الرأسمالية في رأي أنوار شيخ وإرنست ماندل
بقلم؛ أنوار شيخ، بابلو بولغار مويا
توفي أنوار شيخ مصابا بسرطان يوم 7 أكتوبر الماضي، وعمره 79 عاماً. كان من أشهر الاقتصاديين الراديكاليين، مؤسسي الاتحاد من أجل الاقتصاد السياسي الراديكالي (URPE). وكرس، بصفته أستاذاً فخرياً للاقتصاد في المدرسة الجديدة للبحوث الاجتماعية New School for Social Research في نيويورك، حياته للبحث في الاقتصاد السياسي الكلاسيكي والماركسي، محيطا بمجالات مثل التجارة الدولية، والنمو الاقتصادي والأزمات، والسياسة الاقتصادية الكلية الأمريكية، ودولة الرفاهية، والتضخم، والحسابات القومية.
ويُذكر من بين أهم إسهاماته كتاب «الرأسمالية: المنافسة، والصراع، والأزمات» (2016)، بالإضافة إلى كتاب «قياس ثروة الأمم: «الاقتصاد السياسي للحسابات القومية» (1994)، الذي شارك في تأليفه مع إي. أحمد توناك. كما أشرف على تأليف كتاب «العولمة وأساطير التجارة الحرة: التاريخ والنظرية والأدلة التجريبية» (2007) .
ننشر أدناه نص مقابلة تعود إلى العام 2021، حيث يجيب أنور شيخ على أسئلة الفيلسوف التشيلي بابلو بولغار مويا، يليها تكريم قدمه شيخ لأحد أسلافه، المناضل والاقتصادي الماركسي إرنست ماندل، الذي توفي عام 1995. فقد كان كلا الرجلين يكنان إعجابًا كبيرًا لبعضهما البعض.
مقابلة مع أنوار شيخ
نورد هنا المقابلة التي أجراها أنوار شيخ مع بابلو بولغار مويا، ونُشرت في 8 مايو 2021 على موقع Historical Materialism. تتناول المقابلة مسيرته الفكرية، وأعماله النظرية، وكتابه الأخير: «الرأسمالية، والمنافسة، والصراع، والأزمات»، الصادر في العام 2016.
- ب.ب.م: بدايةً، يبدو لي مفيدا أن نعود إلى مسيرتك الفكرية. هل يمكنك أن تحدثنا بإيجاز عن عملك النظري وعن السنوات الأخيرة، لا سيما في ضوء كتابك الرائع «الرأسمالية: المنافسة، والصراع، والأزمات»، الذي سيصدر قريبًا باللغة الإسبانية؟
- أنوار شيخ: ولدت في باكستان؛ فكان اهتمامي بالتنمية، إذا جاز التعبير، أمرًا طبيعيًا. كانت عائلتي كثيرة السفر، وعشت في بلدان مختلفة، لا سيما في ماليزيا وكندا والكويت، ولفترة في نيجيريا. تباين مستويات التنمية الكبير بين هذه البلدان جلي جدًّا. بدأتُ دراستي بهدف أن أصبح مهندسًا، لكني اتجهت في النهاية بعد حصولي على شهادتي، صوب الاقتصاد. كانت الأسئلة التي كانت تحفزني هي: كيف يمكن تعزيز التنمية وكيف يمكن تفسير هذه التباينات؟ كنتُ أعتقد أن الاقتصاد هو الطريق الواجب اتباعه. لكن عندما وصلت إلى جامعة كولومبيا لمتابعة دراستي، اكتشفت أن المتخصصين في التنمية يُفترض بهم أن يتبنوا النظرية القياسية ويستخدموها لتفسير التنمية. والحال أنه لم يكن لهذه النظرية معنى في نظري. فلم يبدُ لي أن تعظيم المنفعة، والاستمثال l’optimisation، والتوقعات العقلانية، والمنافسة الكاملة، تفسر العالم أو حتى تمثله.
لذا بدأت البحث عن أسس أخرى. قادني ذلك إلى قراءة أعمال خوان روبنسون Joan Robinson، ثم لويجي باسينتي Luigi Pasinetti ، وهما اقتصاديان من كامبريدج، قبل أن أعود إلى ماركس وسميث وريكاردو. ومع تقدمي في القراءة، بدأت أتبين أن هذا التوجه الآخر يفتح آفاقاً جديدة: فهو ينطلق من نقطة انطلاق مغايرة تماماً، ألا وهي سلوك الناس الفعلي. انطلاقاً من ذلك، يمكن استنتاج جميع أدوات الاقتصاد الجزئي الأساسية، ثم دراسة سلوك الاقتصادات ووضع تحليل اقتصادي كلي. لكن لم يكن بد من ربط المكونات معًا وضمان تماسكها من مستوى إلى آخر. ولم يكن بد أيضًا من تطابق هذا التحليل مع البيانات التجريبية والملاحظات حول الرأسمالية. استغرق ذلك مني وقتًا طويلاً، وقتًا طويلاً حقًّا، لأنني كنتُ مضطرًّا إلى سد ثغرات.
إذا قرأتم ماركس، لن تجدوا شيئًا عن التجارة. وإذا قرأتم ريكاردو، لن تجدوا شيئًا عن الصراع الطبقي؛ لذا لا يمكننا ببساطة جمع أفكارهم معًا. أما عند سرافا Sraffa، فلا يوجد شيء عن النقد. كان عليّ وضع إطار متماسك داخليًّا، قادر على الإجابة عن الأسئلة التجريبية المتعلقة بالعالم المعاصر. وقد تطلب ذلك سنوات بحث عديدة، وما يقرب من عشرين عامًا لإنتاج الكتاب وحده. بدأت في كتابته عام 1997 وصدر عام 2016.
- ب.ب.م: قلت في محاضرتك يوم الاثنين إن بناء نظرية جديدة لا يتم بمجرد تدمير النظرية القديمة، ولا يمكن تدمير النظرية القديمة بمجرد إظهار أخطائها. يجب دائمًا الانطلاق من أساس آخر. هل تعتبر كتابك نموذجًا (باراديغماً) اقتصاديًا جديدًا، طريقة جديدة لتنظيم مفهوم الرأسمالية؟ ما هي أهم الإسهامات في بناء نموذجك الخاص؟
-أنوار شيخ: لنبدأ بمسألة النموذج (الباراديغم): هل هو نموذج جديد؟ أعتقد ذلك، لكنه ليس نموذجي الخاص. إنه النموذج الذي كان، في رأيي، ضمنيًا، وربما مدفونًا، لدى سميث وريكاردو، وماركس وكينز. لقد درسوا جوانب مختلفة من الاقتصاد. كان سميث ينظر إلى السوق باعتبارها نوعًا من آلية موازنة؛ ووضع ريكاردو نظرية الأسعار النسبية؛ ثم طور ماركس نظرية الصراع الطبقي، وفائض الإنتاج، وفائض القيمة أساساً للربح، من بين أمور أخرى. أما كينز فقد أدخل مفهوم الطلب الفعلي والاقتصاد الكلي. لكن الجمع بين هذه العناصر بطريقة متسقة يشكل، في رأيي، نموذجًا جديدًا.
عندما كنت أصغر سنًّا، تأثرت بفكرة كون Kuhn مفادها أن النماذج الجديدة تنشأ من تراكم أوجه القصور في النموذج القديم. لكن، بطبيعة الحال، هذا لا يعني أن أوجه القصور هذه ستتجمع من تلقاء نفسها لتشكل نموذجًا جديدًا. بل تشير إلى الحاجة إلى نموذج جديد. وما ينشأ عن ذلك يكون مدفوعًا بهذه النواقص، لكنه لا يتحدد بها. وهكذا، فإن إنجازات أينشتاين في علم الفيزياء كانت بالتأكيد مدفوعة بالمشاكل المتزايدة التي واجهها الإطار النيوتوني. لكن هذا لا يعني أن نظرية النسبية قد نشأت بمجرد إجراء تعديلات هامشية على الميكانيكا النيوتونية. بل إن أينشتاين غيّرها بنحو جذري.
- ب.ب.م: تؤكد في كتابك «الرأسمالية أن السعي وراء الربح هو محرك الرأسمالية وتقدمها، لكنه يهيئ أيضًا لأسوأ أزماتها ويؤدي إليها. هل يمكنك أن تتطرق إلى بعض الآثار السياسية للنظريات التي تعرضها في كتابك؟
- أنوار شيخ: نعم. يتمثل أحد جوانب كتابي الأساسية في وجوب أن نفهم كيف يتصرف الناس والمنشآت (الشركات) في الواقع. يكفي أن ننظر إلى أنفسنا في المرآة لنرى كيف يتصرف الناس، أليس كذلك؟ لذا فإننا نعلم أنهم لا يتصرفون كما تصفهم النظرية الكلاسيكية الجديدة. ولكن يبقى بعد ذلك تفسير كيفية استنتاج قوانين الطلب الملاحظة انطلاقاً من سلوكات الناس الفعلية. هذه هي المهمة الأولى. وتتمثل المهمة الأخرى في إظهار كيف يولد السوق العرض. وهنا، النقطة الأساسية هي أن الإنتاج تحدده الربحية (المردودية) وأن النظام يبلغ توازنه عن طريق التلمس. على سبيل المثال، عندما تنشئ مطعمك، لا تعرف من سيأتي لتناول الطعام فيه: فأنت تقوم بتقدير. وبقليل من الحظ، بعد ستة أشهر أو سنة أو سنتين، ستكون قد اكتسبت سمعة كافية لتبدأ في جني الأرباح. لكن، حتى ذلك الحين، ستتكبد خسائر.
هذا النوع من السلوك يعني إذن أن نظرية المنشأة (الشركة) تعتمد إلى حد كبير على توقعات الربحية النابعة من توقعات الطلب. هذا لأن الناس إذا جاؤوا دون أن يدفعوا، أو دفعوا مبلغًا ضئيلًا جدًّا، فإن وجودهم لا يكفي: يجب أن يدفعوا ما يكفي لتحقيق ربح. ثانيًا، التوازن بين عرضك — في حالة المطعم، مجموعة الوجبات التي تعرضها — والطلب — الزبائن — لا يتحقق أبدًا على الفور. إذا لم يكن لديك عدد كافٍ من الزبائن، فإنك تقلص نشاطك. وإذا كان لديك عدد زائد منهم، فإنك توظف المزيد من الأشخاص وتعد المزيد من الوجبات. وبالتالي، فإن عملية تحقيق التوازن هذه تنطوي على تقلبات مستمرة.
كما أن إنتاجك، أي عرضك من الوجبات، يولد طلبًا أيضًا. فعندما توظف المزيد من الأشخاص، فإنهم يطلبون المزيد من السلع بفضل دخلهم من الرواتب. وعندما تشتري المواد الخام، أي المنتجات اللازمة للطهي، فإن هذا الطلب على المدخلات يؤثر على عرض هذه المنتجات. وتغذي أرباحك دخلك أو دخل دائنيك أو مالكيك، وما إلى ذلك. وإذا سارت الأمور على ما يرام، فقد تقرر توسيع نطاق شركتك، أي الاستثمار في مقر أوسع، من بين أمور أخرى. وهذا طلب على الاستثمار مدفوع بتوقعات الربح على المدى الطويل. وهكذا، يعكس الجانبان، العرض والطلب، بطرق مختلفة السعي وراء الربح. ولا يوجد أي سبب يجعل هذه الملايين من الأفعال الفردية للعرض والطلب تتوازن. بل على العكس، فهي تميل باستمرار نحو التوازن وتبتعد عنه باستمرار. بالنسبة لي، هذا يعني الكثير من الاضطرابات: ما أسميه الضبط المضطرب.
النقطة الأساسية هي أن المنافسة الحقيقية تختلف تمامًا عن المنافسة المثالية الخيالية. المنافسة الحقيقية حربٌ، ويستخدم المنافسون كل الوسائل المتاحة لهم. إذا كنت على دراية بالتاريخ، فأنت تعلم، على سبيل المثال، أن بعض الشركات تستقطب زبائن شركات أخرى لمصلحتها، وتنشر الأكاذيب والمعلومات المضللة عن العلامات التجارية الأخرى، وتؤكد باستمرار في إعلاناتها أنها أفضل من غيرها — حتى لو لم يكن ذلك صحيحًا. كل هذه أدوات منافسة، وهي بمثابة دعاية لهذه الحرب. في المنافسة الحقيقية، تحدد الشركات الأسعار. تؤكد النظرية الاقتصادية التقليدية أن الشركات في حالة المنافسة الكاملة تتلقى الأسعار وتعتبرها «محددة مسبقًا»، في حين أنها في الواقع تحددها وتعدلها وفقًا لحاجاتها.
أخيرًا، في إطار المنافسة الحقيقية، داخل قطاع معين، تدفع المنافسة الشركات إلى تحديد أسعار متقاربة تقريبًا لنفس الجودة، لأن هذا ما يبحث عنه الزبائن. ولكن، إذا كانت الشركات الأحدث في قطاع ما تحقق معدلات ربح أعلى من تلك التي تحققها الشركات الأحدث في قطاع آخر، فإن رأس المال ينتقل من القطاع الأقل ربحية إلى القطاع الأعلى ربحية. وهذا شكل آخر من العملية المضطربة. فهو يزيد العرض حيثما يكون معدل الربح مرتفعًا، ما يؤدي إلى انخفاض الأسعار وبالتالي انخفاض معدل الربح. وفي القطاعات حيث معدل الربح منخفضًا نسبيًا، ينكمش العرض نسبيًا وترتفع الأسعار. لا يتم التوصل أبدًا إلى توازن تام، بل إلى تعديلات وتقلبات مستمرة، لأن كل ما تفعله ينتج عنه آثار في أماكن أخرى. لذا فإن الرأسمالية في حركة مستمرة، وتتكيف باستمرار، ولا تكون أبدًا في حالة توازن. ومع ذلك، فإن لهذه العمليات مراكز ثقل متحركة. هذا، في رأيي، هو المفهوم الكلاسيكي للمنافسة.
ب.ب.م: أنت تنظر إلى الربح بما هو القوة الأساسية للرأسمالية، ومحركها الرئيسي. في هذا السياق، ما هي أهمية هذا المفهوم في تفسير التناقضات بين، على سبيل المثال، الأهداف الخاصة وأهداف المجتمع الاجتماعية؟
– أنوار شيخ: هو بالضبط السؤال الذي يرد اليوم على جدول أعمالنا فيما يتعلق بتغير المناخ. لكنه كان موجودًا دائمًا. إذا تُرك الخيار للشركات، فستسعى بطبيعة الحال إلى خفض تكاليفها إلى أدنى حد ممكن من أجل تحقيق أقصى ربح. ولا يمكنها تحديد أي سعر تشاء: فالشركات الأخرى تدفعها نحو سعر مشترك. كيف يمكن خفض التكاليف؟ تتمثل إحدى الطرق في خفض أجور الشغيلة. وطريقة أخرى في إطالة ساعات العمل، وجعلهم يعملون بشكل أشد كثافة ولفترة أطول. كما يمكن للشركات ميكنة الإنتاج وخفض تكاليف الأجور لكل وحدة إنتاج. تشكل هذه الآليات جوهر المفاهيم الماركسية لفائض القيمة المطلق والنسبي. وبطبيعة الحال، ستسعى الشركات إلى استخدام الموارد الطبيعية بأقل كلفة ممكنة.
وهذا يعني في كل هذه العملية أن التلويث مربح. ما لم يُمنعا، تدفع المنافسة والسعي وراء الربح الشركة إلى تلويث البيئة، والإضرار بالشغيلة وبالزبائن. ونحن نعلم أنه في غياب اللوائح التنظيمية المتعلقة بالسلامة، يمكن للشركات أن تدمج مواد سامة في منتجاتها، ليس لأنها شركات سيئة، بل لأن ذلك يجعل منتجاتها أرخص ثمناً ويمنحها ميزة تنافسية. وجلي أن هذا السعي وراء الربح لا علاقة له بأي هدف اجتماعي. نحن نعلم أن السجائر وأشكال التبغ الأخرى تم تسويقها على نطاق واسع، وأن الشركات المعنية كانت تعلم تمامًا، قبل سنوات وسنوات من ضبطها متلبسة، أنها تسبب السرطان. فماذا فعلت؟ لقد أخفت هذه المعلومات، لأنها كانت ستخسر بالطبع أرباحًا طائلة لو علم الناس بذلك. وبالطبع، تواطأت الحكومات في كل مكان.
بهذا المعنى، أعتقد أن السعي وراء الربح ينطوي على بُعد دينامي وعقلاني. لا أتحدث عن عقلانية كاملة، لكن هناك منطق في تحميل الآخرين عبء كل هذه الآثار الضارة من أجل جني الفائدة للذات. بالنسبة لي، يعني هذا أن التفاعلات بين الشركات والبيئة، وبين الشركات والتلويث الذي تسبب، أو بين الشركات والأشخاص الآخرين، تشكل «عاملًا داخليًّا». والقول إنها «عامل خارجي» أمر سخيف. بالطبع، إنها داخلية وليست خارجية: لا نقول إن الحرب داخلية عندما ننتصر فيها، وخارجية عندما نقتل أشخاصاً آخرين. فهذا جزء من الحرب! إنه أمر داخلي في الحرب. لذا فإن هذا الفصل خاطئ.
وبالمثل، فإن «الفعالية» لا تعني فعالية استخدام الموارد لخدمة مصلحة اجتماعية، بل إلى استخدامها بفعالية لتحقيق الربح. لذا، فإن التلويث يعد أمراً فعالاً، ما لم يُمنع، وإلا فستكون التكاليف أعلى. كما أن توظيف الناس برواتب منخفضة جداً يعد أمراً فعالاً، لأن ذلك يتيح تحقيق مزيد من الأرباح. ما لم يقاوموا. إن تاريخ النضالات العمالية والنضالات الطبقية هو جزء من النضال ضد التصور الرأسمالي للفعالية، وضد منطقها القائم على الفوائد من منظور الربح، والذي نواجهه بتصوراتنا الخاصة بالفوائد الاجتماعية.
- ب.ب.م: سؤالي التالي يتعلق بالسياق الراهن. تهيمن أفكار الاقتصاد الأرثوذكسي على العديد من أقسام الاقتصاد في العالم. أما الاقتصاد غير الأرثوذكسي، فيظل موجودًا في بعض الجامعات، وغالبًا خارج الجامعات والمؤسسات الرسمية. ومع ذلك اتضح، بعد أزمة العام 2008، أن الاقتصاد النيوكلاسيكي عاجز عن تفسير هذه الأزمة. أنت معروف بكونك أحد الاقتصاديين القلائل الذين توقعوا حدوثها. كيف كنت تنظر إلى احتمال أن تؤدي هذه الأزمة إلى انهيار للنظام؟
أنوار شيخ: أولاً، صحيح أن الاقتصاديين غير الأرثوذكس مستبعدون من معظم شُعب الاقتصاد في جميع أنحاء العالم. لكن هذا لا يعني أنهم لا يملكون أي مجال. ففي أوروبا، لا تزال هناك عدة مجالات مفتوحة. ففي إنجلترا، على سبيل المثال، توجد عدة جامعات يعمل فيها اقتصاديون غير تقليديون؛ وينطبق الأمر نفسه على أستراليا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا والولايات المتحدة، إلخ. وفي جميع أنحاء العالم، لا تزال هناك جامعات تخصص لهم مكانًا. ففي الولايات المتحدة، تضم ثلاثة أو أربعة أقسام على الأقل عددًا كبيرًا من الاقتصاديين غير التقليديين، بل إنهم يشكلون الأغلبية في بعضها. وفي قسمي، في «نيو سكول فور سوشيال ريسيرتش»، نحن في الغالب من غير التقليديين: وهذا مثال على ذلك. صحيح أننا على هامش الساحة، لكننا لم نختفِ ولم نمت.
ونحن نتطور منذ الأزمة، وذلك على وجه التحديد لأن الناس يتساءلون عن سبب عجز الإطار النظري القياسي عن تفسير هذه الأزمة أو توقعها. في إطار الاقتصاد الأرثوذكسي، تُعتبر الأزمات خارجية عن النظام، لأن كل شيء داخله مثالي وهادئ: رقصة باليه من المستهلكين والشركات التي ترقص في انسجام تام. ولذلك، لا يصرخون قائلين: «يا إلهي، ماذا حدث؟» إلا عندما يسقط شيء ما على المسرح من خارج رقصة الباليه هذه من وجهة النظر غير الأرثوذكسية، تشكل الأزمات اتجاهاً متأصلاً في النظام. فإذا تطور هذا النظام، لكنه تجاوز حدوده، فإنه ينهار. ومن يراقبون الرأسمالية يعرفون ذلك منذ الأزل. يقول الملياردير المصرفي جورج سوروس، على سبيل المثال، إنك إذا تجاوزت الهدف صعوداً، فستتجاوزه لاحقاً هبوطاً.
لكن الأمر لا يقتصر على الأزمات فحسب. الفرق بين الاقتصاد غير الأرثوذكسي والاقتصاد الأرثوذكسي يكمن في طريقة تمثل الرأسمالية نفسها، على مستواها الأساسي. يقول الاقتصاد الأرثوذكسي إنك تتخذ خيارات مثلى. ويؤكد غاري بيكر Gary Becker أن هذا ما تفعله في الزواج، عندما تقرر إنجاب أطفال، وما إلى ذلك. أسأل الناس، بمن فيهم الحاضرين في هذا المؤتمر: كم منكم اختار زوجته أو زوجها أو شريكه أو طفله بناءً على خيار عقلاني؟ أي شخص يرفع يده سيكون مجنونًا. لا أحد يتخذ هذا النوع من القرارات الحياتية، ولا حتى يختار ما سيأكله، بالطريقة التي يصفها الاقتصاد الأرثوذكسي. لذا فإننا نعلم بالفعل أن هذا لا يتوافق مع الواقع لا على المستوى الاقتصادي الجزئي ولا على المستوى الاقتصادي الكلي.
تخفي الاقتصاد الأرثوذكسي هذا التناقض باستخدام الرياضيات. يشعر الناس بالرهبة من الرياضيات ويقولون لأنفسهم لا بد أنها صرامة علمية. لكن أي شخص على دراية بالرياضيات يعلم أنها لا يمكن أن تكون أكثر صرامة علمية من السؤال المطروح، أليس كذلك؟ وفي كثير من الأحيان، تكون غير ملائمة على الإطلاق. لذا، لا يوجد أي سبب لتبجيلها. إنها مجرد أداة، تُستخدم عندما تكون مناسبة لهيكل وتطبيق إطار معين. وغالبًا ما تكون أقل أهمية من التاريخ والملاحظة الاجتماعية، الخ.
بخصوص الأزمات، فإن السؤال هو ما إذا كانت تأتي من الخارج أم من الداخل. أعتقد أنها تأتي بشكل أساسي من الداخل. لذا بدأتُ دراسة المرويات المتعلقة بالأزمات ذات الأصل الداخلي. هناك، بالطبع، دورات اقتصادية منتظمة إلى حد ما، بمعنى أنها تتكرر: ليس بفواصل زمنية متطابقة تمامًا، لكنها تعود باستمرار. إنها تشبه أمواج المحيط. سيكون من السذاجة الاعتقاد بأن موجةً ما ستحدث ولن تتبعها موجة أخرى: فهذه دينامية كامنة. كما تعلمون أيضًا أن هناك في المحيط حركات أعمق بكثير، ودورات أطول. في تاريخ الاقتصاد، يُشار أيضًا إلى الموجات الطويلة. وهي مرتبطة بنظرية كوندراتيف، وبدا أن كل هذا كان يعمل بشكل جيد إلى حد ما حتى حوالي ثلاثينيات أو أربعينيات القرن الماضي. ثم بدا أنها اختفت: لم نعد نجدها على ما يبدو.
لذا قمت بقراءة أعمال كوندراتيف واكتشفت شيئًا مثيرًا للاهتمام للغاية. تتناول البيانات التي يعرضها عن الموجات الطويلة الأسعار. لكنه، في متن كتابه، يعرضها من حيث الأسعار الاسمية. وفي نهاية الكتاب، يقدم سلسلة أخرى يُعبَّر فيها عن الأسعار بالذهب، لأن الذهب يُعد نوعًا من السلع العالمية. ليس لأنه أساس العملة، بل لأنه يُشكل مرجعًا لها. لذا قمتُ بتمثيل هذه البيانات في رسم بياني. وها هو كل ما قاله كوندراتييف يتحقق بالنسبة للأسعار المُعبَّر عنها بالنسبة للذهب، وذلك حتى يومنا هذا. وبناءً على ذلك، بدأتُ أهتم بحقيقة أن الأزمات تحدث في منتصف المرحلة الهابطة من هذه الموجات الطويلة. ويمكن ملاحظة ذلك في أعوام 1814 و1847 و1873 و1929، وكذلك في الثمانينيات، خلال ما أُطلق عليه اسم «الركود التضخمي الكبير». بعد بلوغ موجات 1920 و1962 ذروتها، اندلعت أزمة بعد حوالي ثماني إلى تسع سنوات.
بدأت ألاحظ أن منحنى الأسعار المُعدّل بلغ مرة أخرى، حوالي عامي 1999-2000، ذروته. وبناءً على هذا التقدير التقريبي، قدرتُ أنه إذا استمرت هذه الانتظام، ستظهر الأزمة التالية حوالي عامي 2008-2009. وقد حدثت بالفعل في عام 2008، كما نعلم. كان هذا حسابًا تقريبيًّا، لكنه لم يكن سيئًا للغاية إذا ما أخذنا في الاعتبار تحركات المحيط والأمواج. فالأمواج لا تتطابق أبدًا تمامًا. وسيكون من السذاجة الاعتقاد بأن الموجة الأخيرة هي الوحيدة، أو أن الموجة التالية ستأتي بعد فترة زمنية متطابقة تمامًا. وهنا يطرح السؤال نفسه: ما الذي يحرك عملية متكررة إلى هذا الحد؟ إنها العمليات الكامنة الأعمق. وهذا يندرج ضمن جانب آخر من أبحاثي.
ب.ب.م: هذا سؤالي الأخير. كما تعلمون، لدينا نحن، التشيليون، تجربة مؤلمة مع النيوليبرالية. في الأدبيات المتخصصة، تُقدَّم تشيلي على أنها حقل تجارب لسياسات «صبية شيكاغو»، مما يبرز تناقضات هائلة بين الأهداف الاجتماعية والأهداف الخاصة. كيف تحللون الحالة التشيلية كمثال على الاستقطاب وتعميق هذه التناقضات الاجتماعية للرأسمالية؟
أنوار شيخ: سأبدأ بالقول إن «صبية شيكاغو»، في رأيي، ارتكبوا جريمة ضد الإنسانية. ولا أتردد أبدًا في التأكيد على أنه، مهما كانت دوافعهم، كان ذلك عملًا إجراميًا وعنيفًا. ليس لأنهم المتورطين الوحيدين، بل لأنهم أبدوا حرصًا شديدًا على دعمه. أفهم أنه من وجهة نظرهم — أي من منظور النظرية الأرثوذكسية —، كلما قل تدخل الدولة، كان أداء السوق أفضل. وهم يستمدون من ذلك مبررًا للديكتاتورية باسم الحفاظ على حرية السوق. ومع ذلك، في الولايات المتحدة، تتدخل الدولة في جميع المجالات، كما يؤكد ترامب: الرسوم الجمركية، والإعانات الزراعية… لكنهم يميلون إلى نسيان ذلك. ثانياً، إذا تناولنا الأمور من هذه الزاوية، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: ما هي تكلفة هذا «التعديل» المزعوم، هذا «الصدمة والرعب» الذي تحدث عنه جيفري ساكس؟
يبدو لي أنه عندما يشرح الناس مدى تحسن أوضاع تشيلي بعد ذلك، لا يأخذ أحد هذه الكلفة في الحسبان. أين يحسب اقتصاد الرفاهية كلفة القتلى، والمعذبين، والمطرودين، والأطفال المختطفين؟ ماذا سيحدث لو قلت لأحد «صبية شيكاغو»: «تهانينا! فقط لإعلامك، فقد تم اختطاف عائلتك، وقتل أفرادها، ومصادرة ممتلكاتهم وأموالهم، وقمنا باستثمار أموالهم في شركة تحقق أرباحًا كبيرة؛ لذا فإن الاقتصاد الآن في حالة أفضل. » أنتم لا تقدرون ألم الخاسرين وبؤسهم ودماءهم، لكنكم تقدرون المكاسب من حيث الربح؟ إنهم يتصرفون وكأن كل هذا كان له أثر إيجابي، لكن لا أحد منهم سيكون مستعداً للتضحية بأسرته من أجل مثل هذا الأثر. لذا، فإن هذا، في نظري، نفاق من أسوأ الأنواع. والأشخاص المتورطون، مهما كانت دوافعهم، ارتكبوا جريمة.
* نُشرت هذه المقابلة التي أجراها بابلو بولغار مويا على موقع « Historical Materialism» في 8 مايو 2021.
ترجمة جريدة المناضل-ة
كان أنوار شيخ، وهو من أصل باكستاني، أستاذاً فخرياً للاقتصاد في كلية العلوم الاجتماعية والسياسية بـ«نيو سكول فور سوشيال ريسيرتش» (New School for Social Research) في نيويورك. وقد توفي في 7 أكتوبر الماضي.
يقوم بابلو بولغار مويا بإجراء أبحاث وتدريس الفلسفة في عدة جامعات في أوروبا وأمريكا الجنوبية. وهو متخصص في هيغل وماركس.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
تكريم أنوار شيخ لإرنست ماندل
يتذكر عالم السياسة والمناضل الماركسي البريطاني أليكس كالينيكوس أنه التقى شيخ لأول مرة في مؤتمر حول نظرية القيمة نظمته مجلة «نيو ليفت ريفيو» في لندن عام 1978. ويقول:
كان من بين أصغر المتحدثين سناً، لكنه تميز بذكائه اللامع ودفاعه الحماسي عن ماركس في بيئة كان فيها أنصار بييرو سرافا هم من يقودون النقاشات. وألقى العديد من الشخصيات البارزة كلمات، وعلى رأسهم بول سويزي. لكن فجأة — أتذكر ذلك الآن — لوحظ أن إرنست ماندل كان حاضراً بين الحضور، وبالطبع وقف على الفور للدفاع عن ماركس. ربما كان ذلك هو اللحظة التي تقرب فيها أنور منه. […] ونعلم الآن، بفضل إ. أحمد توناك، أن ماندل نفسه كان قد صرح قبل وفاته بفترة وجيزة قائلاً: «أعتبر أنور أفضل اقتصادي ماركسي في العالم اليوم.» مهما كانت الجهود التي بذلها أنور للتنصل من الماركسية، فإنه لم ينجح في التخلص منها…
نورد أدناه التكريم الرائع الذي قدمه أنوار شيخ للاقتصادي والمناضل الماركسي البلجيكي إرنست ماندل، بعد بضعة أشهر من وفاته، في عام 1995.
* * *
كان إرنست ماندل رجلاً خارقا للمألوف، عاش في عصر خارق للمألوف. وقد اجتمعنا هنا لتكريمه: تقديراً لالتزامه الشغوف بالماركسية، وللاهتمام العميق والمستمر الذي أولاه للنضالات ضد الاضطهاد، ولاتساع معرفته، ولدقة ذكائه، ولمقدرته على إدراك العالم القائم، مع الاستمرار في النضال من أجل العالم الممكن.
لا توجد حياة خالية من الأخطاء أو المعاناة. لكن بعض الحيوات تذكرنا بإمكان عيش المرء في انسجام تام بين مثله وشغفه وأفعاله. نحن هنا لنحتفي برجل عاش هكذا.
نحن نعيش في عصر حيث يبدو أن الرأسمالية قد أزالت كل العقبات التي تقف في طريق هيمنتها العالمية. يُكرر باستمرار على مسامعنا أن لا بديل، وأن لا شيء يعمل بشكل أفضل من الرأسمالية. ثم، في نفس السياق، يُشرح لنا أن الرأسمالية، في النهاية، لا تعمل بالكفاءة المزعومة.
وفقا لمنظمة العمل الدولية (OIT)، حوالي 30% من سكان العالم عاطلون عن العمل أو يعانون من البطالة المقنعة — وترتفع هذه النسبة إلى 40% إذا أخذنا العالم الثالث في الاعتبار. وتؤكد الصحف يوميًا أن الأرباح مرتفعة، والأجور منخفضة، وأن الميكنة تتقدم بسرعة كبيرة لدرجة أن جزءًا كبيرًا من العمل قد يصبح غير ضروري في المستقبل المنظور.
هذه، بالطبع الأخبار السارة. لكن هناك أيضًا أخبار سيئة: لا يزال معدل إفلاس الشركات مرتفعًا، وتشهد أسعار الصرف تقلبات خطيرة وغير متوقعة، وتتفاقم الحروب والثورات وتندلع في جميع أنحاء العالم، ووفقًا للرأي السائد، فإن النظام النقدي الدولي يقوم على ما يعادل من الناحية المالية صدعًا زلزاليًّا — مع وجود اليابان، هذا المثال المشرق لكل ما يُفترض أنه يمثل أفضل ما في الرأسمالية، في قلب الزلزال تمامًا.
ونقتبس من مجلة «الإيكونوميست»: «أكبر خطر يهدد الاستقرار الاقتصادي العالمي اليوم هو انهيار مالي في اليابان» (17 يونيو 1995، ص. 76). ويضاف إلى ذلك بطبيعة الحال تدمير البيئة المستمر وواسع النطاق، والثقب في طبقة الأوزون، والاحتمال الكبير لحدوث احتباس حراري ذي عواقب كارثية.
دينامية النظام الداخلية
هل هذا حقاً كل ما يمكننا أن نطمح إليه؟ كرس إرنست ماندل حياته للدفاع عن فكرة أن حياة أفضل ليست فقط قابلة للتصور، بل وقابلة للتحقيق أيضاً. وقد قيل الكثير بالفعل عن الأبعاد السياسية لأفكاره وأعماله، وستتناول مداخلات أخرى هذه الجوانب من إنتاجه.
لهذا السبب أود أن أركز بالأحرى على مساهمته الفكرية في مسألة أساسية للغاية في النضال ضد الرأسمالية: تحليل دينامياتها الداخلية، والقوى التي تدفعها نحو قمم مذهلة قبل أن تدفعها إلى هاويات جديدة — بعبارة أخرى، تحليل قوانين الحركة التي تولدها الرأسمالية بنفسها.
إبان الحقبة المفعمة بالبهجة التي شهدت الازدهار الكبير في فترة ما بعد الحرب، عندما بدت الولايات المتحدة وكأنها تمسك بقبضة قوية بزمام ما كان يشكل نظامًا رأسماليًا عالميًّا جديدًا، بدا مستقبل الرأسمالية بالفعل بلا حدود. منذ خمسينيات القرن العشرين، كان من الشائع القول إن «الثورة الكينزية» المزعومة قد اكتشفت الأدوات العملية التي تسمح بتنظيم الرأسمالية وتوجيهها نحو أهداف مرغوبة اجتماعيًا.
كان من الممكن القضاء على «جيش العاطلين الاحتياطي» بواسطة سياسات الحفاظ على مستوى عالٍ من التوظيف، وتخفيف حدة الدورات الاقتصادية بواسطة تدابير معاكسة للدورة الاقتصادية، والقضاء على الفقر بفضل سياسات الدولة الرعائية.
عودة الأزمة
توضح تجربتي الشخصية بنحو جيد كيف انعكس هذا المناخ في الأوساط الأكاديمية. بدأت دراستي العليا في جامعة كولومبيا في خريف عام 1967. وكان كتاب دانيال بيل، «نهاية الأيديولوجيا» (1967)، كان قد مارس تأثيرًا كبيرًا آنذاك، على الأقل في الأوساط الفكرية.
في الاجتماع الأول لجميع طلاب الدراسات العليا، رحب بنا مدير قسم الاقتصاد. وهنأنا على انضمامنا إلى صفوف الجامعة المرموقة. وتحدث عن أهمية مهنتنا والآفاق الشخصية المشرقة التي تنتظرنا.
ثم اختتم كلمته بملاحظة غريبة للغاية: فقد اعترف بأنه، على الرغم من كل ذلك، يشعر بالأسف تجاهنا، لأن جميع المشكلات الأساسية في الاقتصاد قد حُلّت بالفعل! صحيح أنه لا يزال هناك الكثير من التفاصيل التي يتعين تسويتها، لكن لم يعد هناك شيء مهم حقًا يمكن اكتشافه في مجال الاقتصاد.
كان العالم يسير على الطريق الصحيح، وكان الأكاديميون يسيطرون على الوضع… بعد أقل من تسعة أشهر، في ربيع عام 1968، اندلعت ثورة الطلاب الباريسيين، وثورة الطلاب المكسيكيين، وحتى ثورة طلاب جامعة كولومبيا، والتي احتل خلالها الكثيرون منا، وأنا من بينهم، المباني، ولا سيما ذلك المبنى نفسه الذي ألقى فيه المدير خطابه.
شكلت السنوات 1968-1970 نقطة تحول في فترة الازدهار الطويلة التي أعقبت الحرب، وبداية سلسلة من الصعوبات الاقتصادية والسياسية التي استمرت حتى يومنا هذا. وقد انهار هذا النظام القديم الوهمي، على أي حال، بسرعة ملحوظة.
النهضة الماركسية
يجب التأكيد على أن الرأسمالية في فترة ما بعد الحرب قد حققت بالفعل، لفترة من الزمن، تقدمًا كبيرًا في احتواء جوانبها الأكثر ضررًا وتوجيهها— على الأقل في البلدان الرأسمالية المتقدمة. لكن كان يُقال آنذاك إن الاقتصاد الكينزي قد جعل جميع التفسيرات الأخرى للرأسمالية مما عفا عليها الزمن.
وعلى وجه الخصوص، كما يؤكد ماندل، كانت الماركسية تُقدَّم باعتبارها إحدى المدارس العديدة المتخلفة في علم الاقتصاد السياسي، غير القادرة على مواكبة تحولات الرأسمالية والتقدم الذي أحرزه تحليلها (كتاب النظرية الاقتصادية الماركسية، 1962، ص. 9).
في هذا المناخ، كتب ماندل أول مؤلف كبير له، خصيصًا للرد على هذا الادعاء. صدرت الطبعة الفرنسية من النظرية الاقتصادية الماركسية في عام 1962، والطبعة الإنجليزية في عام 1968. والأمر الأكثر لفتًا للنظر هو أن ماندل يبدأ بالاعتراف بأن منتقدي الماركسية محقون إلى حد كبير! وأقتبس:
“إن أولئك الذين يدّعون الانتماء إلى الماركسية هم أنفسهم مسؤولون جزئيًا عن تراجع الاهتمام بالنظرية الاقتصادية الماركسية. ذلك لأنهم، منذ ما يقرب من خمسين عامًا، يكتفون بتكرار تعاليم ماركس، في ملخصات لكتاب «رأس المال»، التي تفقد بشكل متزايد اتصالها بالواقع المعاصر […] لم الماركسيون قادرين […] أن يعيدوا في النصف الثاني من القرن إنجاز العمل الذي أنجزه ماركس في القرن الماضي.
“يعود هذا العجز في المقام الأول إلى أسباب سياسية. فهو ناتج عن المكانة الثانوية التي أُبقيت فيها النظرية في الاتحاد السوفيتي والأحزاب الشيوعية في الحقبة الستالينية […] [وكذلك عن اتجاه مماثل في الغرب، إما يقتصر على تلخيص […] فصول كتاب «رأس المال» المكتوبة في القرن الماضي […] أو يرفض تلك التحليلات نفسها «لأنها تستند إلى بيانات علمية من القرن الماضي (TEM, vol. I, p. 12-13).
لم يذكر ماندل ذلك هنا، لكن تجدر الإشارة إلى أنه كانت هناك بالفعل استثناءات بارزة أخرى: ميشال كاليكي، وموريس دوب، وبول سويزي، وبول باران، وبول ماتيك، وهاري برافرمان.
ومع ذلك، مقارنةً بهؤلاء المؤلفين، كان ماندل يضع على عاتقه مهمةً هائلةً: لا أقل من
« إثبات […] أنه يمكن، انطلاقًا من البيانات التجريبية للعلوم المعاصرة، إعادة بناء النظام الاقتصادي لكارل ماركس برمته […] وبذلك، اقتراح توليفة بين التاريخ الاقتصادي والنظرية الاقتصادية (MET, vol. I, p. 15).
وبطريقة مميزة، سعى صراحةً إلى أن يشمل ليس فقط التجربة والتاريخ الغربيين، بل أيضًا تجارب وتاريخ بقية العالم: فقد كان دائمًا وفي كل مكان أمميًا حقيقيًّا.
من الأسس الأولية إلى الأتمتة
في المجلدين من كتابه «النظرية الاقتصادية الماركسية»، يتناول ماندل جملة استثنائية من القضايا. يبدأ بطبيعة المجتمع ذاتها، والتواصل، واللغة، والوعي، والإنسانية، فضلاً عن أهمية العمل الاجتماعي — أي العمل المنسج في سياق اجتماعي ويتم من خلاله — كأساس للمجتمع البشري.
ثم يتناول تباعًا التطور التاريخي للتبادل والسلع وتقييمها، وظهور النقود ثم رأس المال، وتطور الرأسمالية نفسها، وتناقضاتها الداخلية، وتجارتها الخارجية، وتحولها التاريخي إلى رأسمالية احتكارية بأشكالها وتناقضاتها الخاصة، والإمبريالية، والإمبريالية الجديدة، والاقتصاد السوفيتي وتناقضاته الخاصة، والإمكانيات والمشكلات التي يثيرها ازدهار الميكنة المعاصر (التي يسميها «الثورة الصناعية الثالثة») وأخيرًا، آفاق ووعود اقتصاد اشتراكي حقيقي قائم على «وفرة السلع والخدمات (MET, vol. 2)..
ويستند إلى جملة استثنائية من الأبحاث العلمية في مجالات الأنثروبولوجيا، وعلم الاجتماع، والعلوم السياسية، والتاريخ، والمالية، وإدارة الأعمال، والإحصاء، والاقتصاد، وغيرها من التخصصات، والتي نُشرت باللغات الإنجليزية والألمانية والفرنسية من قبل مؤلفين من جميع أنحاء العالم.
يحتوي هذا العمل الضخم على العديد من المقاطع المثيرة للاهتمام؛ ولا يتسع لي الوقت إلا لاستشهاد بمقطع واحد منها، مكرس لموضوع الأتمتة. وعند الاستماع إليه، تذكروا أنه كُتب في عام 1962!
“يتناقص عدد العاملين في مجال الإنتاج باستمرار، نسبيًا وأحيانًا حتى مطلقًا […] علاوة على ذلك، تستبدل الثورة الصناعية الثالثة الآلات بالعمل الفكري […] فالموظفون والمحاسبون والمراجعون […] يتم استبدالهم […] بآلات حاسبة إلكترونية […] بل إن بعض التقنيين يتصورون إنشاء نظام اقتصادي تُستبعد منه البشر […] تمامًا […]
“يمكن للثورة الصناعية الثالثة، إذن، أن تؤدي إما إلى الوفرة أو إلى تدمير الحريات والحضارة والإنسانية. ولتجنب الأسوأ، لا بد من إخضاع استخدامها لإدارة واعية من قبل البشر […] يجب ترويض قوى الإنتاج التي أطلقتها الثورة الصناعية الثالثة، وتهذيبها، واضفاء الحضارة عليها، بواسطة خطة عالمية للتنمية الاقتصادية. ويجب أن تؤدي هذه القوى إلى إدارة واعية للشؤون البشرية، أي إلى مجتمع اشتراكي (MET, vol. 2, p. 277-278).
تطور الأفكار
في هذا العمل، يؤكد ماندل باستمرار على أهمية «دراسة البيانات التجريبية، التي تشكل المادة الخام لكل علم»، وكذلك على أهمية أفكار المؤلفين الآخرين الذين يتناولون نفس الموضوعات أو القضايا ذات الصلة.
وكما يذكر طوال عمله، يشكل هذا النهج جانبًا أساسيًا من البحث الماركسي. وفي مؤلفه الاقتصادي الكبير التالي، «تكون الفكر الاقتصادي لكارل ماركس» (1978)، يوضح مدى أهمية هذه العملية في صياغة المفاهيم الاقتصادية لماركس وإنجلز أنفسهما.
يُشدد ماندل على تطور أفكارهما ويؤكد أنه، على الرغم من تألقها المبكر، ظلت هذه الأفكار مقيدة بنقص في المعرفة التجريبية.
ويوضح أن ماركس رفض في البداية نظرية القيمة العمل قبل أن يتبناها ويطورها. في المقابل، قبل ماركس في البداية فكرة أن الأجور يجب أن تنخفض من حيث القيمة المطلقة بمرور الوقت، ثم تخلّى عنها لصالح فكرة الانخفاض النسبي — أي زيادة معدل فائض القيمة بمضي الوقت.
ويهدف كل هذا إلى إظهار أن ماركس، شأنه شأن أي عالم عظيم، كان يطور ويعمق فهمه للرأسمالية باستمرار، مع تصحيح أفكاره وصقلها. ونظراً للطابع المجزأ للغاية الذي وصلتنا به أعمال ماركس الناضجة في المجلدين الثاني والثالث من «رأس المال»، يقدم ماندل خدمة جليلة بتتبع تطور فكره الاقتصادي.
العصر الثالث للرأسمالية
مع كتاب «العصر الثالث للرأسمالية» (1972)، أثبت ماندل نفسه بشكل كامل كأحد كبار محللي الرأسمالية الحديثة.
ببراعة وثقة، شرع في «تقديم تفسير لتاريخ نمط الإنتاج في القرن العشرين» — ليس مجرد تاريخ أو سلسلة من القوانين التجريبية، بل كإيضاح للطريقة التي تتجلى بها القوانين العامة لحركة رأس المال في “شكل ظاهري ملموس”.
وبذلك، يندرج ماندل بشكل كامل في التقليد الذي أطلق عليه بيري أندرسون اسم «الماركسية الكلاسيكية». في هذا النهج، الذي يعود إلى ماركس، تولد الرأسمالية أنماطًا أساسية، متجذرة في السعي نفسه وراء الربح، وبالتالي تشكل جزءًا من بصمته “الجينية “.
وتشمل قوانين الحركة هذه عمل قانون القيمة، وخلق جيش احتياطي من العمال (العاطلين عن العمل) والحفاظ عليه على نطاق عالمي، والميل الجوهري للرأسمالية إلى ميكنة جميع أشكال العمل، وتكرار مراحل طويلة متناوبة من التوسع والركود.
تضفي المؤسسات الرأسمالية والمراحل التاريخية المختلفة على هذه القوانين تعبيرات تاريخية خاصة، لكنها لا تخلقها ولا يمكنها إلغاؤها. فالدولة الرأسمالية نفسها تعمل في إطار هذه القوانين: فهي تعدل آثارها، لكنها تظل خاضعة لحدودها.
إن إزالة السبب الجذري لهذه القوانين — أي هيمنة السعي وراء الربح، وبالتالي العلاقات الرأسمالية — هو وحده ما سيسمح بإلغاء عواقبها.
يطور كتاب «العصر الثالث للرأسمالية» ببراعة المواضيع الموجودة في مؤلفات ماندل السابقة. في كتاباته التي تعود إلى الفترة 1970-1972، لم يسعَ فقط إلى تفسير الازدهار الطويل الذي أعقب الحرب العالمية الثانية، والذي استمر حتى أوائل السبعينيات، بل يسعى أيضًا إلى إظهار أن هذا الازدهار كان خاضعًا لقيود متأصلة تضمن أن يتبعه موجة طويلة جديدة من الأزمات الاجتماعية والاقتصادية المتصاعدة للرأسمالية العالمية، تتميز بمعدل نمو إجمالي أقل بكثير.
ويحتوي الكتاب على تحليلات مثيرة للاهتمام وهامة للعلاقات بين قوانين الحركة والتاريخ الفعلي، ولبنية السوق الرأسمالية العالمية، وتسارع الابتكار التكنولوجي بفضل التطبيق المنهجي للعلم في الإنتاج (ص. 199-218)، وفرضية التبادل غير المتكافئ وآثارها على التنمية غير المتكافئة، وأصول التضخم الحديث في الائتمان المصرفي الخاص وليس فقط في العجز المالي للدولة، ودور الدولة والأيديولوجيا، فضلاً عن عودة الموجات الطويلة على مدار تاريخ الرأسمالية.
الموجات الطويلة
يؤدي مفهوم «الموجات الطويلة» دورًا مهمًا بشكل خاص في كتاب «العصر الثالث للرأسمالية»، حيث إنه يشكل أساس تنبؤه المبكر بفترة الركود والأزمة التي تلت ذلك. يتعمق ماندل في هذا الموضوع في كتبه «الأزمة، 1974-1982) و«الموجات الطويلة في التطور الرأسمالي» (LWCD، 1980، ثم طبعة منقحة جديدة في عام 1995)، وكذلك في العمل الجماعي الذي شارك في إدارته، “اكتشافات جديدة في أبحاث الموجات الطويلة” (1988).
يربط ماندل، في جزء كبير من أعماله، بين حركات صعود وهبوط للموجات الطويلة والتغيرات المقابلة في معدل الربح. وتنقسم مساهماته الخاصة في هذا النقاش إلى فئتين.
تتمثل الفئة الأولى في إظهار أن ارتفاعات معدل الربح وانخفاضاته، وبالتالي تحركات الموجات الطويلة، يمكن ربطها بـ«المنطق الداخلي لعملية تراكم رأس المال وزيادة قيمته على المدى الطويل» (LC، ص. 145)
تؤدي مرحلة التوسع الطويلة إلى رفع التركيب العضوي لرأس المال، وتقليص جيش الاحتياطي الصناعي، وممارسة ضغط على أسعار المواد الخام — وهي عوامل تقوض الربحية وتؤدي، في مرحلة ما، إلى إنهاء الازدهار نفسه (LC، ص 145-146؛ The Second Slump، ص 172؛ LWCD، ص 15). عندئذ تبدأ فترة من انكماش النشاط والإفلاسات، التي لا تؤدي إلا إلى تفاقم التباطؤ وتحويله إلى أزمة عامة.
وهنا يظهر العنصر الحاسم الثاني في حجة ماندل: في حين أن التوسع الطويل ومرحلة الهبوط الطويلة ينشآن كلاهما عن الدينامية النظام الرأسمالي الداخلية، فإنه يؤكد أن:
“لا توجد آلية اقتصادية تنتج تلقائيًا [توسعًا طويل الأمد] […] لذا فإن كل شيء يعتمد على نتيجة الصراع بين قوى اجتماعية وسياسية محددة في سلسلة من البلدان الرئيسية في جميع أنحاء العالم» (LC، طبعة 1992، ص. 232).
يكمن المفتاح في استعادة الربحية، على الرغم من أنه يشير أيضًا إلى أن صدمة خارجية واحدة أو أكثر قد تكون ضرورية لإطلاق الانتعاش. وفي هذا الصدد، يظل الأمر مفتوحًا للنقاش.
عقل شغوف ومنفتح
التقيتُ بإرنست لأول مرة عندما شاركنا في إعداد كتاب تكريمًا للاقتصادي والناشط الماركسي بوب لانغستون Bob Langston. وقد لفت انتباهي على الفور الاهتمام الشديد والعاطفي الذي كان يوليه للعالم من حوله، وحسه الفكاهي، وقدرته على المناقشة والتعبير عن اختلافاته، وكذلك بانفتاحه المذهل تجاه الأفكار المخالفة لآرائه.
على مر السنين، وبينما كنا نتراسل ونتقابل من حين لآخر للمناقشة، لم يتوقف حبي واحترامي له عن النمو. في هذه الملاحظات الموجزة، حاولت التركيز على بعض إسهاماته الفكرية الرئيسية في الاقتصاد السياسي الدولي.
لكن الروح التي كانت تحرك حياة إرنست وأعماله لا تقل أهمية. و، في هذا الصدد، لا أجد أفضل من أن أقتبس كلماته هو في مقدمة كتابه «مقدمة في الاقتصاد الماركسي:”
إنها ليست سوى «محاولة، هي في الوقت نفسه مسودة ودعوة للأجيال الشابة الماركسية، في طوكيو وليما، ولندن وبومباي، و— ولماذا لا؟ — في موسكو ونيويورك وبكين وباريس، لاغتنام الفرصة وإتمام ما لم يعد العمل الفردي قادراً على إنجازه بشكل واضح، من خلال العمل الجماعي.
“إذا نجح هذا العمل في إثارة مثل هذه التوسعات — حتى لو كانت نقدية — فسيكون المؤلف قد حقق هدفه بالكامل. لأنه لا يسعى إلى إعادة صياغة أو اكتشاف حقائق أبدية. بل يريد أن يبرهن على «الأهمية المذهلة للماركسية الحية في عصرنا الحالي. وسيتم تحقيق هذا الهدف من خلال التوليف الجماعي للبيانات التجريبية للعلم العالمي، أكثر بكثير مما يتحقق من خلال التفسير أو الدفاع» (TEM، ص. 19).
نحن هنا لنحييك، إرنست، أيها الرفيق والصديق، ولنؤكد أن أيديًا عديدة تمتد عبر العالم لالتقاط الكرة وإعادة رميها من جديد.
نوفمبر-ديسمبر 1995
* نُشر هذا النص للكاتب أنور شيخ على الموقع الإلكتروني للمجلة الإلكترونية «Against the Current».
ترجمة: جريدة المناضل-ة
اقرأ أيضا

