ماركس والديمقراطية والشيوعية

إشتراكية9 يناير، 2015

في حدود مساهمة معارضة حول الإرث النظري الذي تركه ماركس (دون التطرق بالتالي للإرث الثقيل الذي انتقل لنا من التاريخ اللاحق )، سوف يهدف خطابي على نحو تقريبي إلى الإجابة على السؤال التالي: كيف يمكن أن نحلق لحية ماركس، ولو بعد وفاته، دون أن نجز عنقه؟ إن مناقشة أنطوان أرتو تعنى في العمق بما يلي: لقد اعترف ماركس بمعنى المواطنة الديمقراطية ، لكنه لم يستخلص منها جميع النتائج، ولو أنه فعل لفاقم حالته وحالتنا بالمشروع المضطرب لاضمحلال الدولة واللحظة الشائكة لدكتاتورية البروليتاريا.

حول الانعتاق السياسي: من أجل ديمقراطية دون ثورة؟

لا شك في أن الديمقراطية ليست أكثر برجوازية في جوهرها أو هدفها مما هي السيطرة البرجوازية أو السوق ديمقراطيين في طبيعتها أو نزوعهما: تحمل الديمقراطية وفق شكلها الحديث، انعتاقا سياسيا وفائضا طوباويا ينبغي أن نرثه. ومن المناسب تعيين حدود هذا الإرث بوضوح. ما هو بالنسبة لماركس مدى وحدود المواطنة الديمقراطية؟ لماذا ينتقد ماركس الانعتاق السياسي على الرغم من أنه يعتبره ’’تقدما كبيرا‘‘؟ بكلمات أخرى، لماذا ينتقد التجريد والتمثيل السياسيين؟

يستند الانعتاق السياسي إلى المساواة بين المواطنين التي تفرض، مثلها مثل كل مساواة، غض النظر عن كافة الفوارق والتفاوتات الأخرى. بهذا المعنى الأول، وهو أيضا معنى ضعيف، فالتجريد السياسي هو مطابقة بين البشر بوصفهم مواطنين، بغض النظر عن كافة خصائصهم الشخصية والاجتماعية. إن الحقوق السياسية المتساوية و ممارستها هي جعل هذا التجريد واقعيا. و تعميم هذه الحقوق – نشرها في الكوكب – و لا سيما عبر الاقتراع العام، هو تعميم هذا التجريد الذي أصبح واقعا. بهذا المعنى، فالتجريد المواطني هو لحظة مؤسسة للديمقراطية ، و ينبغي ألا يعاني الاقتراع العام من أي تقييد، حتى تحت غطاء ممارسة ديكتاتورية البروليتارية . لنقل ذلك بوضوح، مرة و إلى الأبد.

لكن التجريد السياسي ليس مجرد مطابقة، بل هو مفعول فك ارتباط حقيقي- انفصام- بين المجتمع المدني البرجوازي وبين الدولة. هذا الانفصال تأسيسي بالنسبة للانعتاق السياسي، وهو يمثل “تقدما كبيرا”. لكن ماركس لا يكتفي بتسجيل فصل، إنه يبرز تناقضا. يستند التجريد السياسي – المساواة المواطنية- إلى تمزق المجتمع المدني، حيث تتواجه المصالح الأنانية التي يفهمها ماركس، على نحو أكثر فأكثر تحديدا، بوصفها ناتجة عن انقسام المجتمع إلى طبقات، الذي يستند بدوره إلى الفصل بين المنتجين وبين وسائل الإنتاج. بهذا المعنى الثاني، وهو المعنى القوي للمفهوم الماركسي، يكون التجريد السياسي مطابقة تنفصل عن كينونتها- المجتمع البرجوازي- وتتعارض معها.

بهذا المعنى، تبقى الجماعة، مهما كان وجودها جليا، جماعة متخيلة: جماعة مجردة لأنها تستند إلى تجريد الجماعة الحقيقة. إن خطاب ماركس هو استهداف إلغاء وجود التجريد والانتهاء منه بهذا المعنى.

الانعتاق السياسي ليس مجرد انعتاق غير مكتمل ينبغي استكماله بانعتاق اجتماعي وحسب، بل إنه يفترض مسبقا المجتمع البرجوازي: ’’لأن الفرد ليس حرا، يرتقي المجتمع بنفسه حتى ذلك الاستغراق في ذاته الذي يمثله التجريد السياسي‘‘. لكن، يتابع ماركس، ’’مع النقض السياسي للنصاب الانتخابي، لا تلغى الملكية الخاصة وحسب، بل إنها تكون هي ذاتها مفترضة مسبقا(6)‘‘. بكلمات أخرى، فإن تعميم حق الاقتراع العام يستكمل التجريد السياسي، ويعري التناقض بين المساواة المواطنية وبين التمزق الاجتماعي؛ إنه ’’التناقض المكشوفة‘‘، الذي يحمل داخله ضرورة تحلل المجتمع البرجوازي: أي بمعنى دقيق ، ضرورة ثورة اجتماعية يقدمها ماركس أولا بوصفها تحقيقا ل ’’الديمقراطية الحقيقية‘‘، قبل أن يعطيها اسم الشيوعية.

يتبع نقد التمثيل السياسي نفس درب نقد التجريد السياسي. ينتقد ماركس التمثيل السياسي لأنه يقود من جديد إلى الفصل بين المجتمع البرجوازي والدولة، وينظم هذا الفصل. أي أن التمثيل السياسي يقود من جديد السيطرة والاستغلال المتضمنين في هذا الفصل، وبالتالي التناقض بين المساواة المواطنية وبين التفاوتات الطبقية.

لنترك برهة حرفية نص ماركس. لم يكن التمثيل السياسي يوما حقا وواقعا مجرد ’’انعكاس‘‘ للشعب ولسيادته. ليس بحكم القانون، لأن معظم التصورات النظرية للتمثيل تجعل منه آلية للاختيار تتجسد، عن قصد أو عن غير قصد، بتخصيص وظائف السيطرة. ولا بحكم الواقع، لأن التمثيل يقوم على نحو كبير بالدور الذي يخصصه له المنظرون: اختيار الحكام، وبالتالي المسيطرين. وهذا الدور هو الذي يقرر طبيعة وسيلة التعيين (الانتخاب بدلا من القرعة)، بقدر ما يقرر أسلوب العمل. التمثيل السياسي هو شكل تكريس/إخفاء الفصل بين المجتمع البرجوازي وبين الدولة والتعارض بين الجماعة المدينية والتضاد الاجتماعي. إذن، يجري عبر آلية التمثيل بناء الممثلين بوصفهم أناسا مدعويين، بعد مصادرة قدرة غالبيتهم العظمى على التحكم بحياتهم الاجتماعية الخاصة، إلى اختيار أولئك الذين سوف يصادقون على هذه المصادرة. هذا لا يتضمن مطلقا غياب كافة أشكال التمثيل في مجتمع متحرر من انقسامه إلى طبقات. لكن هذا التمثيل يتغير حينئذ من حيث المعنى و الوظيفة، إذ تستند المساواة المواطنية إلى تساوي المنتجين الذين ينيبون بعضهم لتمثيلهم.

إذا كان الانعتاق الاجتماعي شرط المجتمع الديمقراطي الحقيقي، فكيف بمكن التوصل إليه؟ إنه السؤال الأصعب، كما نعلم .

لنعتبر استحالة الانعتاق الاجتماعي دون “استيلاء على السلطة “أو حصول غالبية المضطهدين على السيطرة السياسية أمرا تعلمنا إياه الخبرة. حينذاك يطرح السؤال التالي: أية سلطة؟ ينشطر هذا السؤال على الفور: ما هو شكل السيطرة السياسية أثناء الفترة الانتقالية(التحول الثوري للمجتمع)؟ ما هو شكل السلطة السياسية في نهايتها؟ على هذا السؤال المزدوج، يمكن صياغة الجواب بعبارة بسيطة: سلطة ديمقراطية من أولها إلى آخرها. لكن ذلك لا يلغي ضرورة التمييز بين مظهرين للمشكلة المطروحة: أية ديمقراطية في أفق مجتمع متحول؟ أية ديمقراطية في قلب مسار التحول؟

يتلقى السؤال الأول من ماركس وانجلز إجابة بسيطة في ظاهرها: مجتمع دون طبقات (هذا لا يعني دون نزاعات). ويدعم هذا الجواب مشروع تلاشي الدولة: وهو مركزي في نظرية ماركس رغم غموضه.

حول تلاشي الدولة: من أجل ديمقراطية دون سيطرة

إن موضوع تلاشي الدولة- الدولة السياسية أو الطبقية، الدولة السياسية المنفصلة أو دولة البرجوازية- هو موضوع متواصل في عمل ماركس. هل ينبغي التخلي عن مشروع تلاشي الدولة (والإطاحة الكارثية بها في مجرى الثورة الروسية) بسبب غموضه؟ فهذا الغموض موجود حقا وفعلا.

تحت ستار انتقاد الفصل بين المجتمع المدني والدولة – بين التفاوتات الاجتماعية والمساواة المواطنية- يمكن أن نضع في مقابله صورة أولية و/أو مشروعا لمجتمع أعيد بالكامل إلى نفسه: لأنه سيكون قد دمر كل أشكال التمييز بين التنظيم الاجتماعي والمؤسسة الحكومية و/أو لأنه سيستبدل إدارة الأشياء بحكم البشر.

كانت تلك النزعات موجودة لدى ماركس. لكنه حرص مند العام 1843 على التمييز بين الدولة السياسية وبين الإلغاء التام لكل دستور، وبالتالي لكل مؤسسة عامة(7). وبعد أن أصبح شيوعيا، ساند كما سنرى لاحقا ضرورة بقاء ’’سلطة عامة‘‘. أما بالنسبة للغموض التكنوقراطي الذي يغلف مفهوم ’’إدارة الأشياء‘‘، فهو ليس من جانب سوى الظل الذي ألقته بمفعول رجعي الإنجازات الهائلة للدولة الستالينية على مفاهيم لم تكن إلا مجرد تشكيل أولي لها، أيا كان التباسها.

لكن شراك المصطلحات تبقى قائمة. ما لذي تعنيه نهاية دولة سياسية (لا بل الدولة وحسب)؟ إذا لم نضف الصفة، فتلاشي الدولة يقترح أن المجتمع يعاد إلى نفسه على الفور. أما إذا أضفناها، فتلاشي الدولة يقترح أن المجتمع يعاد إلى نفسه على الفور. أما إذا أضفناها، فتلاشي الدولة السياسية يجعلنا نعتقد أن السياسي، بوصفه سلطة أو ممارسة لتنسيق الحياة الاجتماعية، هو الذي يزول. يبقى أن أفكار ماركس واضحة، فالدولة تشير إلى المؤسسة التي تمارس شتى الوظائف الاجتماعية، لكنها محصورة في علاقة السيطرة بين الحكام والمحكومين.’’السياسي ‘‘ هو الصفة التي تتوافق مع علاقة السيطرة هذه وتميزها، قانونيا على الأقل، عن علاقات القمع و/أو الاستغلال الاجتماعي الأخرى.

هذا هو السبب في أن ماركس يستطيع القول بأنه في مجتمع تخلص من الطبقات ومن تضاداتها،”لكن تكون هنالك سلطة سياسية بالمعنى الحرفي “(8). وفي الوقت نفسه، فإن زوال السلطة السياسية أو الدولة السياسية المفهومتين على هذا النحو لا يتضمن لا منطقيا ولا تاريخيا أن تزول كل سلطة عامة، لكن فقط أن “السلطة العام تفقد حينذاك طابعها السياسي”(9). لكن هذا لا يعني ضرورة إخفاء الإرباك الذي تعرَضنا له هذه المصطلحات النوعية التي تفتح الطريق أمام التفسيرات المجحفة. لا شك أن ماركس كان واعيا لذلك، ففي كتابة: نقد برنامج غوتا، يقدم تلاشي الدولة بوصفه تحولا للدولة بعد أن تتخلى عن وظيفتها في السيطرة. وفي مواجهة المطلب الغامض بالدولة الحرة، يرد: “تتمثل الحرية في تحويل الدولة، الهيئة التي وضعت نفسها فوق المجتمع، إلى هيئة تخضع له بالكامل”(10). تحويل الدولة يعني اقتراح إبقائها على نحو ما، وليس جعلها أو رؤيتها تختفي بالكامل؛ وإخضاع الدولة للمجتمع وليس إذابتها فيه: أي إلغاء الدولة بوصفها مؤسسة للسيطرة وليس بوصفها سلطة عامة.

إذن، فتلاشي الدولة لا يعني أكثر من تلاشي الدولة الطبقية، بوصفها مؤسسة مسيطرة و أداة للسيطرة. وامحاء الطابع السياسي للدولة لا يعني سوى نهاية السياسة كسيطرة وليس نهاية كل ما هو سياسي. ماذا ستكون عليه حينئذ سلطة عامة تحررت على هذا النحو؟ ديمقراطية دون سيطرة طبقية، لكن ليس دون مؤسسات عامة(وبمعنى آخر، حكومية)، ديمقراطية دون سياسة طبقية، لكن ليس دون تداول نزاعي (وبالتالي سياسي). يكون تلاشي الدولة إذن مرادفا للتوسيع الديمقراطي للسياسة.

ما الذي يعنيه في العمق مشروع تلاشي الدولة؟ تلاشي مؤسسات ووظائف الدولة المرتبطة بالحفاظ على نسق اجتماعي يتأسس على انقسام المجتمع إلى طبقات: تلاشي مؤسسات ووظائف الدولة المتعلقة بدورها في صون علاقات الاستغلال والسيطرة. لكن في الوقت نفسه الحفاظ على “سلطة عامة” متشكلة ديمقراطيا وخاضعة للرقابة: ديمقراطية دون سيطرة. ربما قال قائل: فليكن، لكن كيف؟ هنا نقطة الضعف من جديد.

تحت غطاء افتتاح مشروع استراتيجي يضع تلاشي الدولة هدفا، يحصل أحيانا أن يقدم ماركس وانجلز هذا التلاشي(أو هذا الاضمحلال) بوصفه نتاجا لتحقيق وعد: إن مسار تلاشي الدولة يجري على نحو”حتمي” و”طبيعي”(11). لاشك في أن ماركس، في كتابه الحرب الأهلية في فرنسا(1871) قد اعترف بالضرورة الاستراجية لتحطيم آلة الدولة القديمة وإحلال أشكال جديدة ل”السلطة العامة” محلها، قدمت كومونة باريس الأولية بوصفها “شكلا مبتكرا لانعتاق العمل”. لكن تحت غطاء انتقاد الإبداع العقائدي لأشكال المستقبل العقائدي، يجعلنا ماركس نظن أن محتوى الشيوعية سيجد بنفسه أشكال تحققه بعد أن تصادق الحركة التاريخية عليه. وهو يطرح بنفسه هذه المسألة حين يشير ، مثلما رأينا، أن الأمر يتعلق ب-“تحويل الدولة، الهيئة التي وضعت نفسها فوق المجتمع، إلى هيئة خاضعة بالكامل له”. لكن ما الذي يعنيه هذا التحويل للدولة؟ “ما هو التحول الذي ستخضع له الدولة في مجتمع شيوعي؟ بعبارة أخرى، ما هي الوظائف الاجتماعية التي ستبقى مماثلة للوظائف الحالية للدولة؟”

و الحال أن ماركس يرفض بعناد وضع إجابات أولية، حتى لو لم يمن الأمر إلا للسبب التالي:”وحده العلم يستطيع الإجابة على هذا السؤال ….”. حسن جدا، لكن ما الذي سيقوله العلم و متى؟ ليست هناك أية إجابة على هذه الأسئلة، باعتبار أنه يقال لنا أنه ليست لها راهنية سياسية:” ليس على البرنامج الانشغال […] بالدولة المستقبلية في المجتمع الشيوعي (12)”. و هو موقف مفهوم على الأرجح في السياق الذي كتب فيه ماركس، لكنه لا يستقيم بعد ذلك. على الأقل يمكننا التمهيد لذلك.

تكون الأشكال الديمقراطية لمجتمع متحول – الأشكال الديمقراطية للشيوعية في طورها الأول-سيرورة هدف، هو ديمقراطية للمواطنين المنتجين، المتشاركين بحرية في محاولة للتحكم جماعيا بحياتهم الاجتماعية. في مثل هذا المجتمع، يكون البشر متساوين بوصفهم مواطنين و متساوين بوصفهم منتجين: متساوين بوصفهم مواطنين لأنهم متساوون بوصفهم منتجين، ضمن ذلك المجتمع الذي سيبقى متخيلا مهما كان واقعيا طالما أن المساواة المواطنية تتعارض مع تفاوت اجتماعي، هي تجريد له. لكن ينبغي عدم الخلط بين التوسع الديمقراطي و بين استيلاء الاجتماعي على العام، مما يوجب استخلاص بعض النتائج. لا تعود التمايزات و التفاوتات بين الأفراد في أي مجتمع منعتق تتخذ شكل انقسام للمجتمع إلى طبقات و أحزاب تعبر، على نحو أكثر أو أقل مباشرة،عن هذا الانقسام. بالمقابل، لا تزول إطلاقا الانقسامات بين المنتجين – المواطنين، إذ إن التعددية والتنازع الديمقراطيين، اللذين يصبحان على الأرجح أكثر يسرا، يبقيان حتميين ومرغوبين. هذا يعني أنَ تلاشي الدولة هو نزوة شائكة إذا لم تحدد الأشكال التي يمكن أن يرتديها هذا التعدد وذاك التنازع الديمقراطيان. وهذا يحيل إلى سؤال ثان.

في مجتمع منعتق، لا يعود الفصل بين المنتجين والمواطنين، الذي يتخذ شكل تعارض بين جماعة متخيلة (لكنها موجودة) وبين مجتمع ممزق يجعل من وجود جماعة عيانية أمرا مستحيلا. بالمقابل، يبقى التمييز بين البشر بوصفهم منتجين أو بوصفهم مواطنين: لأن دائرة نشاط السلطة العامة لا تقتصر على إدارة النشاط الإنتاجي، ومجال تدخل المواطن أوسع من مجال تدخل المنتج.

هذا يعني أنَ المواطنة الديمقراطية ليست قابلة للذوبان في الإدارة الذاتية وأنَ تلاشي الدولة الطبقية لا يعني إطلاقا إلغاء كافة أشكال التمثيل: أكثر ما نستطيع فعله هو العمل على ألا يكرس انتخاب الممثلين، بالاقتراع العام و الاقتراع النسبي المباشر دون تقييد، اختيار المسيطرين ونزع ملكية المسيطر عليهم وعلى أن يترجم بتمثيل للمنتجين المواطنين لا يعود مجردا، بل مجسدا (باعتبار أنَه يستند إلى التفاوتات الطبقية). هذا يعني أيضا أنَ تلاشي الدولة لا يقتضي مطلقا الخلط بين الأشكال المباشرة للاستملاك الاجتماعي وبين الأشكال السياسية للمواطنة. من المناسب إذن القيام بخطوة أخرى.

في مجتمع منعتق، لا يمكن تصور الديمقراطية دون استملاك اجتماعي: استملاك اجتماعي لوسائل الإنتاج والتبادل والاتصال، يفترض جمع بين استملاك عام (ينبغي عدم الخلط بينه وبين الاستملاك المباشر والخاص للمنتجين في كل شركة أو فرع نشاط) وبين الاستملاك المباشر (الذي يرتدي بالضرورة أشكال إدارية ذاتية). إنَ التفكير بأشكال هذا الجمع ليس أمرا هينا. لكن لا يمكن تصور أي استملاك اجتماعي دون ديمقراطية. هذا يعني أنَ تلاشي الدولة سيستند بالضرورة إلى تقرير مصير مزدوج للشعب (حيث يتدخل جميع الرجال والنساء بوصفهم منتجين ومواطنين معا). أي أنَ كلا منهما، في الإنتاج وفي المدينة، يفترض في الآن ذاته التمييز والممارسة الأكثر مباشرة قدر الإمكان للوظائف التداولية والتنفيذية.

ما أفترضه هو التالي:

– تبني فدرالية تستند إلى ركيزتين: الفدرالية الحرة للهيئات المتمايزة لسلطة المنتجين وسلطة المواطنين؛ التحديد الحر لمبدأ التفرعية الذي يسمح بإيلاء مهمة معالجة المشكلات إلى المستوى الذي يتطلب حلها.

– إخضاع الوظائف التنفيذية على نحو صارم إلى وظائف تداولية، وذلك عبر تطبيق المبدأ المزدوج لأهلية ترشيح الممثلين وقابلية عزلهم.

لا تزال هذه الاستخلاصات القليلة غامضة بالطبع، لكن ينبغي ألا تسمح الأشكال الديمقراطية لمجتمع متحول، حتى إذا صورت ببساطة، بتعيين حدود الأشكال الديمقراطية الضرورية للتحول الاجتماعي.

بصدد دكتاتورية البروليتاريا: نحو سيطرة دون ديمقراطية؟

إنَ الأشكال الديمقراطية للفترة الانتقالية – الأشكال الديمقراطية للتحول الاجتماعي – هي أو ينبغي أن تكون أشكالا للسيطرة (السياسية) وللانعتاق (الاجتماعي). تتركز جميع تناقضات فترة انتقالية حو ل التعارض بين هذين المصطلحين. كيف يمكن لشكل من أشكال السيطرة أن يكون شكل انعتاق؟كيف يمكن له أن يعمل على تجاوز نفسه؟ يبدو وكأن كل شيء يكمن، بين تلاشي الدولة ودكتاتورية البروليتاريا، في هذه الازدواجية التي يمكن التغلب عليها: في الأفق، ديمقراطية دون سيطرة و في المرحلة الانتقالية، سيطرة دون ديمقراطية.إنه ثقب أسود يهدد بابتلاع أية محاولة للانعتاق.

إذا كان الهدف حقا هو ضبط أشكال الديمقراطية اللازمة للانعتاق (وبالتالي الاستملاك الاجتماعي)، فلا بد من البدء بالسؤال الحاسم: هل يتعلق الأمر باستكمال الثورة الديمقراطية بمجرد إجراء إصلاحات أم يتعلق الأمر ب”تحويل الدولة” عبر ثورة ديمقراطية؟ هل يتعلق الأمر باستكمال الديمقراطية التمثيلية بمزيد من الديمقراطية التشاركية أم بتحويل الأشكال الموجودة للديمقراطية تحويلا جذريا؟

لا أستهدف هنا باستخدام مصطلح الثورة آليات “الاستيلاء على السلطة”، بل مجموع التحولات الضرورية للانعتاق الاجتماعي. لا أستهدف فقط العمل المؤسساتي لسلطة تأسيسية، بل القلب العملي لمجموع علاقات السلطة التي تعيد توجيه علاقات السيطرة. على أية حال، فالاستملاك الاجتماعي غير ممكن دون ثورة ديمقراطية؛ لكن لا انعتاق اجتماعي دون سيطرة سياسية.

ما هي الأشكال الديمقراطية للسيطرة السياسية الضرورية للاستملاك الاجتماعي؟ أية ديمقراطية، ديمقراطية المجالس؟ ديمقراطية برلمانية؟ ديمقراطية تشاركية؟

ليس بوسع أحد أن يتوقع بالضبط ما هي الأشكال التي ستتخذها الديمقراطية الناشئة التي تأتي دوريا لتزعزع، لا بل لتقلب، الديمقراطية التشاركية، أو تحارب على نحو جبهي الأنظمة التسلطية بكافة أشكالها.

لكن ليس هناك سبب للشك في أن مثل هذه الأشكال ستظهر من جديد و في أنها ستلعب دورا حاسما.ما الذي سيتراءى لنا بصددها؟

أولا، تدعو التجربة و النظرية معا إلى الاحتفاظ بتمييز مبدئي بين الأشكال التعاونية و بين الأشكال المناطقية للديمقراطية الناشئة: بين التي يستولي المنتجون و فقها على التحكم بالإنتاج و بين الأشكال التي يمارس المضطهدون و فقها سلطتهم التأسيسية. إنهما شكلان لتقرير المنتجين- المواطنين لمصيرهم، ينبغي ألا يكون الخلط المحتمل بينهما إلا مؤقتا.

ثانيا، ليس بوسعنا أن نحصر مسبقا الأشكال المناطقية للانعتاق الذاتي في دور سلطة مضادة تكرس، تحت غطاء استكمال حدود السلطة القائمة أو موازنة تجاوزتها، أية سلطة موجودة بوصفها شرعية (أيا كان نمطها). تتمركز جميع التباسات مفهوم الديمقراطية التشاركية حول هذه النقطة : مشاركة تترك بشكل دائم الأشكال البرلمانية للسيطرة السياسية سليمة أم لا؟ ديمقراطية تشاركية تقدم نفسها، ليس مؤقتا بل على نحو نهائي، بوصفها الشكل المكتشف أخيرا لتجديد الديمقراطية البرلمانية،تقترح نفسها بوصفها استكمالا روحيا للسيطرة؟

أخيرا، و بالتالي، يتوجب على ثورة ديمقراطية اختراع أشكالها التمثيلية الخاصة بها. يبدو لي أنه مهما كانت دروب العبور، يتوجب أن نعين بوضوح الفارق بين مجرد الحفاظ على (أو مجرد إعادة تنشيط) شكل برلماني تضامني للحكومة التمثيلية (انتقائية، متمركزة، بيروقراطية) و بين إقامة شكل تمثيلي جديد.

هذا يعادل القول إن مستقبل أشكال التنظيم الذاتي لا يتعلق أو لا يتعلق فقط بأولوية التعبئة التي يحملها و/ أو بقدرتها على حل التناقضات التي لابد أن تواجهها، بل بمدى و عمق السلطة التأسيسية الضرورية للانعتاق الاجتماعي لا تستطيع تقديم نفسها من حيث المبدأ بوصفها شكلا للسيطرة الحصرية، تفرضه فقط معايير اجتماعية: دكتاتورية البروليتارية المذكورة أعلاه حين تتحدى التقييدات الديمقراطية المفروضة على الانعتاق الذاتي للبروليتاريا نفسها.

————-

(6) كارل ماركس : المسألة اليهودية، Aubier، 1971/71-77

(7) كارل ماركس: نقد نظرية الحق السياسي عند هيجل، Edition Sciales، 1980/ 69- 70

(8) كارل ماركس:بؤس الفلسفة،Editions Sociales،1942/178-179.

(9) كارل ماركس و فريديرك انجلز: بيان الحزب الشيوعي، إصدار بلغتين،Edition Sociales، 1972/87.

(10) كارل ماركس،نقد برنامج غوتا،Editions Sociales، صفحة 42.

(11) فريدريك انجلز: أصل العائلة والملكية الخاصة و الدولة،Editions Sociales،صفحة317.

(12) كارل ماركس،نقد برنامج غوتا،Editions Sociales،صفحة 42.

شارك المقالة

اقرأ أيضا