النضال دفاعاً عن حق الفلسطينيين/ات في المقاومة

بقلم: جوزيف ضاهر

شن جيش الاحتلال الإسرائيلي حملة عسكرية مميتة جديدة ضد الفلسطينيين/ات في قطاع غزة المحتل، حيث يقطن ما يناهز 2.3 مليون نسمة، وكثف عمليات القمع في الضفة الغربية المحتلة. أثناء كتابة هذا التقرير (12 أكتوبر/تشرين الأول 2023)، خلفت هجمات جوية إسرائيلية على غزة، وغارات في الضفة الغربية، ما يفوق 1300 قتيل/ة فلسطيني/ة، وآلاف الجرحى/ات. بالإضافة إلى ذلك، فر ما يفوق 339000 شخص من منازلهم، ونزحت أغلبيتهم الساحقة إلى مدارس تديرها وكالة الأمم المتحدة لإغاثة، وتشغيل لاجئي فلسطين في الشرق الأدنى UNRWA (الأونروا). وعلى النحو ذاته، في يوم 11 تشرين الأول/أكتوبر، تعرض ما يفوق 22000 وحدة سكنية و10 مراكز صحية و48 مدرسة للضرر أو الدمار. دمرت شبكات الصرف الصحي، مما أدى إلى اغراق الشوارع بمياه الصرف الصحي النتنة.

أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت Yoav Gallant توجيهه أوامر بفرض «حصار مطبق» على غزة، وقطع إمدادات الغذاء، والكهرباء، والماء، والوقود، مضيفا «نحن [إسرائيل] نحارب حيوانات بشرية، ونتصرف وفقا لذلك». علاوة على ذلك، أشار وزير الطاقة الإسرائيلي يسرائيل كاتس Israël Katz أيضا في 12 تشرين الأول/أكتوبر إلى أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي لن تسمح بدخول المواد الأساسية، أو المساعدات الإنسانية إلى غزة المحتلة، حتى تفرج حماس عن ما يناهز 130 شخصا اختُطفوا في إسرائيل. كما حشدت دولة إسرائيل 300000 جندي استعدادا لغزو قطاع غزة المحتل بريا وعسكرياً.

تأتي هذه العملية في أعقاب إطلاق الصواريخ، وتوغل مقاتلي حماس، براً، وبحراً، وجواً في أراضي فلسطين التاريخية لعام 1948، والتي تشكل اليوم جزءا من دولة إسرائيل. خلفت العملية العسكرية لحماس ما يناهز 1300 قتيل وآلاف الجرحى.

أدانت القوى الغربية، من الولايات المتحدة الأمريكية إلى الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، الهجوم الفلسطيني، وأعلنت «حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها». تمنح هذه المواقف الرسمية إسرائيل ضوءا أخضر رسميا لشن حرب جديدة مميتة ضد الفلسطينيين، في حين تزايدت الدعوات لإعلان حماس منظمة إرهابية.

وفي الواقع، وفقا لمنطق إسرائيل وبلدان الغرب، يتمتع المحتل الاستعماري بحق مشروع في الدفاع عن النفس، في حين أن الفلسطينيين/ات ضحايا/ات الاستعمار والاضطهاد هم/ن المعتدون/ات الذين/تي يجب القضاء عليهم/ن.

يندرج كل ذلك في إطار التاريخ الاستعماري، والإمبريالي الطويل، والمستمر للولايات المتحدة الأمريكية، ودول أوربا، التي تحرم ضحايا الاضطهاد من أي حق في المقاومة، وتصف من يناضلون ضد هياكل الاستعمار، والاحتلال، و/أو الاستبداد، بأنهم إرهابيون يجب سحقهم بعنف. كان هذا هو الحال مع جبهة التحرير الوطني في الجزائر، وحزب المؤتمر الوطني الأفريقي، والجيش الجمهوري الأيرلندي، ومنظمة التحرير الفلسطينية قبل اتفاقات أوسلو، وحزب العمال الكردستاني، والقائمة تطول.

ينطبق هذا خاصة على كفاح تحرر فلسطين، وبوجه أخص في قطاع غزة المحتل، الذي يشكل سجنا في الهواء الطلق خاضعا لحصار مميت منذ ما يفوق 15 عاما. واجه سكان غزة سلسلة حروب رهيبة شنها جيش الاحتلال الإسرائيلي منذ عام 2008، مما أسفر عن مقتل آلاف الأشخاص، ودمار واسع النطاق في جميع أنحاء البلد. إن التظاهرات السلمية إلى حد كبير باتجاه جدار الفصل الإسرائيلي التي نظمها المتظاهرون الشباب في الأشهر الأخيرة، وقبل ذلك في 2018-2019، والمعروفة أيضا باسم «مسيرة العودة الكبرى»، قمعها جيش الاحتلال الإسرائيلي كلها بعنف، خاصة بإطلاق الذخيرة الحية، والغاز المسيل للدموع، وحتى الغارات الجوية. قُتل أشخاص عديدون، وجرح آخرون في صفوف المتظاهرين الذين صنفوا ضمن قائمة الإرهابيين.

في هذا السياق، ينبغي عدم اعتبار أوامر حكومات بلدان الغرب، ووسائل الإعلام الرئيسية بإدانة أعمال حماس، قرارات مفاجئة، لكنها، للأسف، مندرجة في إطار ترتيب الأمور بالنظر إلى ديناميات التحالفات السياسية مع دولة إسرائيل. وتمشيا مع هذا المنطق، تضاعفت دعوات النخب السياسية الغربية الرئيسية عددا، وتأثيرا، لإدانة كل من لا يدعم إسرائيل بتهمة التعاطف مع الإرهاب. يسعى هذا الهجوم السياسي الإعلامي أيضا إلى الخلط بين النضال ضد معاداة الصهيونية ودولة إسرائيل، كشكل من أشكال معاداة السامية لإتاحة إمكانية توجيه تهديدات بملاحقات قضائية، وحل منظمات، وجمعيات، بمبرر «تمجيد الإرهاب».

على المناضلين/ات من أجل تحرير الشعب الفلسطيني، وانعتاقه، استحضار حق ضحايا/ات الاضطهاد في مقاومة نظام الفصل العنصري، والاستعمار. والواقع، أن الفلسطينيين، شأنهم شأن أي شعب آخر يواجه نفس التهديدات، لهم هذا الحق، بما في ذلك عبر الوسائل العسكرية. طبعاً، ينبغي عدم الخلط بين ذلك، ودعم المنظورات، والتوجهات السياسية لمختلف الأحزاب السياسية الفلسطينية، بما في ذلك حماس، أو مع جميع أنواع الأعمال العسكرية التي تقوم بها هذه الجهات الفاعلة، خاصة ما قد يؤدي إلى قتل مدنيين عديدين عشوائياً. لكن، مرة أخرى، لا يمكن نقد الاستراتيجيات السياسية، والمسلحة للأحزاب السياسية الفلسطينية مع انكار الحق الثابت في المقاومة السلمية، والمسلحة على حد سواء، ضد إسرائيل، دولة الفصل العنصري الاستعمارية.

لا تكمن المسألة، بالنسبة لدولة إسرائيل، في طبيعة عمل مقاومة الفلسطينيين/ات، سواء كانت سلمية أو مسلحة، أو حتى في أيديولوجيتها، بل في ضرورة تجريم كل احتجاج ضد هياكل الاحتلال، والاستعمار، وقمعه. قبل حماس وحتى اليوم، عانت فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، ومنظمات يسارية في حركة فتح، والتقدميون/ات والديمقراطيون/ات الفلسطينيون/ات، فضلا عن المدنيين الذين لا يتبنون أيديولوجية ثابتة، وواضحة، من قمع إسرائيل برمتهم.

خارج حدود فلسطين المحتلة، يتم باطراد، في الدول الغربية، تجريم التضامن مع الكفاح الفلسطيني، ودعم حملة المقاطعة، وسحب الاستثمارات، وفرض العقوبات (BDS) ضد إسرائيل. يجب فهم ذلك في إطار هدف أوسع قائم على استهداف السياسات التقدمية واليسارية، كما رأينا في المملكة المتحدة، وفرنسا، وألمانيا، والولايات المتحدة الأمريكية، ومحاولات تقييد الحقوق الديمقراطية في هذه المجتمعات.

بالإضافة إلى ذلك، من المهم جدا وضع هجوم حماس المسلح في سياق استعمار فلسطين تاريخياً. كانت إسرائيل دوماً مشروعا استعماريا استيطانياً، وعلى هذا النحو، عملت الدولة، لإقامة أراضيها، وصونها، وتوسيعها، على تطهير الفلسطينيين عرقيا من أراضيهم ومنازلهم، مما أدى إلى نكبة شعب فلسطين. وتشير التقديرات إلى طرد ما يفوق 750000 فلسطيني قسرا من منازلهم، وأصبحوا لاجئين. واليوم، ثمة ما يفوق 6 ملايين لاجئ فلسطيني، ولا تزال هذه السياسات والممارسات نفسها مستمرة.

كما اعتبرت مجموعات مثل هيومن رايتس ووتش HRW، ومنظمة العفو الدولية دولة إسرائيل بأنها نظام فصل عنصري.

إن هيمنة اليمين المتطرف سياسياً على مدى العقد الماضي غير مفاجئة، نظرا لطبيعة إسرائيل الرجعية تماما. إذ تمثل، بشكل من الأشكال، تتويجاً منطقياً لنزعة قوميتها العرقية، وعنصريتها المؤسسية، ولما يفوق 75 عاما من الاضطهاد وتجريد الفلسطينيين/ات من ممتلكاتهم.

وبشكل أعم، لا ينبغي بأي وجه مقارنة عنف المضطهِد الظالم حفاظاً على هياكله القائمة على الهيمنة، والاخضاع، أو مساواته بعنف ضحية الاضطهاد الساعي إلى استعادة كرامته، والاعتراف بوجوده.

كان نيلسون مانديلا، الذي تحول من إرهابي إلى شخصية عالمية معترف بها، ومشهورة، عادة ما يؤكد أثناء مفاوضاته مع نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا ما يلي:

»أكدت أن الدولة كانت مسؤولة عن العنف وأن المضطهِد دوماً، وليس ضحية الاضطهاد، هو من يملي شكل النضال. لن يكون أمام ضحايا الاضطهاد خيار سوى الرد بالعنف، إذا استخدم المضطهِد العنف. كان ذلك مجرد شكل من أشكال الدفاع المشروع عن النفس، في حالتنا».

أدت طبيعة دولة إسرائيل، وسياساتها إلى خلق الظروف الملائمة لنوع الأعمال التي حدثت في الأيام الأخيرة، مثل أي فاعل استعماري، ومحتل عبر التاريخ، وليس الفلسطينيون/ات.

لا يمكن التوصل إلى حل مستدام ما دام الفلسطينيون/ات دون حقوقهم الإنسانية الأساسية الكاملة، بما في ذلك إنهاء الاحتلال، والفصل العنصري، والاستعمار، وضمان حق العودة للاجئين الفلسطينيين.

إحالة

[i] حول هذه المسألة، انظر مقالنا بتاريخ 14 تشرين الأول/أكتوبر عام 2012 في موقع Contretemps [بإنترنت].

المصدر :

ترجمة المناضل-ة

شارك المقالة

اقرأ أيضا