انتفاضة هنغاريا 1956: انعطاف في تاريخ الستالينية
بمناسبة الذكرى السبعين للانتفاضة المجرية، أعاد موقع «المقاومة المناهضة للرأسمالية» ACR نشر مقال جون ليستر. كُتب هذا المقال قبل 30 عامًا. نترجمه لقراء/ت المناضل-ة ضمن الملف المخصص لهذه الذكرى.
قبل أربعين عامًا من هذا الشهر، في 4 نوفمبر 1956، أمر نيكيتا خروتشوف الدبابات السوفيتية بإطلاق النار على الأحياء العمالية المجرية في بودابست.
أسفر القصف عن مقتل 20 ألف شخص، وأدى في النهاية إلى سحق الانتفاضة الثورية التي كانت قد سيطرت على المدينة. كما وجه ضربة قاتلة لمكانة الكرملين وسلطته في أعين آلاف أعضاء الأحزاب الشيوعية في جميع أنحاء العالم، الذين أصابهم الرعب من وحشية قمع النضال العمالي. وفقد الحزب الشيوعي البريطاني وحده أكثر من 000 10 عضو بسبب دفاعه المخزي عن الهجوم.
وكانت الثقة في دور القيادة الستالينية «التقدمي» في موسكو قد اهتزت بشدة في مستهل العام 1956 بسبب التقرير السري المذهل الذي تلاه خروتشوف في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفيتي، والذي كشف فيه عن قائمة هائلة من الجرائم التي ارتكبها جوزيف ستالين، الذي كان يُعبد في السابق.
ومن بين الإفشاءات التي هزت القاعة المكتظة بالبيروقراطيين الستالينيين (الذين اعتادوا على قبول قيادة ستالين وسياساته دون تحفظ)، كان اعتراف خروتشوف بإمكان تجنب أن الانقسام الصادم بين الكرملين والزعيم الستاليني ليوغوسلافيا، تيتو، في عام 1948.
وقد تسبب ذلك في إحراج خاص للزعيم المجري راكوسي، الذي كان قد أمر بإعدام وزير الداخلية السابق لازلو رايك في عام 1949 وسجن شخصيات بارزة أخرى في الحزب الشيوعي المجري بتهمة التعاون المزعوم مع «الفاشي» تيتو. وفي الشهر التالي، اضطر راكوسي إلى الاعتراف بأن تلك المحاكمة الاستعراضية لم تكن سوى مؤامرة ضخمة.
الكشف عن الحقائق يثير الانشقاق
واجه راكوسي معارضة متزايدة تجاوزت الأوساط الطلابية والمثقفة لتصل إلى المستويات العليا في الشرطة والجيش. وأخيرًا، تم ابداله بـ إرنو جيرو، الذي كان مثيرًا للجدل بنفس القدر ومقربًا من الكرملين. اندلعت موجة من الإضرابات والمظاهرات في بولندا، حيث طالب العمال بإصلاحات جذرية.
في 23 أكتوبر، تظاهر 100 ألف عامل وطالب مجري في بودابست تضامنًا مع النضالات البولندية، وكذلك للدفاع عن اقتناعاتهم السياسية الخاصة. كان البعض يرفع لافتات عليها صورة لينين، بينما رفع آخرون لافتات عليها صورة رئيس الوزراء السابق إيمري ناجي، الذي أُقيل من منصبه عام 1954. وكان ناجي قد أصبح رمزًا لجماعات المعارضة التي تطالب بإصلاحات ديمقراطية والاستقلال عن موسكو. وتوحدت جميع الفصائل لإسقاط تمثال ضخم لستالين.
وجه جيرو رسالة قاسية ضد المتظاهرين. فتجمّع الحشد على الفور أمام مبنى محطة الإذاعة، حيث استهدفتهم الشرطة السرية السياسية«AVH»، التي كانوا يكرهونها. ومع اتساع نطاق الاشتباكات، تدخلت القوات السوفيتية المتمركزة في المجر.
شهد يوم 24 أكتوبر بداية إضراب عام وامتدت الاشتباكات إلى ما وراء بودابست. وافقت موسكو على مضض على تولي ناجي منصب رئيس الوزراء، معتبرة إياه الرجل الأكثر قدرة على استتباب النظام.
حذر ناجي
في البداية، تصرف ناجي بتردد، ولم يقدم سوى القليل للعمال الغاضبين، لكنه دعا اثنين من قادة الحزب اليميني المقموع الذي يمثل صغار المزارعين للانضمام إلى الحكومة.
ومع ذلك، عزز العمال مقاومتهم بالتحالف مع الطلاب والجنود من الرتب الدنيا. وسرعان ما نظموا مجالس عمالية تحدت سيطرة الحزب الشيوعي الذي أصبح مبقرطا بنحو لا رجعة فيه.
في 31 أكتوبر، بينما كانت القوات السوفيتية تنسحب من بودابست، صاغ برلمان للمجالس العمالية إعلانًا بالغ الأهمية يطالب بالسيطرة العمالية على الإنتاج. وفي الشوارع، شنت دوريات مشتركة من العمال والجنود والطلاب هجمات عنيفة على أفراد الشرطة السياسية، التي كانت تحتفظ بملفات عن أكثر من عشرة في المائة من سكان المجر البالغ عددهم عشرة ملايين نسمة. وتحت هذا الضغط الشعبي، طالب ناجي بالانسحاب الكامل للقوات الروسية من الأراضي المجرية، ثم اقترح الانسحاب من حلف وارسو وإعلان حياد المجر.
لم يكن الكرملين ليتسامح مع هذا المستوى من الاستقلالية. لذا، قام بتشكيل حكومة دمية جديدة بقيادة الستاليني المخضرم يانوس كادار، وأرسل تعزيزات كبيرة إلى مفارز الجيش الأحمر، التي بدأت هجومها بقصف مدفعي مكثف بهدف منع أي اتصال بين القوات والعمال المجريين.
تم نشر 200 ألف جندي سوفييتي؛ لكن لا هؤلاء ولا القذائف التي كانت تنهال على البلد استطاعت كسر معنويات العمال. وواصلت مجالس العمال والإضرابات المتفرقة مقاومتها حتى شهر يناير.
تنصيب كادار، دمية موسكو
عندما قام نظام كادار، المدعوم من القوات الروسية، باعتقال مندوبي المجلس المركزي للعمال في بودابست في 11 ديسمبر، اندلع إضراب عام جديد في اليوم التالي.
انتصرت القوة العسكرية للستالينية في النهاية، لكن على حساب الكشف عن عجزها عن قبول أدنى درجة من الديمقراطية الداخلية، وعن خضوع البيروقراطيات «الوطنية» في أوروبا الشرقية لأسيادها السوفييت.
شهد عام 1956 ظهور أولى الانقسامات الهامة داخل الكتلة الستالينية المتجانسة، والتي كانت ستؤدي إلى سلسلة من الأزمات الجديدة. كما أتاح هذا العام إلقاء نظرة على رد فعل الطبقة العاملة، بكل قوتها ونقاط ضعفها.
الحدود السياسية للانتفاضة
كان العمال قد أدركوا ضرورة تنظيم أنفسهم بشكل مستقل عن البيروقراطية، لكنهم لم يضعوا برنامجًا ثوريًّا متماسكًا، كما أن تردد قيادة ناجي، الذي كان هو نفسه بيروقراطيًّا تتلمذ على يد الستالينية، لم يكن كفيلا بطرد البيروقراطية الطفيلية.
لكن بعد أربعين عامًا، وفيما يواجه فيه العمال المجريون الواقع القاسي للسوق الرأسمالية والخصخصة، فإن الإرث الثوري لعام 1956 هو الذي يوفر أفضل نقطة انطلاق للرد.
المصدر: https://anticapitalistresistance.org/turning-point-for-stalinism/
ترجمة جريدة المناضل-ة
اقرأ أيضا

