في ذكراها السبعين، المجر عام 1956: ثورة عمالية ضد الستالينية

الثورة15 أكتوبر، 2026

قبل سبعين عامًا، انتفض شغيلة وطلاب مجريون ضد دكتاتورية شرسة كانت تتخذ الماركسية مبررا لوجودها. و أنشؤوا حينها مؤسسات الديمقراطية العمالية، ما أتاح للأجيال التالية فرصة اكتشاف جوهر السياسة الثورية.

بقلم روبرت ناراي Robert Narai

قبل سبعين عامًا، انتفض العمال والطلاب المجريون ضد ديكتاتورية وحشية كانت تبرر نفسها باسم الماركسية. وأقاموا آنذاك مجالس العمال: وهي أجهزة للديمقراطية العمالية، مما أتاح للأجيال القادمة فرصة اكتشاف جوهر الماركسية الثورية.
كان جدي، فيندل كوروكناي، يستمع غالبًا إلى مقدمة «إيغمونت» لبيتهوفن على مشغل الأسطوانات الخاص به، ويتحدث بانفعال عاطفي عن دوره في ثورة العام 1956. تروي هذه المقطوعة قصة لامورال، كونت إيغمونت، الذي تحدى الطغيان الإسباني للدوق ألب. وأدى إعدامه إلى اندلاع تمرد أوسع أدى إلى استقلال هولندا. وبالنسبة للمجريين الذين استمعوا إليها، كانت أوجه التشابه مذهلة: الروس، محتلون مضطهِذون، والمجريون هم الهولنديون الساعون إلى تقرير المصير.
وقد استمعوا إليها لأن الشغيلة والطلاب، في مساء يوم 23 أكتوبر 1956، هزموا «AVH»، الشرطة السرية للديكتاتورية التي كانت تحكم المجر منذ ثماني سنوات، في اشتباكات عنيفة في الشوارع وتبادل لإطلاق النار، واستولوا على الإذاعة المجرية (Magyar Radio) في وسط بودابست. وجعلوا منها مركزًا حيويًّا لبث الأخبار، والدعوات، ورسائل الدعم، وقبل كل شيء، الحجج السياسية حول المسار الذي يجب أن تسلكه ثورتهم. وبين الإعلانات، كانوا يعيدون بث مقدمة النشيد بشكل متكرر لحشد الجماهير وبث العزيمة في نفوسهم لمحاربة عدو أفضل تسليحًا بكثير: الدبابات الروسية. وأصبح هذا المقطع النشيد غير الرسمي للثورة. يتذكر جدي، الذي كان آنذاك عاملاً زراعياً في ضواحي ديبريتسين (ثاني أكبر مدينة في المجر) ومندوباً وقائداً للميليشيا في أحد مجالس العمال، قائلاً: «لم يكن ذلك مجرد فاصل موسيقي. بل كانت نبوءة، وتعبيرًا عن آمال وأحلام وتطلعات شعب كان يناضل من أجل تحريره.»
سواء أدركوا ذلك أم لا، كان الشغيلة والطلاب المجريون يخلقون هم أيضًا بديلاً جذريًّا للهمجية الستالينية والغربية. في ذروة الحرب الباردة، حطموا أذرع القمع التابعة للنظام المسمى بالشيوعي: تم حل الشرطة السرية، وانشق أفراد الشرطة أو انسحبوا، وتفكك الجيش، في حين استمر جزء من جهازه التنفيذي والبيروقراطي في العمل. وفي الفضاء الذي تحرر بهذه الطريقة، أنشأوا مجالس عمالية، منتخبة وقابلة للعزل، كانت تدير المصانع والمزارع والمدن والقرى بأكملها. كان جدي أحد هؤلاء العمال، وكان ذلك بالنسبة له أول لمحة عن الحريات السياسية.
لطالما وصف الستالينيون، المدافعون عن تشوهات الاتحاد السوفيتي البيروقراطية ، هذه الانتفاضة بأنها ثورة مضادة، من صنع الفاشيين وعملاء الغرب، واستخدموا هذا الحجة لتبرير إرسال الدبابات. (مصطلح «تانكي» مستمد من هذا الخطاب.) أما أقصى اليمين المجري، الذي يقوده فيكتور أوربان، فيعرضها بشكل مختلف، إذ يعتبرها بروفة عامة لعام 1989 وسقوط النظام «الشيوعي»، حيث كان الرأسماليون المبكرون يناضلون من أجل استعادة الملكية الخاصة والسوق الحرة. ولا صحة لأي من هذه الادعاءات. فلم يكن شغيلة المجر يناضلون من أجل الرأسمالية، سواء كانت ستالينية أو غربية. وكانت المجالس التي أنشأوها هي أجهزة سلطة عمالية وأساس مجتمع ديمقراطي تقوده الطبقة العاملة: اشتراكية وشيوعية حقيقيتان. كانت تلك ثورة عمالية، وكان من بين قادتها رجال مثل جدي، الذي فقد مزرعة العائلة لصالح النظام الذي أصبح يصفه الآن بالفاشي.
وكما كتب التروتسكي الأمريكي هال درابر آنذاك: «تفتتح المجر عهدًا جديدًا بأول ثورة ضد النظام الستاليني. » لقد أثبت شغيلة المجر وطلابها أن الطبقة العاملة لا تزال قادرة على صنع الثورات. وأثبتوا أن الأنظمة التي تُسمى شيوعية كانت في الحقيقة معادية للثورة. وقد كسروا، لأول مرة على هذا النطاق، قبضة الستالينية على الأحزاب الشيوعية في جميع أنحاء العالم.
الجزء الأول: انتفاضة أكتوبر
الخلفية
في نهاية الحرب العالمية الثانية، احتل الجيش الأحمر المجر. وأرسيت، بموافقة ضمنية من الغرب، ديكتاتورية مدعومة من روسيا بقيادة ماتياس راكوسي، الذي كان يعتبر نفسه «أفضل تلميذ مجري لستالين». و كانت المجر، على غرار الأنظمة الأخرى في أوروبا الشرقية آنذاك، تُقدَّم على أنها «دولة عمالية». لكنها كانت أبعد ما تكون عن ذلك. كان على الشغيلة، مثل جدي، أن يؤدوا عملاً مرهقاً لتحقيق أهداف الإنتاج التي حددها البيروقراطيون. لم يكن لهم أي تأثير على المنتجات المصنعة، ولا على أساليب الإنتاج، ولا على أي قرار سياسي هام. كانت أجورهم الزهيدة تكفي بالكاد لشراء الخبز والحليب.
أُجبر الفلاحون، تحت تهديد السلاح، على العمل في المزارع الجماعية، ولم تتلاش أبدًا الكراهية التي ولّدتها هذه الأفعال. (صودرت مزرعة عائلة جدي في أواخر الأربعينيات، وأُجبر على العمل في مناجم الفحم في باتونيتريني، شمال المجر.) أصبحت أجزاء كبيرة من الريف المجري مستعمرة لإنتاج الحبوب لصالح الإمبراطورية الروسية، ما سبَّب الجوع والمجاعة ونقص الغذاء. كان العمال يعيشون في خوف من التعذيب أو السجن أو القتل على يد الشرطة السرية، «AVH»، ونظام السجون ومعسكرات الاعتقال التي كانت تديرها. كان يُقضى على أي معارضة داخل الحزب الشيوعي بعمليات تطهير منتظمة. كان جدي يقول إنه لم يكن هناك سوى ثلاثة أنواع من الناس في المجر في تلك الحقبة: السجناء، والسجناء السابقون، وأولئك الذين ينتظرون العودة إلى السجن.
تلك كانت الستالينية: ديكتاتورية بيروقراطية تحكم الطبقة العاملة، متخفية وراء لغة الحركة التي قامت بخنقها. لم يكن الأمر بأي حال من الأحوال استمرارًا لثورة أكتوبر 1917، عندما استولى العمال والفلاحون والجنود الروس على سلطة الدولة بواسطة السوفييتات (الكلمة الروسية التي تعني «المجلس»)، بل كان قطيعة تامة. فقد دمرت الحرب الأهلية والعزلة الاقتصاد الروسي، وأهلكت الطبقة العاملة التي قادت الثورة. وتحولت المجالس العمالية إلى مجرد قشور فارغة، فاندفعت البيروقراطية لملء الفراغ، وبدأت في تطوير إرادتها الخاصة مع تلاشي زخم الحركة الثورية. وبمجرد أن ترسخت سيطرتها، لم تعد لغة عام 1917 سوى ستارًا يخفي عكسها. بعد عام 1945، تم تصدير هذا النظام — وليس ذلك الذي بناه العمال في أكتوبر 1917 — إلى أوروبا الشرقية: رأسمالية الدولة البيروقراطية.
أدت وفاة ستالين في عام 1953 إلى أزمة في قمة هذه الأنظمة، لأن جوهر سلطتها كان مستمدًا من شخصيته. واعترف خليفته، نيكيتا خروتشوف، بكلبية بجرائم ستالين من أجل توسيع سلطته الخاصة وتقديم نفسه في صورة أكثر «ليبرالية». لكن «نزع الستالينية» لم يفعل شيئًا لتغيير هياكل النظام الأساسية. وظل الشغيلة مستغلين ومضطهدين. ومع ذلك، فتحت هذه العملية مجالًا للمعارضة والانشقاق، وأثارت آمالًا لدى بعض شرائح المجتمع. في المجر، حلّ المصلح إيمري ناجي لفترة وجيزة محل راكوزي في عام 1953. وعاد راكوزي إلى السلطة في عام 1955، لكن موسكو أقالته في يوليو 1956 وابدلته بحليفه إرنو جيرو، وهو من أنصار الخط المتشدد أيضًا. وقد بعثت فترة تولي ناجي السلطة القصيرة الأمل في نفوس الشغيلة والطلاب والمثقفين المجريين، وتم إحياء ذكرى عزله عن منصب الرئاسة وسط موجة من السخط. ولم تكن المجر، في الواقع، حالة منعزلة. فقد اندلعت بالفعل انتفاضات عمالية في ألمانيا الشرقية عام 1953 وفي بولندا، في بوزنان، في يونيو 1956.
بدأت دوائر معارضة تتشكل داخل الحزب الشيوعي المجري: دائرة بيتوفي في بودابست، ودائرة كوسوث في ديبريتسين، واتحاد الكتاب. وكانت هذه الدوائر تتألف من مثقفين وطلاب يؤيدون ناجي ويرغبون في إجراء إصلاحات. ورغم أنهم لم يكونوا جذريين، فقداجتذبوا أعضاء جددًا مقتنعين بإمكان التغيير.
لم يكن الشغيلة منخرطين في هذه المجموعات. ومع ذلك، أثرت بعض أفكارها، مثل منح الشغيلة سلطة أكبر في اتخاذ القرارات المتعلقة بتنظيم الإنتاج، على بعضهم واندمجت مع السخط الذي كان يتصاعد بالفعل في المصانع والمزارع. كان جدي يتذكر الأجواء السائدة في ذلك الوقت، والتي عبرت عن حالة العديد من العمال الذهنية:
«لم نكن نرغب مطلقًا في الانضمام إلى أي من هذه [المجموعات المعارضة الرسمية]… لكن كل هذا الحديث عن التغيير والصراعات الداخلية في القمة بدأ يجعل الكثيرين منا يعتقدون أن هذا الحزب الذي يُزعم أنه متماسك لم يكن كذلك إلى هذا الحد في نهاية المطاف. «
وهكذا ظهرت الشقوق الأولى. في خريف ذلك العام، في مصنع ببودابست، اتخذ اجتماع لجنة المصنع طابع المحاكمة. وتسجل محاضر الاجتماع تصريحات الرئيس، هورفاث، وهو يدافع عن نظام حساب الأجور أمام شغيلة أصبحوا يرفضون إخراسهم.
«لم يسبق لأحد من قبل أن هاجم نظام حساب الأجور بهذه الشدة»، صرخ هورفاث.
«لكن هل نحن على حق؟ أجيبوا على هذا السؤال»، قاطعه صوت.
«أنا من يتحدث!» صرخ هورفاث. «عندما أنتهي، أيها الرفيق، يمكنك طلب الكلمة. «
«لا يمكنهم منعنا من طرح الأسئلة… فهذا حق لنا»، صرح رئيس العمال لينجيل.
كانت هذه المشاهد الصغيرة تتكرر في بودابست؛ أما في الريف، فكانت تظهر بشكل أكثر خفية. في حقول النفط جنوب زالا، لم يثر تشديد معايير الإنتاج طوال عام 1955 سوى القليل من الاحتجاجات العلنية، لكنه أدى إلى الكثير من «أعمال التخريب البدائية، وانعدام الانضباط، والإهمال البسيط»، على حد تعبير أحد مسؤولي الحزب. لم تكن هذه الأفعال موجهة بعد ضد الحكومة. لكن الظاهرة نفسها كانت تتكرر من مصنع إلى مصنع، ومن مزرعة إلى مزرعة: قوة عاملة من العمال والفلاحين لم تقبل أبدًا حق النظام في الحكم، ورجال مثل جدي، الذين فقدوا أراضيهم وظلوا لسنوات يحملون ضغينة تجاهه.
قبل أشهر من الثورة، بدأ عمال المعادن إضرابًا في مصنع الصلب «ستالينفاروز»، الذي كان جوهرة ومفخرة الصناعة الحكومية المجرية.
كيف بدأت الثورة
كان جدي يتذكر:
«كانت تلك أول مظاهرة أحضرها، لأن مثل هذه الأمور لم تحدث قط في المجر طوال حياتي. لن أنسى أبدًا الفرحة العامة، وهي أمر نادر جدًّا في المجر. كان الجميع يوزعون منشورات سياسية تتضمن مطالبهم، ويتناقشون، ويتبادلون الآراء. لم أكن أحب الشيوعيين [الإصلاحيين]، لكنني كنت أقدر أفكارهم. وكنت أعتقد أيضًا أن ناجي كان شخصًا طيبًا، تحركه نوايا حسنة. لكننا كنا هناك، في الشارع، نطالب بأمور بدت مستحيلة قبل بضعة أيام. كيف يمكن ضمان تلبية هذه المطالب؟»
كان هذا كان سؤالاً وجيهاً، ولم يكن لدى الإصلاحيين إجابة عليه. استغرق الأمر ثلاثة عشر يوماً وسُفكت دماء غزيرة حتى توصل العمال المجريون إلى إجابة. كانت الاجتماعات الطلابية في جميع أنحاء البلد قد دعت إلى التظاهر تضامناً مع الحركة العمالية البولندية. في البداية، سمح النظام بذلك وبث التفاصيل عبر الإذاعات الرسمية. «كان هذا أمراً لم يسبق له مثيل في المجر»، تابع جدي.
«لم نكن نكنّ احتراماً كبيراً لمنظمي المظاهرات. لكنها كانت فرصة للتعبير عن شكل من أشكال المعارضة للحكومة، وهو ما جذبنا. لكننا كنا نشعر أيضًا أن العمال في بولندا يطالبون بالتغيير، وأن الأمر يستحق النزول إلى الشارع أيضًا. فقررنا أنا وبعض زملائي الذهاب للتظاهر في المدينة بعد العمل.»
ثم جاء الإعلان عبر الإذاعة بسحب الإذن. «على العكس»، قال جدي، «لم يؤد ذلك إلا إلى تعزيز عزمنا، لأننا أصبحنا نرفض الاستماع إلى الحكومة». في صباح اليوم التالي، كان النظام عاجزاً أمام التجمع. وصف تاماس أزيل، وهو مفكر مقرب من «دائرة بيتوفي»، لاحقاً الصدمة التي شعر بها عندما أدرك أن النقاش لن يقتصر على الكتّاب: « عندها أدركنا، أدرك الجميع، أن الأمر لم يكن يقتصر على بضعة مثقفين شيوعيين فحسب، بل إن الجميع كانوا يشاطرون نفس شعور السخط تجاه النظام». واعترف مثقف بارز آخر لاحقًا بأن «فكرة الانتفاضة لم تخطر ببالنا أبدًا».
في تلك المرحلة، لم يكن المتظاهرون يرغبون في ثورة. لم يكن أحد يحمل أسلحة، ولا حتى حجارة. كان يقود المظاهرات أعضاء من الحزب الشيوعي، يرفعون صور لينين وإيمري ناجي، وكان المطلب الأكثر تواترا هو تولي ناجي السلطة. في بودابست، تجمع الحشد أمام تمثال جوزيف بيم، البطل البولندي للثورة المجرية عام 1848، حيث قرأ اتحاد الكتاب مطالبهم: مزيد من الاستقلالية للمجر داخل الكتلة السوفيتية، ومصانع يديرها الشغيلة والمتخصصون بشكل مشترك، وحرية الفلاحين في اختيار الانضمام إلى تعاونية أم لا، وإعادة ناجي إلى منصب رئيس الوزراء. وكان المتظاهرون يرددون «النشيد الوطني» لساندور بيتوفي، وهو نشيد ثوري لانتفاضة عام 1848 ضد الإمبراطورية النمساوية (قصيدة يحفظها جدي عن ظهر قلب).
ثم بدأت الحشود تتجه نحو ساحة البرلمان، في ديبريتسين كما في بودابست. حاول ناجي مخاطبة الحشود في بودابست، لكن نداءاته إلى الهدوء والنظام لم تلق أي صدى. كانت المظاهرات تجذب أشخاصًا يطالبون بأكثر بكثير من مجرد بعض الإصلاحات. «بدأ الكثيرون منا يصرخون: “اخرجوا أيها الروس! الموت لراكوسي! انتخابات حرة ونزيهة!”،“ كما روى جدي. «وكان آخرون يهتفون: ”ناجي إلى السلطة!“
ثم انتشر خبر أن جيرو قد شجب المتظاهرين، متهمًا إياهم بالسعي إلى «تسميم المجر وزرع الفوضى». وفي بودابست، توجهت مجموعة من المتظاهرين إلى الإذاعة المجرية للمطالبة بحق بث رد. وسار آخرون إلى تمثال ستالين الضخم في الحديقة البلدية وقاموا بخلعه بالمطرقة والحبل، ولم يتركوا سوى حذائه. وفي ديبريتسين، كان المتظاهرون، مثل جدي، يزيلون رموز النظام من المباني والأماكن العامة.
أمام مبنى الإذاعة المجرية، كانت صفوف ضخمة من رجال الشرطة تحاصر المبنى. أرسلت الحشود وفدًا صغيرًا إلى الداخل. مر الوقت دون أن يعود أعضاء الوفد، فاندفعت الحشود نحو حواجز الشرطة. في البداية، استُخدمت الغازات المسيلة للدموع، لكن الحشود ظلت مصممة. ثم انطلقت رشقات من الرشاشات.
كان هذا التصرف البسيط إيذاناً ببدء الثورة. سقط بعض المتظاهرين. أما بالنسبة لآلاف آخرين، فقد تغيرت معاني المظاهرة بالنسبة لهم: إذا لم يقضوا على عدوهم، فسيقضي هو عليهم. قاتلوا بالحجارة وقنابل المولوتوف، وطلب المتظاهرون الذين يخدمون في الجيش من وحداتهم توزيع الأسلحة على الحشود. وانجرف العمال، الذين كانوا حتى ذلك الحين على الهامش، إلى خضم الاشتباكات. واستمرت معارك الشوارع طوال الليل. وأُقيمت الحواجز، وأُضرمت النيران في مكاتب الحزب ومحطات إذاعة الشرطة السرية AVH ، وتم إعدام أعضاء «AVH»، الذين كانوا شخصيات مكروهة، في وضح النهار. أُرسلت الدبابات الروسية، لكنها واجهت، شارعًا تلو الآخر، كتائب صغيرة من الشباب المسلحين بقنابل «مولوتوف». في نهاية الليل، كانت محطة الإذاعة في أيدي المتمردين، وكانت مقدمة سيمفونية «إغمونت» لبيتهوفن تتردد بأقصى صوت.
كما تم الإجابة على سؤال جدي في ديبريتسين:
«رفض الجنود إطلاق النار علينا عندما وصلنا إلى البرلمان. لكن قوات الشرطة السرية فتحت النار وقتلت حوالي ثلاثين أو أربعين شخصًا. أما من لم يكن مسلحاً منا، فقد حصل على أسلحة من الجنود أو عاد إلى منزله لجلب بنادقه الصيد. عدنا إلى مزارعنا ومصانعنا وأحيائنا، وأبلغنا زملاءنا وجيراننا بالوضع، ونظمنا أنفسنا في وحدات مسلحة ووفود، واستعدنا لمواجهة قوات الشرطة السرية.و في الصباح، انتشر خبر الاشتباكات في بودابست وسقوط حكومة جيرو. تجمعنا جميعًا في جامعة لاجوس كوسوث — من مندوبي جميع المصانع والمزارع الكبرى، وضباط الثكنات، وممثلي قادة المظاهرات — لمناقشة الأمر واتخاذ قرار بشأن الخطوات التالية. أُعلن إضراب عام، وبعد بضعة أيام، سقطت الحكومة. «
أدى قمع المتظاهرين السلميين العنيف إلى إثارة استياء عميق، تغذى عليه ما يقرب من عقد من الدكتاتورية والفقر ووحشية الشرطة. وفي غضون أيام قليلة، انهار جهاز القمع التابع للدولة، الذي بدا قويا في الأسبوع السابق ، حتى وإن كان جزء من آليته الإدارية لا يزال يعمل خلف الكواليس. سلم رجال الشرطة والجنود أسلحتهم إلى الثوار. ورفعت دبابات الجيش الأعلام المجرية بعد أن قُطعت الشارات الروسية منها.
تم إعلان تشكيل حكومة جديدة، برئاسة ناجي، في 24 أكتوبر. صدر مرسوم يطالب القوات الروسية بـ«استعادة النظام العام»، بينما صدر مرسوم آخر يفرض الأحكام العرفية. لم يكن لهذه الإجراءات أي تأثير على القتال. عم إضراب عام جميع أنحاء البلد، مطالبًا بانسحاب جميع القوات الروسية وتقديم المسؤولين عن المذابح إلى العدالة.
ازدهار مجالس العمال
لم تقتصر المعركة ضد الديكتاتورية على المواجهة المسلحة مع الدبابات الروسية وفلول الشرطة السرية. منذ ثالث أيام الثورة، في 26 أكتوبر، كانت المؤسسات تُنشأ في كل مكان للتعبير عن السلطة الشعبية الجديدة. كانت المجالس الثورية تتشكل في المدن والقرى والأحياء، وفي غرف التحرير والوزارات، وفي الجامعات والمزارع الجماعية، وقبل كل شيء في المصانع. انتقلت إدارة المصانع، وتوزيع المواد الغذائية ونشر الصحف انتقلت من أيدي جهاز الدولة الآخذ في الانحسار إلى أجهزة السلطة الشعبية الجديدة. وصف لي جدي كيفية إنشاء وعمل نظام الديمقراطية العمالية هذا في كولخوزه وفي مدينة ديبريتسين بأكملها.
في كل مصنع ومزرعة ومبنى إداري، ثكنة، وجامعة، ومدرسة، أنشأنا مجالس للتصدي للمذابح واتخاذ قرارات بشأن كيفية القضاء على قوات الشرطة السرية والنظام الشيوعي. في مزرعتنا، بدلاً من السماح لبيروقراطي غير كفء بإملاء السلوك علينا، قمنا بإقصاء من لا نرضى عنهم وانتخبنا من كانوا مفيدين حقًا، جنبًا إلى جنب مع عمال آخرين مثلي — الأكثر التزامًا أو الأكثر مبادرة. كانت لي سلطة لأنني كنت من أوائل من حملوا السلاح، ولأنني، في نظر الكثيرين، لم أكن عضوًا في الحزب الشيوعي.
«كانت لدينا أيضًا فرق مسلحة: ميليشيا. كنا نجري انتخابات وإعادة انتخابات حسب الحاجة، مما كان يتطلب تغيير الأدوار بشكل متكرر وفقًا للمتطلبات. كنتُ مندوباً في العديد من الاجتماعات الأولية في ديبريتسين، ثم تغير دوري عندما ذهبتُ إلى بودابست لتزويد المقاتلين بالطعام والإمدادات الطبية. كنا ننظم كل صباح، أو كلما رأينا ذلك ضرورياً، اجتماعات ونناقش الخطوات التالية. وإذا لم يعجب زملاؤك كلامك أو أفعالك، كان بإمكانهم الدعوة إلى اجتماع، والتعبير عن مخاوفهم، وإجراء تصويت، وفي حالة الهزيمة، عزل منصبك. كان ذلك عكس الديكتاتورية تمامًا. كانت تلك هي الديمقراطية العمالية. «
في جيور، سيطر المجلس الثوري على المنطقة بأكملها. وكان المجلس الوطني لجيور أحد أقوى الهيئات التي ظهرت خارج بودابست، وكان يرأسه أتيلا سيجتي، الذي كان، على عكس العديد من المندوبين الشباب في أماكن أخرى، موظفًا سياسيًّا في ظل الحكومة الشيوعية السابقة قبل الثورة. كانت المجالس تستمد قادتها من حيثما كانوا موجودين فعليًّا، بما في ذلك من داخل الجهاز نفسه الذي كانوا يعملون لإطاحته. وفي ميسكولك، كان مجلس العمال والبرلمان الطلابي يمسكان بزمام السلطة. وفي ديبريتسين، استولى «اللجنة الاشتراكية الثورية في ديبريتسين» على السلطة في المدينة بأكملها.
كان بيتر فراير عضوًا في الحزب الشيوعي البريطاني ومراسلًا لصحيفته «ديلي ووركر». أُرسل إلى المجر لتغطية ما قُدم له على أنه ثورة مضادة فاشية، لكنه اكتشف «ثورة عمالية حقيقية». في مبنى بلدية جيور، كتب أن اللجان — التي كانت تشبه بشكل لافت للنظر المجالس الروسية في عام 1905 وشهر فبراير 1917 — كانت متجانسة بشكل ملحوظ.
«كانت هذه اللجان في آن واحد أجهزة انتفاضة – وهي تجمع للمندوبين المنتخبين من المصانع والجامعات والمناجم والوحدات العسكرية – وأجهزة حكم ذاتي شعبي يثق بها الشعب المسلح. وبالطبع، كما هو الحال في أي ثورة حقيقية «من القاعدة»، كان هناك «الكثير» من المناقشات، والخلافات، والمشاحنات، والترددات المستمرة، والاضطراب، والنشاط الحماسي، والغليان. هذا جانب من جوانب المسألة. أما الجانب الآخر، فهو صعود رجال ونساء وشباب عاديين إلى مناصب المسؤولية، بعد أن كانت هيمنة «القوات المسلحة» قد همشتهم. فقد دفعتهم الثورة إلى الصدارة، وأيقظت فخرهم المدني وعبقريتهم التنظيمية الكامنة، وحثتهم على العمل من أجل إعادة بناء الديمقراطية على أنقاض البيروقراطية. «
أعلنت الحكومة، مع توسع المجالس، عن تنازلات جديدة لاستعادة سلطتها، وذهبت إلى حد الاعتراف بالمجالس نفسها، بهدف السماح لجهاز الحزب بالسيطرة عليها. في كثير من الحالات، انقلبت هذه الخطة ضده. في مصنع للهواتف في بودابست، وجد عامل كان قد أمضى يوم 25 أكتوبر في التظاهر في الشوارع، في اليوم التالي، 800 من زملائه البالغ عددهم 3000 متجمعين في قاعة المصنع، يستمعون إلى الإدارة وهي تحاول توقع الأحداث القادمة. وكان «SZOT»، أي المجلس الوطني للنقابات، قد طالب بإنشاء مجالس عمالية حتى يكون للعمال رأي في شؤون المصنع.
فسر العمال هذا النداء بشكل مختلف عما كان يتوقعه كل من المجلس الوطني للنقابات ومقر الحزب: فقد أخذوه على محمل الجد. ولذلك انتخبوا ممثليهم في المجلس، وليس الأشخاص الذين اقترحتهم الإدارة. وكان تسعة عشر أو عشرون عضوًا من أصل خمسة وعشرين عضوًا في المجلس من العمال وليس من المديرين، وكان حوالي نصفهم في العشرينات من العمر وقد أصبحوا أشد راديكالية بسبب الاشتباكات التي وقعت في اليومين السابقين. طلب المدير البقاء، ولكن فقط بصفته عاملًا عاديًا، وهو المنصب الذي كان يشغله قبل ترقيته، ووافق العمال على ذلك.
كان من المفترض أن يؤدي الاعتراف بالمجالس إلى وضعها تحت سيطرة الحزب. لكن بدلاً من ذلك، منح هذا الاعتراف شرعية رسمية لأفعال النشطاء الأصغر سناً والأشد راديكالية، الذين انتهى بهم الأمر إلى السيطرة على المجالس بدلاً من مسؤولي الحزب.
أرسلت المجالس الأفضل تنظيماً وفوداً للقاء الوزراء والضغط عليهم لتلبية مطالبهم. انضم جدي إلى إحدى هذه الوفود من أجل إيصال المواد الغذائية والإمدادات الطبية إلى بودابست والضغط على الحكومة المركزية لتلبية مطالبهم. وقال إنه من مجلس إلى آخر، كانت نبرة التصريحات هي نفسها دائمًا: «سنقدم دعمنا الكامل للحكومة الجديدة… عندما تقبل برنامجنا، ولا سيما انسحاب القوات الروسية.»
كان أمام الحكومة المركزية خياران: سحق الثورة بلا رحمة، بنشر عدد هائل من القوات والدبابات الروسية، أو تقديم تنازلات كبيرة للمتمردين. اختارت الحكومة وقادة الحزب الخيار الثاني. ظهر ناجي على شاشة التلفزيون، مؤكداً أن معظم المتمردين لم يكونوا من المعادين للثورة، ووعد بانسحاب القوات الروسية الفوري من بودابست. وفي ليلة 31 أكتوبر، لم تكن هناك أي وحدات روسية مرئية في المدن الكبرى. كما أعلن ناجي تشكيل حكومة جديدة تلغي نظام الحزب الواحد وتعلن الاعتراف الرسمي بالمجالس العمالية والمجالس المحلية. وبدا أن الثورة قد انتصرت.
الجزء الثاني: ثورة لم تكتمل
أهمية مجالس العمال
في أواخر أكتوبر، كان جدي عضوًا في مجلس مزرعته الخاصة ويشارك في اجتماعات اللجنة الاشتراكية الثورية في ديبريتسين. ومع ذلك، فإن الرأي السائد في أوساط اليسار، سواء في الغرب أو في الشرق، كان سيصفه هو وجميع من حوله آنذاك بأنهم «معادون للثورة».
كان التفسير الأكثر تبسيطًا للأحداث هو أنها «ثورة مضادة» قادها الفاشيون وعملاء الغرب. إلا أن أولئك الذين عارضوا قيادة الحزب طوال عام 1956 ونظموا مظاهرات 23 أكتوبر كانوا في الغالب أعضاء مخلصين في الحزب الشيوعي المجري. أما بالنسبة للأحداث التي تلت ذلك، فهناك شهادات عن فاشيين منفردين حاولوا الاستيلاء على السلطة، ولا شك في أن الغرب حاول التلاعب بالحقائق لتحقيق مآربه الخاصة، لكن هذه لم تكن الدينامية الرئيسية. أُرسل بيتر فراير إلى المجر لغرض وحيد هو تغطية هذه «الثورة المضادة الفاشية»، ليكتشف بدلاً من ذلك ثورة عمالية حقيقية.
اعترف معلقون آخرون بأن هذا قد يكون صحيحًا. ورغم أن دوافع الأشخاص المعنيين كانت نبيلة وعادلة وبالتأكيد غير فاشية، إلا أنها أدت، في واقع الأمر، إلى إضعاف الدولة وتمهيد الطريق لثورة مضادة، لـ«إعادة إحياء الرأسمالية». هذا الادعاء خاطئ من نواحٍ عديدة. فهو يوحي بأن العمال الذين سيطروا على مصانعهم من خلال مجالس العمال سيعيدونها، لسبب أو لآخر، إلى الرأسماليين الخاصين. (تخيل أن تقول لمندوبي المزرعة الجماعية التي كان يملكها جدي إن مكافأتهم تتمثل في إعادة الملاك الإقطاعيين السابقين الذين كانوا يحتقرونهم بنفس القدر!) وهي توحي بأن الفلاحين الذين تحرروا من المصادرة القسرية للحبوب سيعيدون أراضيهم إلى ملاك ما قبل الحرب. ومن يعرف تاريخ الفلاحين يعلم أنهم سيقاومون أي محاولة، أيا كان مصدرها، تروم سلب أراضيهم. أما بالنسبة للعمال، فإن أولئك الذين يعتقدون أنه في خضم الثورة، هناك حاجة إلى حراسة شرطية لمنعهم من تسليم مصانعهم للرأسماليين، لا يؤمنون بقدرة العمال على قيادة العالم. ولهذا السبب، فإن العديد من تلك البيانات نفسها التي كانت تطالب بانتخابات حرة وانسحاب القوات الروسية كانت تعلن أيضًا: لا نريد العودة إلى ملاك الأراضي قبل الحرب، ولا تسليم المصانع إلى الرأسماليين، ولا المناجم إلى الأباطرة، ولا جيوشنا إلى أعداء الشعب الفاشيين.
كان العمال يقترحون بديلاً: شكلاً من أشكال التنظيم الاجتماعي يتفوق على كل من الرأسمالية الحكومية البيروقراطية لراكوسي والرأسمالية الحكومية الاحتكارية الغربية، ويقوم على سيطرة العمال على المستوى القاعدي وعلى إنتاج يلبي الاحتياجات البشرية، وليس الربح أو المنافسة. ومن خلال بناء هذا النظام، أعادوا اكتشاف، دون أي سابقة تاريخية، تقاليد المجالس التي ظهرت في عامي 1905 و1917، وتحدوا الطبقات الحاكمة في الشرق والغرب على حد سواء.
القوى الطبقية
يقتضي فهم هيكل المجالس معرفة من كان يشغل أي منصب. كانت المجر، قبل عام 1956، مقسمة إلى ثلاث طبقات رئيسية: العمال، والفلاحون، والبيروقراطية السياسية المركزية، التي كانت تسيطر على وسائل الإنتاج وتجبر العمال على بيع قوة عملهم والفلاحين على بيع محاصيلهم. أُجبر جدي، الذي يتحدر من الطبقة الفلاحية، على الانضمام إلى الطبقة العاملة. وكانت على قمة البيروقراطية حلقة مغلقة تتخذ القرارات نيابة عن الإدارة بأكملها، شبيهة بالمديرين العامين في شركة رأسمالية، باستثناء أنها كانت تركز ليس فقط القرارات الاقتصادية، بل أيضًا السيطرة على الشرطة واستخدام القوة العسكرية.
في القمة، كان ناجي يرغب في إجراء إصلاحات لأنه اعتبرها أفضل وسيلة لخدمة مصالح البيروقراطية، في حين أراد راكوزي وجيرو الحفاظ على الوضع الراهن. وكان يقف وراء ناجي دوائر بيتوفي وكوسوث، التي رأت في برنامجه الإصلاحي وسيلة لتحسين أوضاعها دون إحداث اضطراب كبير في النظام القائم. كانوا يريدون «تهدئة التوترات»، و«احتواء الحركة»، و«ضمان طابعها السلمي»، وليس إحداث ثورة اجتماعية. ربما كان جدي قد التقى بهؤلاء الأشخاص في بياك. لكنهم أجابوا على سؤاله بتسليم السلطة إلى ناجي وترك اتخاذ القرارات له.
كان الانتفاضة الشعبية التي انطلقت من القاعدة مغايرة تمامًا. كانت المجالس العمالية هيئات عفوية عكست تركيبتها وبرامجها طريقة تشكلها. وكان العديد من المتحدثين باسمها من المناضلين السابقين في الحزب الاشتراكي الديمقراطي والنقابات، ومن بينهم من سُجنوا في عهد ديكتاتورية هورثي قبل الحرب أو في عهد راكوسي. أما الآخرون، فكانوا عديمي الخبرة السياسية بسبب صغر سنهم. وكان هذا صحيحًا بشكل خاص في مصانع الأحياء العمالية الكبرى في تشيبل، وأويبست، وبيتش، وميسكولك، ودونابنتيل.
في المزرعة الجماعية التي كان يعمل فيها جدي، على مشارف ديبريتسين، كان العمال الشباب أمثاله يهيمنون على المجلس: شباب تحولوا حديثًا إلى البروليتاريا، قادمون من الريف وبدون أي تقاليد في الحركة العمالية.
في مصنع الهواتف المذكور سابقًا، كان العمال الأكبر سنًّا يرون أن على الشباب تولي زمام الأمور: فإذا كانوا قادرين على شن نضالٍ بهذه العظمة، فهم قادرون تمامًا على تمثيل المصنع. كان حوالي 90٪ من أعضاء هذا المجلس ينتمون إلى الحزب، لكن العمال كانوا يثقون بهم لأنهم دافعوا عنهم دائمًا، ولم يُنتخب سوى الرجال النزيهون.
في مناقشات المجلس، نرى كيف شوهت الستالينية كل شيء وأفسدته. أولئك الذين كانوا يتحدثون بلغة ماركسية متخصصة كانوا غالبًا الأكثر تحفظًا، وليسوا الأكثر نضالاً ووعياً بطبقتهم. وكان العديد من العمال الأكثر التزاماً ونضالاً يرفضون المصطلحات الرسمية للثورة الاشتراكية ويعارضون الحزب الشيوعي بشدة. بالنسبة لعمال مثل جدي، كانت هذه المصطلحات تذكرهم براكوسي، بل وحتى ناجي، والأعلام الحمراء التي كانت ترفرف فوق مباني الشرطة السرية ومعسكرات العمل القسرية حيث تعرضت عائلاتهم ومجتمعاتهم للتعذيب أو اختفت.
«من الذي سيتعاطف، بضمير حي، مع تلك الأعلام الحمراء نفسها التي كانت ترفرف فوق مباني الشرطة السرية ومعسكرات الاعتقال التي سجنت وعذبت شعبنا؟ «، كان جدي يعلق بذلك في كثير من الأحيان. وكان العمال يتحدثون غالبًا عن الاشتراكية بدلًا من الشيوعية. وكان البعض يقصدون بذلك إصلاحات مشابهة لتلك التي نُفذت في بولندا. بينما كان آخرون يسعون إلى استعادة المثل الأعلى الذي كان موجودًا في ذروة الثورة الروسية عام 1917، دون معرفة تاريخها أو الدروس المستفادة منها، لأنها دُفنت تحت وطأة الستالينية. ومع ذلك، فإن شعارهم، «المصانع والمزارع لنا»، كان يلخص جوهر الماركسية الثورية.
ازدواجية السلطة
في كل ثورة اجتماعية كبرى، ينهار جهاز الدولة الذي يمثل الطبقة الحاكمة القديمة ويحافظ عليها. يجب على كل طبقة ثورية أن تنشئ أجهزة السلطة الخاصة بها لإعادة تشكيل المجتمع وفقًا لمصالحها الخاصة. هذا الوضع الذي يتسم بوجود ازدولجية سلطة هو بالضبط ما حدث في المجر. من جهة، كانت هناك حكومة ناجي، التي كانت، على الأقل رسميًا، هي التي تحكم. كانت تسيطر على المباني الوزارية في بودابست وكانت معترفًا بها من قبل الدول الأخرى. ومع ذلك، فقدت كل قدرتها على العمل. كان الجيش قد تفكك. وهربت قوات الشرطة السرية كالجرذان. كانت المجالس الثورية الجديدة في كل مكان، في الأحياء والمقاطعات، وفي الشوارع والمصانع والمزارع، هي التي تستطيع تحريك الأمور. كان جدي يلخص الوضع في جميع أنحاء البلاد قائلاً: «هل تحتاج مصنع أو مزرعة إلى العمل؟ اسألوا المجلس. هل تحتاجون إلى طعام؟ اسألوا المجلس. هل تحتاجون إلى أدوية؟ اسألوا المجلس. هل تحتاجون إلى سكارى واضطرابات في النظام العام؟ اسألوا المجلس.»
على الرغم من انه غالبا ما يجري ربطها بالثورة، كانت حكومة ناجي مؤسسة معادية للثورة. كان أول إجراء اتخذته هو إعلان الأحكام العرفية واستدعاء الدبابات الروسية. بعد فشل هذا الإجراء وانهيار جهاز القمع، اعتمدت على هيبة ناجي بصفته إصلاحياً لإنقاذ شرعيتها. كانت استراتيجية الستالينيين المتشددين مثل جيرو، القائمة على القمع الوحشي، قد فشلت بشكل واضح. وقد حان الوقت الآن لتجربة ستالينيين أكثر اعتدالاً مثل ناجي.
وهذا يوضح تناقضا ثانيا يميز أي ثورة: أن أولئك أنفسهم الذين يقومون بأكثر الأعمال ثوريةً يظلون خاضعين للأفكار القديمة. فقد كان بإمكان عمال مثل جدي أن يعتقدوا في الوقت نفسه أن النظام الستاليني يجب تدميره، وأن يشغلوا مناصب مندوبين في مجالس العمال، وأن يقودوا ميليشيا، بينما كانوا ينظرون إلى ناجي، على حد تعبيره، «شخصًا حسن النية»، دون أن يدركوا أن هذه المجالس نفسها يمكن أن تصبح أساسًا لنوع جديد من سلطة الدولة. الغريزة التي كانت تحركهم، «المصانع لنا»، ظهرت دون الإطار السياسي اللازم لتوضيح تداعياتها: فالمجلس الذي يدير مصنعًا اليوم يمكن أن يصبح غدًا ركيزة لحكومة عمالية تقود البلد.
كانت هذه هي المسألة التي طرحها جدي، بدءًا من بياك وصولًا إلى المستوى الوطني: كيف يمكن ضمان تلبية هذه المطالب؟ من سيتحكم في المصانع ويتخذ القرارات الاقتصادية؟ من سيتحكم في الدولة؟ هل سيكون نظام وطني من مجالس العمال المنتخبة أم البيروقراطية المركزية؟ كان من غير المرجح أن تُطرح مثل هذه الأسئلة، ناهيك عن حلها، في غضون بضعة أيام. في روسيا، عام 1917، استغرقت مجالس العمال والجنود ثمانية أشهر للإجابة على هذه الأسئلة. أما العمال المجريون، فلم يكن لديهم سوى أقل من أسبوعين. قدم ناجي التنازل النهائي في الأول من نوفمبر، بإعلانه حياد المجر وإعلان نيته الانسحاب من حلف وارسو. وفي 3 نوفمبر، دعا الروس الحكومة المجرية إلى إرسال وفد للتفاوض بشأن شروط الانسحاب الكامل. ترأس العقيد بال ماليتر الوفد العسكري في المفاوضات، التي بدت وكأنها تسير بشكل مرضٍ طوال فترة بعد الظهر والمساء. في وقت متأخر من الليل، وبينما كانت بودابست غارقة في النوم، قاطع عملاء الشرطة السرية الروسية المحادثات، واعتقلوا الوفد المجري واقتادوه إلى السجن.
الجزء الثالث: الغزو السوفيتي الثاني
الثورة المضادة
«استيقظت يوم الأحد 4 نوفمبر، مثل جميع سكان بودابست، على صوت قصف المدفعية على مشارف المدينة»، هكذا يتذكر جدي، الذي كان ضمن الوفد الذي وصل إلى المكان قبل بضعة أيام. كانت الدبابات الروسية تتدفق، وتتركز حول معاقل المتمردين، ثكنة كيليان وسينما كورفين، التي كانت تقصفها بلا هوادة. أعلن ناجي عبر الإذاعة أن البلد تعرض لغزو روسي بهدف إطاحة الحكومة. لم يكن أحد يعلم بعد أن الوفد العسكري قد اعتُقل.
في ذلك الصباح، قام شخص ما داخل ثكنة كيليان، وكان قريبًا بما يكفي من مالتر لسماع كلا طرفي المحادثة، بتسجيل ما حدث عندما حاول العقيد وقف الهجوم. كانت رد الوزير بعيدًا كل البعد عن أن يكون مشجعًا: « «أنا آسف، أيها الرفيق العقيد. لست في وضع يسمح لي بالتدخل في العمليات العسكرية السوفياتية»، كما ورد في نص المحادثة. تصلب وجه مالتر قائلاً: «في هذه الحالة، سيدي، أحيطك علماً بأنني سأفتح النار على أول دبابة سوفياتية تدخل في نطاق ثكنة كيليان.»
لجأ ناجي ووزراؤه إلى السفارة اليوغوسلافية. وظهر يانوس كادار، العضو السابق في حكومة ناجي، بعد غياب دام بضعة أيام على رأس حكومة جديدة تم تشكيلها ودعمها حصريًّا من قبل الدبابات الروسية. لكن في حين انهارت حكومة ناجي الإصلاحية بسرعة، استمرت المقاومة الشعبية.
رد الشعب المجري بالبنادق والمسدسات، وأحيانًا بالرشاشات الخفيفة، وقبل كل شيء بقنابل المولوتوف. قاد العمال في المراكز الصناعية المقاومة: تشيبل، وأويبست، وبيتش، وميسكولك، وقبل كل شيء، دونابنتيل. جدّي، الذي كان قد توجه إلى بودابست حاملاً مؤنًا وأدوية للمقاتلين، وجد نفسه محاصَرًا في المكان، فانضم إلى المقاومة المسلحة التي نُظِّمت عبر سينما «كورفين»، أحد آخر المعاقل التي سقطت. ويقدم سرده لمعارك الشوارع لمحة عن شجاعة العمال الشباب في مواجهة الغضب الذي كان ينهمر عليهم.
«كانت وحداتنا تتألف عادةً من مقاتل متمرس، مثلي، مسلح ببندقية أو مسدس أو، بالنسبة للأكثر حظاً، رشاش. ثم كان هناك الأصغر سناً، غالباً في الخامسة عشرة أو السادسة عشرة من العمر، وأحياناً أصغر بكثير، أصغر حجمًا وأكثر رشاقة، كانوا يحاولون مفاجأة الدبابات بقنابل مولوتوف وإلقائها داخل مقصوراتها… كانت الدبابات تبدأ القصف في الصباح الباكر، بينما كان الجميع نائمين، لتفاجئ السكان. وكانت تستمر حتى وقت متأخر من الليل. وكانت مبانٍ بأكملها تنهار على سكانها دون سابق إنذار. أما أولئك الذين كانوا يحاولون الفرار أو الاستسلام، فكانوا يُقتلون برشقات نارية من المدافع الرشاشة… لن أنسى أبداً صرخات الفتيان والفتيات، الذين لم يتجاوز عمر بعضهم اثني عشر عاماً، الذين قُتلوا أو، في كثير من الأحيان، تحولت أجسادهم إلى أشلاء، سواء كانوا من مقاتلي الحرية أم لا. «
نفس الوحشية التي سحقت «كومونة باريس» عام 1871 كانت تعصف الآن في شوارع بودابست. لم يجرؤ الكرملين على ترك قواته تواجه خصومها بندقية مقابل بندقية. فقد كان من شأن هذه القوات أن تتأثر بالأفكار المبتكرة التي استحوذت على العمال المجريين وتنضم إليهم. بدلاً من ذلك، قُضِي على أي احتمال للتآخي بواسطة الدبابات التي كانت، حيًا بعد حي، تُحوّل أجزاء كاملة من الأحياء العمالية إلى أنقاض. لقي ما بين 20 ألف و 30 ألف شخص حتفهم في غضون أيام قليلة. أُطلقت نداءات استغاثة إلى الولايات المتحدة و الغرب. لكن القوى الغربية كانت تعلم أن المثل الأعلى الذي كان المقاومون يموتون من أجله — مجتمع لا يحكمه الرأسماليون ولا البيروقراطيون، بل يُدار ديمقراطياً من قبل مجالس العمال — كان يشكل خطراً على السلطة الرأسمالية الاحتكارية بقدر ما يشكل خطراً على منافسها، الرأسمالية الحكومية.
الفترة الثانية من ازدواجية السلطة
على الرغم من أن الدبابات الروسية سحقت المقاومة المسلحة وأقامت حكومة كادار الجديدة، لم تكن تسيطر بعد على الطبقة العاملة المجرية. ورغم أن العمال لم يعد بإمكانهم النزول إلى الشوارع، لم يبدوا أي بادرة على الرغبة في العودة إلى العمل. وهكذا بدأت واحدة من أطول الإضرابات العامة وأكثرها جماهيرية في تاريخ الحركة العمالية. توقف الإنتاج الصناعي، وانقطعت الكهرباء، ونفد الطعام، ولم تكن شبكة الهاتف والبريد تعملان إلا عندما يشاء العمال ذلك.
ومع ذلك، كان لم يكن بد من استمرار الحياة. لم تكن حكومة كادار قادرة على ذلك، لذا وقعت المهمة على عاتق المجالس العمالية. خلال الأيام التالية، تذبذبت نبرة كادار بين الأمل والطلب والتهديد وما يقارب التوسل، دون أن ينجح أي شيء في إقناعهم. واستمر الإضراب. لم يكن العمال يذهبون إلى المصنع إلا لتقاضي رواتبهم، ثم يخرجون على الفور. وكان خطابه في 4 نوفمبر يعد بإدارة عمالية «تستند إلى أوسع نطاق من الديمقراطية» في كل مصنع. لم يكن يؤمن بذلك، لكن هذه الوعود معبرة كثيرا عما كان يعتقد أنه يجب أن يقوله ليُسمع صوته. وواصلت الوفود ممارسة الضغط. وأبلغ عمال مصنع «غانز» للكهرباء كادار أن المفاوضات، قبل خمسة عشر يومًا، أسفرت عن تأكيدات، لكن دون أي إجراءات ملموسة. صاغ مندوبو مصانع الحي الحادي عشر ثمانية مطالب، كانت أكثر تفصيلًا من تلك التي طُرحت في أولى أيام الثورة: الملكية الجماعية للمصانع، التي تخضع لسلطة المجالس العمالية الحصرية ، وإنشاء ميليشيا تابعة للمجالس العمالية وليس للشرطة.
في 12 نوفمبر في أوجبيست، حاول المجلس البلدي الستاليني السابق الانعقاد تحت حماية الدبابات السوفيتية المتمركزة في الخارج؛ وحضر المجلس الثوري الذي حل محله أثناء الانتفاضة إلى الاجتماع نفسه. تم استدعاء مندوبين من جميع مصانع بودابست لتشكيل مجلس عمالي مركزي.
في 13 و14 نوفمبر، اجتمعوا في مصنع مصابيح «إيجيسولت إيزو»، وليس في مبنى البلدية، الذي احتلته الشرطة والقوات السوفياتية في الليل. لم يكن هناك من يراقب المدخل. لم يكن هناك حراس ولا رئيس رسمي لحفظ النظام. ووفقًا لبعض الشهادات، كاد الاجتماع أن ينزلق إلى الفوضى، وكان هذا بالضبط الهدف المنشود: فقد كان الأمر يتعلق بجهة تستجيب للجماهير، لا بتوجيهها. وبدأ «المجلس المركزي لعمال بودابست الكبرى»، الذي تم تشكيله حديثًا، أعماله في مقر نقابة النقل وأصبح على الفور نقطة التجمع للعمال من جميع أنحاء العاصمة.
كان هناك أمران يلفتان الانتباه فيما يتعلق بتكوين الحضور. أولاً، العمر: كان حوالي نصف المندوبين في العشرينات من العمر، وهم عمال نشأوا في صميم النظام نفسه الذي كانوا يحاولون الآن إطاحته. ثانياً، وجود نخبة أكبر سناً إلى جانبهم، رجال مثل ساندور بالي، من قدامى نقابة عمال المعادن قبل الحرب، بعضهم سُجن في عهد هورثي، وآخرون في عهد راكوسي، حاملون لتقاليد نقابية لم يحظَ المندوبون الشباب بفرصة وراثتها قط. كان هذا هو المزيج نفسه الذي عرفه جدي في مزرعته، ولكن على نطاق أوسع بكثير. واجه المندوبون مشكلة كبرى. على الرغم من الإضراب العام، لم يكن لدى العمال القوة الكافية لفرض المطالب التي كانوا يدافعون عنها قبل الرابع من نوفمبر. وتم تبني موقف مصنع «بيلوجانيس» للكهرباء: «نحن لا نعترف رسميًا بحكومة كادار، لكننا مستعدون للتفاوض معها لأنها، سواء اعترفنا بها أم لا، هي سيدة البلد الحقيقية ». ومع ذلك، لم يكن كادار مستعدًا لمواجهة المجالس البلدية. كان المجلس مؤسسة لم يسبق له أن رأى مثلها من قبل: مؤسسة خاضعة حقًّا للديمقراطية الشعبية. لم يكن من السهل كبح جماحها أو إفسادها.
في منتصف نوفمبر، شكّل المجلس المركزي للعمال قوة موازنة وطنية لحكومة كادار. ​​وبموجب تفويض من مندوبين منتخبين من جميع قطاعات النشاط الرئيسية في العاصمة، كان يمارس سيطرة كاملة على سير الاقتصاد الوطني نفسه، وكان يتمتع بسلطة لا يمكنها إجبار أي شخص جسديًا على العودة إلى العمل. لم يكن بإمكان كادار حكم البلاد بدونه.
لكن المجلس لم يكن بوسعه أيضًا انتزاع السلطة منه. فقد هُزمت الطبقة العاملة عسكريًّا. سقطت معاقل المتمردين، واختفت الأسلحة، وكان أمام العمال جيش احتلال سبق أن أظهر، في 4 نوفمبر، ما هو قادر عليه. كان التمرد المسلح أمراً مستحيلاً. لم يكن الافتقار إلى الشجاعة هو ما منع المجالس من الاستيلاء على السلطة. كان التوقيت المناسب قبل الغزو الثاني، خلال الفترة الأولى من ازدواجية السلطة.
توقفت الأوضاع عند هذا الحد. كان بإمكان الإضراب شل البلد، لكنه لم يستطع إطاحة كادار. ​​كانت دبابات كادار قادرة على السيطرة على الشوارع، لكنها لم تستطع إعادة تشغيل المصانع. وكلما طال أمد الصراع، كلما كان ذلك في صالح معسكر الدبابات، لأن العمال لم يتمكنوا من العيش في إضراب إلى الأبد.
حل المجالس
دعا قادة المجلس إلى تراجع تكتيكي: إنهاء الإضراب مقابل تنازلات، لأن البديل كان إضرابًا سينهار تحت وطأة الجوع ويؤدي إلى سقوط سلطة المجلس. في 16 نوفمبر، وافق المجلس على استئناف أعماله بشرط أن تبدأ المفاوضات فعليًّا. لكنها لم تُجرَ. كان كل يوم يمر يقرب كادار من إنشاء جهاز دولة جديد. لا يمكن لسلطتين أن تتعايشا لفترة طويلة. ربما كان بعض قادة المجلس يعتقدون أنه يمكنهم التعايش مع كادار، حتى لو كان ذلك على حساب الاحتجاجات، لكن كادار كان يعلم أن التعايش معهم مستحيل.
في 6 ديسمبر، حاولت السلطات اعتقال اثنين من قادة المجلس، هما ساندور راتز وساندور بالي، في مكان عملهما. ولم يتمكنا من البقاء أحرارًا إلا بفضل المقاومة الجسدية التي أبداها زملاؤهما في مصنع بيلوجانيس. في 11 ديسمبر، بعد ثلاثين يومًا من تأسيسه، تم تفكيك «المجلس المركزي لعمال بودابست الكبرى» — أول مجلس عمالي حقيقي في أوروبا منذ ما يقرب من أربعين عامًا — بالكامل. رد العمال بإضراب عام جديد. وأضربت اثنا عشرة مصنعًا اخآ احتجاجًا على هذه الاعتقالات. وفي تشيبل، نظم العمال اعتصامًا. وعلى الرغم من شجاعتها وبطولتها، هُزمت الطبقة العاملة المجرية وأُجبرت على العودة إلى العمل. وفي 6 يناير، حلّ مجلس عمال تشيبل نفسه، معلناً:
«لقد حالت الأحداث دون النهوض بالتفويض المعطى لنا. دورنا الوحيد هو تنفيذ أوامر الحكومة. لا يمكننا تنفيذ أوامر تتعارض مع التفويض المسند لما… نرى أن استمرارنا في العمل من شأنه أن يساهم في تضليل أعضائنا. لذا، فإننا نعيد تفويضنا إلى العمال.»
في أبريل، برر نائب رئيس الوزراء، أنتال أبرو، الحل الرسمي للمجالس الأخرى بحجة أن «تكوينها كان غير ملائم تمامًا ». استغرق النظام ما يقرب من ستة أشهر لإكمال ما كان من المفترض أن تنهيه الدبابات في صباح يوم أحد واحد من شهر نوفمبر. بالنسبة للبيروقراطيين في الحزب، كانت المجالس العمالية كابوسًا يذكرهم بأكبر مخاوفهم. أما بالنسبة للعديد من العمال المجريين، فقد ظلت هذه المجالس رمزًا قويًا لتطلعاتهم الحقيقية.
لماذا فشلت الثورة؟ هل كان من الممكن أن تنجح؟
التفسير الأكثر شيوعًا هو أن المجر كانت معزولة، وأن الدبابات الروسية كانت تتفوق عليها ببساطة من حيث التسلح. هذا صحيح إلى حد ما، لكنه يحجب فشلًا أكبر. فقد كانت الثورة مقيدة ومعوقة باستمرار من قبل حكومة ناجي، التي لم تنفصل أبدًا بشكل نهائي عن البيروقراطية التي انبثقت منها، وسعت باستمرار إلى كبح الحركة التي كان من المفترض أن تقودها، وأرست في النهاية أسس الهزيمة العسكرية الساحقة خلال الغزو الروسي الثاني. لو كان العمال قد استولوا على السلطة، لكان من الممكن أن تتوحد المقاومة المسلحة وتنسق جهودها، بدلاً من تلك المقاومة البطولية، التي كانت فوضوية تمامًا وغير فعالة.
في الفترة الثانية من ازدواجية السلطة ، كان مثل هذا الجهاز موجودًا بالفعل. كان المجلس المركزي لعمال بودابست الكبرى، من حيث هيكله وسلطته، مشابهًا لمجلس بتروغراد السوفيتي عام 1917. لكنه ظهر متأخرًا جدًّا، بعد الهزيمة العسكرية للطبقة العاملة. كان ينبغي أن يحدث التمرد الذي قد يغير مسار الأحداث في الفترة الأولى من ازدواجية السلطة ، قبل 4 نوفمبر. لماذا لم تظهر أي سلطة مضادة على صعيد وطني في ذلك الوقت؟ يكمن السبب الجوهري في غياب حزب ثوري قادر على حشد العناصر الأكثر تميزًا وتأثيرًا في الطبقة العاملة.
لقد كرس البلاشفة ثلاثة عقود لبناء هكذا حزب. أما في المجر، فقد أدى إرث الستالينية الكارثي إلى إرباك أفضل عناصر الطبقة العاملة. أما العمال الأكثر نضالاً ووعياً بنضالهم الطبقي، فكانوا إما أعضاءً في الحزب الشيوعي ولم يدركوا ضرورة الانفصال عنه، أو كانوا، مثل جدي، معادين تماماً للحزب الشيوعي وللأحزاب السياسية عموماً. ولو كان مثل هذا الحزب موجوداً، لأمكن أن تتكرر انتفاضات جيور وميسكولك وديبريتسين في العاصمة. كان من شأن دولة عمالية حقيقية في قلب الكتلة الشرقية أن تمهد الطريق لثورات عمالية جديدة في الشرق والغرب على حد سواء، وأن تغير ديناميات الحرب الباردة.
الخلاصة: بعد 70 عامًا
هُزم الثوريون المجريون، لكن هزيمتهم لم تعنِ خسارة كل شيء. يكمن معنى الثورة في ما أثبتته. لقد انهارت أسطورة «الكتلة الستالينية» المتجانسة التي لا تتزعزع بالنسبة لأقلية من الراديكاليين. كان بإمكان العمال قيادة ثورة وإقامة مؤسسات، ومجالس عمالية، تبشر بمجتمع مختلف. وما طمح إليه هؤلاء الناس، منذ اللحظة التي عجز فيها النظام القديم عن إيقافهم، لم يكن الاندفاع نحو السوق ولا الانحراف نحو اليمين. بل كانت مجالس، يديرونها بأنفسهم ولا يخضعون للمساءلة إلا أمام أنفسهم. هذه هي الإجابة على الستالينيين الذين وصفوا الثورة بأنها معادية للثورة، وعلى اليمين الذي يحاول الاستيلاء عليها. وقد أثبت ذلك أيضًا أن المجالس العمالية، بحد ذاتها، لا تكفي. فبدون حزب ثوري قادر على إعطاء توجيه سياسي متماسك لأكثر الأجنحة نضالًا ووعيًا بطبقتها داخل الطبقة العاملة، يمكن هزم حتى أكثر الحركات الثورية بطولةً.
امتدت تداعيات الأحداث إلى ما هو أبعد من حدود المجر. اجتاحت موجات استقالات جماعية الأحزاب الشيوعية في جميع أنحاء العالم، حيث لم يعد أعضاؤها — الذين كانوا يدافعون عن الاتحاد السوفيتي — قادرين على تحمل الأفعال التي تُرتكب باسمه. وبدأت «يسار جديد» مناهض للاستالينية في الظهور من بين الأنقاض.
بعد الهزيمة، وبينما كانت قوات الشرطة السرية (AVH) التي أعيد تشكيلها تلاحق المناضلين، وجد جدي ملاذًا لدى قادة عماليين في تشيبل. وإدراكًا منه أنه إذا تم القبض عليه، فسيُزج به في السجن ويُعدم على الأرجح، هرب من المجر وقضى ما يقرب من عام في أحد المعسكرات في النمسا قبل أن يصل إلى أستراليا في عام 1957. وهناك، كما تصف مقدمة هذا النص، كانت التشهيرات الستالينية ضد الثورة في انتظاره. مُنع من العمل في الصناعات المعدنية التي يسيطر عليها الحزب الشيوعي ووُصف بـ«الفاشي» و«المعادي للثورة» » بسبب ارتباطه بالانتفاضة.
في طفولتي، لم أكن أفهم حقًا مدى أهمية كل ذلك، على الرغم من الفرص العديدة التي أتيحت لي لفهمه. كان جدي يجعلني أستمع إلى بيتهوفن، ويحاول أن يجعلني أتلو الشعر المجري، ويبقيني مستيقظًا حتى وقت متأخر من الليل ليحكي لي هذه القصص بانتظام، سواء أردت ذلك أم لا. كنت أستوعب كل شيء دون أن أفهم معناه. ولم أفهم معنى ذلك إلا عندما بدأت أهتم أكثر بالسياسة.
لم يُعرّف جدي نفسه أبدًا بأنه ماركسي أو شيوعي. فقد شوهت الستالينية هذه الكلمات في عينيه. ومع ذلك، كانت أفعاله، وأفعال الطبقة العاملة المجرية في أكتوبر ونوفمبر 1956، أساسية في اكتشافي الخاص للمعنى الحقيقي للماركسية: ليست طغيانًا بيروقراطيًا يُبرر بلغة الاشتراكية، بل تحرير الطبقة العاملة. كانت المقطوعة الموسيقية التي بُثت مرارًا وتكرارًا على موجات الإذاعة المجرية، والقصائد التي كان يحملها في قلبه، دليلاً على أن هذا المعنى قد بقي حيًا: موسيقى بيتهوفن تصاحب رجلاً مات وهو يتحدى الاستبداد، وأغنية بيتوفي التي يقسم فيها الشعب ألا يكون عبدًا أبدًا. على الرغم من هزيمتهم النهائية، ساعد العمال المجريون أجيالاً على إعادة اكتشاف الماركسية الحقيقية.

روبرت ناراي

المصدر: https://redflag.org.au/article/hungary-1956-a-workers-revolution-against-stalinism/

ترجمة : جريدة المناضل-ة

شارك المقالة

اقرأ أيضا