بدون الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج وبدون السوق، لا يمكن للحرية أن تزدهر. لكن الحقيقة هي عكس ذلك تماماً: كما يوضح ديفيد هارفي في هذا النص مستشهداً بمواقف ماركس في هذا الشأن، يعمل المناهضون للرأسمالية على تهيئة الظروف المادية للحياة، بعيداً عن القيود التي تفرضها الرأسمالية، والتي بدونها لا يمكن للناس أن يكونوا أحراراً حقاً.
إذا أخذنا مُثُل الحرية والديمقراطية على محمل الجد، فيجب أن يندرج نضالنا الحالي ضمن مشروع أكثر شمولية لتجاوز الرأسمالية وإلغاء علاقات القمع، ويجب أن يمتد ليشمل النضال ضد المؤسسات التي تكرس استعباد الطبقات المستغلة والمقموعة – من الدولة الرأسمالية إلى المؤسسات الدولية أو فوق الوطنية (المفوضية الأوروبية، والبنك المركزي الأوروبي، وصندوق النقد الدولي، وحلف شمال الأطلسي، إلخ).
كان موضوع الحرية يُناقش بانتظام في لقاءاتي مع الطلاب في بيرو. كانوا مهتمين جداً بالسؤال التالي: «هل تتطلب الاشتراكية بالضرورة التخلي عن الحرية الفردية؟ » اليمين، الذي استولى على مفهوم الحرية ويستخدمه كسلاح في الصراع الطبقي ضد المناهضين للرأسمالية، يجيب بالطبع بالإيجاب. إن خضوع الفرد لسيطرة الدولة التي تفرضها الاشتراكية أو الشيوعية هو – حسب رأيهم – أمر يجب تجنبه بأي ثمن.
كان ردي أننا لا ينبغي أن نتخلى عن فكرة الحرية الفردية في إطار مشروع اشتراكي تحرري. بل أضفت أن تحقيق الحرية الفردية هو، في رأيي، هدف مركزي لمشاريع التحرير. ولكن بشرط أن تدعو هذه المشاريع إلى البناء المشترك لمجتمع يمنح كل واحد منا الفرصة للتفتح، ولتحقيق الذات عن طريق توظيف كل قدراتنا.
ماركس والحرية
لدى ماركس أفكار مثيرة للاهتمام حول هذا الموضوع. إحدى هذه الأفكار هي «أن مملكة الحرية تبدأ حيث تنتهي مملكة الضرورة».
لا معنى للحرية إذا لم يكن لدى المرء ما يكفي من الطعام، أو إذا لم يكن لديه إمكانية الوصول إلى الرعاية الصحية، أو السكن، أو وسائل النقل، أو التعليم، أو غيرها من الخدمات المهمة. دور الاشتراكية هو تلبية هذه الاحتياجات الأساسية، بحيث يكون الناس بعد ذلك أحراراً في فعل ما يريدونه بالضبط.
النقطة النهائية للانتقال الاشتراكي هي عالم تُحرر فيه القدرات والمهارات الفردية تمامًا من الضرورات والحرمان والقيود السياسية والاجتماعية الأخرى. لهذا السبب، بدلاً من ترك اليمين يحتكر مفهوم الحرية الفردية هذا، يتعين علينا أن نستعيد فكرة الحرية من أجل الاشتراكية نفسها.
لكن ماركس أشار أيضًا إلى أن الحرية سيف ذو حدين لأن العمال، في المجتمع الرأسمالي، أحرار – كما يقول – بمعنى مزدوج.
يمكنهم بحرية عرض قوة عملهم في سوق العمل لمن يشاؤون، وتقديم قوة عملهم بأي شروط تعاقدية، باختصار يمكنهم التفاوض بحرية… لكن في الوقت نفسه، هم ليسوا أحراراً، لأنهم محرومون من أي سيطرة على وسائل الإنتاج أو الوصول إليها. لذا عليهم أن يبيعوا قوة عملهم للرأسماليين ليتمكنوا من العيش.
هذه هي حريتهم ذات الحدين، كما يقول ماركس، وهي التناقض المركزي للحرية في ظل الرأسمالية. في الفصل الخاص بيوم العمل في رأس المال، يقول ما يلي: «الرأسمالي حر في أن يقول للعامل: «أريد أن أوظفك بأقل أجر ممكن لأكبر عدد ممكن من الساعات، وستقوم بالضبط بالعمل الذي أطلب منك القيام به.
هذا ما أطلبه منك عندما أوظفك». والرأسمالي حر في فعل ذلك في مجتمع السوق لأن، كما نعلم، مجتمع السوق يقوم على تقديم عروض للجميع ولأي شيء.
من ناحية أخرى، للعامل أيضاً الحرية في أن يقول: «ليس لديك حق إجباري على العمل 14 ساعة في اليوم. ليس لديك حق أن تفعل ما تشاء بقوة عملي، خاصة إذا كان ذلك يقصر عمري ويعرض صحتي ورفاهيتي للخطر. أنا مستعد للعمل فقط مقابل يوم عمل شريف بأجر شريف».
ونظراً لطبيعة المجتمع القائم على اقتصاد السوق، فإن كل من الرأسمالي والعامل على حق فيما يتعلق بمطالباتهما. وكما يقول ماركس، فإن كلاهما على حق بموجب قانون التبادل الذي يسيطر على السوق. إن القوة هي الحاسمة فيما يتعلق بالمساواة في الحقوق، كما يقول. يحدد الصراع الطبقي بين رأس المال والعمل هذه المسألة. تعتمد النتيجة على ميزان القوى بين رأس المال والعمل، والذي قد يصبح قسريًا وعنيفًا في لحظة معينة.
سلاح ذو حدين
هذه الفكرة عن الحرية باعتبارها سلاحاً ذا حدين مهمة للغاية عند النظر إليها عن كثب. أحد أفضل المساهمات في هذا الموضوع هو مقال لكارل بولاني. في كتابه التحول الكبير، يقول بولاني إن هناك أشكالاً جيدة وأخرى سيئة من الحرية.
ومن بين أشكال الحرية «الضارة» التي يذكرها: حرية الاستغلال غير المحدود للآخرين، وحرية تحقيق أرباح مفرطة دون إفادة المجتمع منها، وحرية عدم استخدام الاختراعات التكنولوجية من أجل الصالح العام، وحرية الاستفادة من الكوارث العامة أو الكوارث الطبيعية لتحقيق مكاسب خاصة، وغيرها.
لكن، كما يواصل كارل بولاني، فإن اقتصاد السوق الذي يسمح بهذه الأشكال من الحريات يتزين أيضًا بحريات نقدرها كثيرًا: حرية الضمير، وحرية التعبير، وحرية التجمع، وحرية تكوين الجمعيات، وحرية اختيار العمل.
على الرغم من أننا قد نعتز بهذه الحريات بسبب أهميتها الجوهرية، إلا أنها إلى حد كبير نتاج ثانوي لنفس الاقتصاد الذي يتحمل أيضًا مسؤولية الحريات الضارة. قد تبدو استجابة بولاني لهذه الثنائية غريبة، في خضم هيمنة الفكر النيوليبرالي حيث الطريقة التي تُقدَّم بها الحرية لنا من قبل السلطة السياسية القائمة هي طريقة منحازة تمامًا.
يكتب في هذا الصدد: «تجاوز اقتصاد السوق» – أي زوال اقتصاد السوق – «قد يكون بداية عصر من الحرية لم يسبق له مثيل». بالنسبة للفكر السائد، هذا تفسير صادم إلى حد ما: القول بأن الحرية الحقيقية تبدأ بعد أن نترك اقتصاد السوق وراءنا! ويواصل قائلاً:
«يمكن توسيع نطاق الحرية القانونية والواقعية وجعلها أكثر شمولية من أي وقت مضى. يمكن للتنظيم والرقابة أن يتيحا الحرية ليس فقط لعدد قليل من الناس، بل للجميع. فالحرية ليست امتيازاً، معيباً في أصله، بل حقاً إلزامياً، يمتد إلى ما هو أبعد من الحدود الضيقة للمجال السياسي ليشمل التنظيم الداخلي للمجتمع نفسه. وهكذا، ستُضاف الحريات القديمة والحقوق المدنية إلى رصيد الحريات الجديدة التي تولدها أوقات الفراغ والأمان اللذين يوفرهما المجتمع الصناعي للجميع. يمكن لمثل هذا المجتمع أن يكون عادلاً وحراً في آن واحد».
الحرية بدون العدالة
أتذكر أن فكرة المجتمع القائم على العدالة والحرية كانت البرنامج السياسي للحركة الطلابية في الستينيات ولجيل 68 الشهير. كان التوق إلى العدالة والحرية منتشراً على نطاق واسع: التحرر من إكراه الدولة، ومن إكراه العمل الذي يفرضه رأس المال وشركاته، والتحرر من إكراه السوق بتطوير العدالة الاجتماعية جذرياً.
من المثير للاهتمام ملاحظة ما كانت عليه الاستجابة السياسية الرأسمالية لهذه الحالة في السبعينيات. يمكن القول إن هذه المطالب عولجت على النحو التالي: «نستجيب لتطلعاتكم بالحرية، حسناً، لكن انسوا العدالة الاجتماعية».
كان التخلي عن الحريات محدوداً. فقد تم الحفاظ، في الأساس، على حرية الاختيار في السوق. كان السوق الحر وحرية تنظيم الدولة هما الردان على المطالبة بالحرية. لكن انسوا العدالة. كان من المفترض أن تضمنها المنافسة في السوق، التي كان من المفترض أن تنظم بحيث يحصل كل فرد على نصيبه العادل. لكن النتيجة كانت أن العديد من الحريات السيئة (مثل استغلال الآخرين) أُطلقت باسم الحريات الفاضلة.وقد حدد بولاني بوضوح هذا التحول في الأحداث.
وأشار إلى أن الانتقال إلى المستقبل الذي كان يتصوره كان محجوبًا بعائق أخلاقي، وكان هذا العائق الأخلاقي هو ما أسماه «اليوتوبيا الليبرالية». أعتقد أننا ما زلنا نواجه اليوم المشاكل التي تسببها هذه اليوتوبيا الليبرالية. إنها أيديولوجية تسود وسائل الإعلام والخطاب السياسي.
اليوتوبيا الليبرالية للحزب الديمقراطي، على سبيل المثال، هي أحد العوائق التي تحول دون تحقيق الحرية الحقيقية. كتب بولاني: «يتم مهاجمة التخطيط والرقابة باعتبارهما إنكارًا للحرية. ويُعلن أن حرية المبادرة والملكية الخاصة هما جوهر الحرية ذاته. وهذا ما ركز عليه أهم أيديولوجيي النيوليبرالية. »
ما وراء السوق
بالنسبة لي، إنها واحدة من أهم القضايا في عصرنا. هل نتجاوز الحريات المحدودة للسوق وتنظيم حياتنا بقوانين العرض والطلب، أم نقبل، كما تقول مارغريت تاتشر، أنه لا يوجد بديل؟ نصبح أحراراً من سيطرة الدولة، لكننا نصبح عبيداً للسوق. لا يوجد بديل عن ذلك، فخارج هذا الإطار لا توجد حرية. هذا ما يروج له اليمين، وهذا ما أصبح الكثير من الناس يؤمنون به. هذه هي المفارقة في وضعنا الحالي: باسم الحرية، اعتمدنا في الواقع أيديولوجية ليبرالية مثالية تعوق تحقيق الحرية الحقيقية.
على سبيل المثال، لا أعتقد أنني أعيش في عالم حر عندما يضطر شخص يرغب في الدراسة إلى دفع مبلغ ضخم من المال أولاً من أجل ذلك، ويبدأ حياته بديون دراسية ستلاحقه لفترة طويلة.
في بريطانيا، في ستينيات القرن الماضي، كان جزء كبير من المنازل مملوكًا للقطاع العام؛ كانت هذه مساكن اجتماعية. عندما كبرت، كانت هذه المساكن الاجتماعية خدمة أساسية بسعر منخفض نسبيًا. ثم جاءت مارغريت تاتشر وقامت بخصخصة كل شيء، قائلة بشكل أساسي: «ستكونون أكثر حرية بكثير إذا كنتم مالكين وستتمكنون فعليًا من أن تكونوا جزءًا من ديمقراطية الملاك».
وهكذا، بدلاً من أن يكون 60٪ من المنازل في القطاع العام، نجد أنفسنا فجأة في وضع لا يوجد فيه سوى 20٪ – أو أقل – من المنازل في القطاع العام. أصبح السكن سلعة، وهذه السلعة أصبحت بدورها جزءًا من النشاط المضاربي. وبقدر ما أصبح السكن أداة للمضاربة، ارتفعت أسعار العقارات، وأصبحنا نشهد ارتفاعًا في أسعار السكن دون أن يكون هناك تحسن حقيقي في الجودة والراحة.
نحن نبني المدن، ونبني المساكن، ولكن بطريقة، وبتصميم عقاري، بحيث إذا كانت هذه المساكن توفر حرية هائلة للطبقات العليا، فإنها تقتصر عملياً على عدم الحرية لبقية السكان. أعتقد أن هذه هي الطريقة التي يجب أن نفسر بها ملاحظة ماركس الشهيرة:
«يجب في الواقع تجاوز مملكة الضرورة للوصول إلى مملكة الحرية».
مملكة الحرية
وهكذا، وفي سياق قطاع العقارات والبناء، فإن الحرية المقدسة للسوق تحد، في الواقع، من إمكانيات الوصول للسكان ككل. ومن هذا المنظور، أعتقد أن القيام بما يقترحه بولاني هو منظور اشتراكي، أي أننا نجمع الوصول إلى الحرية، والوصول إلى السكن. نضع حداً لفكرة أنه لا يمكن الحصول عليها إلا بواسطة السوق، بل نجعلها تدخل في المجال العام. العيش في المجال العام هو شعارنا. هذه إحدى الأفكار الأساسية للاشتراكية في النظام الحالي – جعل أكبر قدر ممكن من الأشياء مشتركة، في المجال العام.
غالباً ما يُقال إنه لتحقيق الاشتراكية، يجب التخلي عن الفردية وعن شيء ما على الأقل. حسناً، إلى حد ما، قد يكون هذا صحيحاً؛ ولكن هناك، كما أشار بولاني، حرية أكبر يمكن تحقيقها إذا تجاوزنا الحقائق القاسية لحريات السوق الفردية.
نعم، لقد قرأت جيداً لدى ماركس أن مهمتنا تتمثل في تعظيم مجال الحرية الفردية، ولكن لا يمكن تحقيق ذلك إلا بشرط تلبية مجال الضرورة… مهمة المجتمع الاشتراكي ليست تنظيم كل ما يحدث في المجتمع؛ لا على الإطلاق. مهمة المجتمع الاشتراكي هي ضمان تلبية جميع الاحتياجات الأساسية حتى يتمكن الناس بعد ذلك من الاختيار بحرية ما يريدون فعله متى شاءوا.
اسألوا أحداً اليوم: «كم من وقت فراغ لديك؟»، فستكون الإجابة دائماً: «ليس لديّ وقت فراغ تقريباً بسبب هذا وذاك وكل شيء آخر». ولكن إذا كانت الحرية الحقيقية لا تتحقق إلا في عالم نمتلك فيه وقت فراغ لفعل ما نريد، فلنطبق اليوم مشروعاً اشتراكياً للتحرر يقترح هذه الحرية كعنصر أساسي في مهمته السياسية! هذا أمر يمكننا جميعًا، بل ويجب علينا جميعًا، العمل عليه.

*********
هذا النص مقتبس من كتاب ديفيد هارفي الجديد، The Anti-Capitalist Chronicles، الصادر عن دار بلوتو برس. وقد نُشر في الأصل على Jacobin.
الترجمة إلى الفرنسية: هامل وفرانسوا من اليسار المناهض للرأسمالية.
ترجمة؛ م.ح؛ جريدة المناضل-ة
المصدر: https://www.pressegauche.org/Les-anticapitalistes-doivent-etre-au-premier-rang-de-la-lutte-pour-la-liberte

شارك المقالة

اقرأ أيضا