نظام العصابات الأمريكي يختطف رئيس فنزويلا

بلا حدود3 يناير، 2026

بقلم؛ توم سوليفان

شنّت الولايات المتحدة غارات جوية على فنزويلا، واختطفت رئيسها نيكولا مادورو، وتحاول تغيير النظام – على الرغم من أن الحكومة لا تزال قائمة في الوقت الحالي. جاء الأمر بهذا العرض الصارخ لإمبريالية العصابات من مار-أ-لاغو، نادي ترامب في فلوريدا المخصص للأثرياء، حيث باع قبل أيام قليلة لوحة لليسوع بمبلغ 2.75 مليون دولار أمريكي وقال إن قراره للعام الجديد هو “السلام على الأرض”.

يستحيل سلام مع نظام واشنطن الذي يفرض النظام. في كل قارة، تشارك القواعد العسكرية ومحطات وكالة المخابرات المركزية والشركات متعددة الجنسيات في حرب عالمية لمواصلة هيمنة الولايات المتحدة أو توسيعها. الابتزاز والإرهاب هما القاعدة بالنسبة لهذه الدولة المارقة. لكن هذا العمل الأخير صارخ للغاية ومتغطرس لدرجة أنه يصعب تصديقه. هذه هي فوضى عصابة إجرامية؛ عمل دولة مافياوية.

لقد كان تغيير النظام في فنزويلا هدفاً منذ أمد بعيد لمخططي السياسة الخارجية الأمريكية، منذ أن فاز اليساري هوغو شافيز بالرئاسة في عام 1999، وبدأ برنامجاً لإعادة توزيع الثروة على الفقراء والطبقة العاملة. كانت ثروة البلد النفطية دعامة لبرنامج الرئيس الجديد. مع وجود أكبر احتياطيات معروفة في العالم، قام شافيز بتأميم القطاع جزئياً. وتحول هو وخليفته مادورو بشكل متزايد إلى الصين مع تشديد واشنطن لضغوطها، بما في ذلك توقيع اتفاقات لبيع النفط بأسعار أقل من أسعار السوق العالمية.

يجب فهم تصرفات ترامب في سياق التوترات الإمبريالية المتصاعدة بين الولايات المتحدة والصين. بالنسبة لواشنطن، كان بيع أكبر احتياطي نفطي في العالم في منطقة تعتبرها “فناءها الخلفي” بأسعار مخفضة إلى منافستها الجيوسياسية الرئيسية أمراً فاضحاً. كان هذا جزءًا من الدافع وراء محاولة الانقلاب المدعومة من الولايات المتحدة في العام 2002، عندما جرى احتجاز شافيز لمدة يومين، لكنها فشلت في النهاية. كما ألهمت إدارة ترامب الأولى للاعتراف بالسياسي غير المعروف خوان غوايدو كرئيس “حقيقي” للبلد. دعا غوايدو دون جدوى الجيش إلى إطاحة مادورو في انقلاب وأيد علنًا غزو الولايات المتحدة.

إن كان النفط مهما في حسابات الولايات المتحدة، فإن إطاحة مادورو جزء من محاولة أوسع نطاقاً لتعزيز هيمنة الولايات المتحدة على نصف الكرة الغربي. وقد أطيح بالعديد من الحكومات في هذه المنطقة لمجرد عدم انسياقها لسياسة الولايات المتحدة وإبداء بعض الانشغال برفاهية مواطنيها. كما أن المنطقة تزخر بموارد طبيعية حيوية وتخرج تدريجياً من سيطرة الولايات المتحدة. إن مثل هذه الخطوة الجريئة لإطاحة زعيم بلد أقام علاقات أوثق مع الصين وروسيا ترسل رسالة واضحة حول ما تستعد الولايات المتحدة لفعله من أجل الحفاظ على هيمنتها.

لماذا الآن؟ الدينامية الإقليمية مهمة. أُطلق على العقد ونصف الأول من القرن الحادي والعشرين اسم “الموجة الوردية”، حيث وصلت حكومات يسارية أو ذات ميول يسارية إلى السلطة في جميع أنحاء القارة. غالبًا ما استخدم هؤلاء القادة الطلب الصيني على مواردهم الطبيعية لانتشال ملايين الناس من الفقر. لكن هذا النموذج بدأ في الانهيار حوالي سنة 2011 عندما بدأ النمو الاقتصادي الصيني في التباطؤ. تحول العديد من قادة الموجة الوردية إلى التقشف والاستبداد.

على مدى العقد الماضي، مال الميزان السياسي في المنطقة مرة أخرى إلى اليمين. لكنه لم يكن نفس اليمين الذي كان قبل الموجة الوردية. اليوم، أصبح اليمين متشددًا ومتطرفًا، مستلهما ترامب. وتوجد حكومات من هذا النوع في السلطة في الأرجنتين والسلفادور وبوليفيا، كما فازت للتو في الانتخابات في تشيلي.

والأهم من ذلك، أن هناك أيضًا حكومة في انتظار في فنزويلا. منذ فوز تشافيز في أول انتخابات له، أيد اليمين المتطرف في فنزويلا علنًا التدخل الأمريكي. والآن، تحققت أمنيته أخيراً. لحظة كتابة هذا المقال، من غير الواضح إلى أي مدى جرى التنسيق بين الإجراءات الأمريكية وقادة اليمين المتطرف في فنزويلا والضباط العسكريين المنشقين.

لكن إذا وصلوا إلى السلطة، فإن الخطة واضحة. وقد لخصت زعيمتهم البارزة، ماريا كورينا ماتشادو، الحائزة على جائزة نوبل للسلام، ذلك مؤخراً بقولها: “سنحقق سيادة القانون. سنفتح الأسواق. سنوفر الأمن للاستثمارات الأجنبية وبرنامج خصخصة شفاف وواسع النطاق في انتظاركم”.

هذه هي “السلام على الأرض” التي يرغب فيها ترامب، ويبدو أن لجنة نوبل ترغب فيها أيضاً: بيع الأصول العامة بأسعار بخسة لشركات أمريكية مفترسة، وحكومة مرنة تجاه مصالح الشركات الغربية والمصالح الجيوسياسية.

لا تزال هناك العديد من الأسئلة دون إجابة. يؤدي الجيش الفنزويلي دوراً كبيراً. فقياداته العليا مندمجة بعمق في الطبقة الرأسمالية الفنزويلية، وتدير قطاعات مهمة من الاقتصاد. إلى جانب ميزانية فنزويلا العسكرية الكبيرة، كان هذا عاملاً أساسياً في ولائها للحكومة لسنوات عديدة. من غير الواضح كيف سيستجيب كبار الجنرالات لإطاحة مادورو، ولكن من غير المرجح أن يتنازلوا طواعية عن سيطرتهم على أكبر احتياطي نفطي في العالم.

وهناك المزيد من الأسئلة. هل ستتحد المعارضة حول برنامج وشخصية واضحين؟ من المستحيل معرفة ذلك، لكن القطاعات الأكثر اعتدالاً ليست متفقة بالإجماع على دعم التدخل الأمريكي. إلى أي مدى يقود هذا وزير الخارجية ماركو روبيو، الذي حركت مسيرتَه السياسية رغبةٌ شبه جنونية في تغيير النظام في فنزويلا وكوبا؟

ما هو التأثير السياسي الذي سيحدثه ذلك على الصعيد المحلي في الولايات المتحدة وعلى حركة ماغا  التي يقودها ترامب؟ ترك إرث العراق وأفغانستان جزءًا من قاعدة ترامب يعارض بشدة عمليات تغيير النظام. من الجدير بالذكر أن التصريحات القليلة التي أدلى بها ترامب وروبيو وصفت الإجراءات بأنها عملية “إنفاذ القانون” لجلب تاجر مخدرات “مجرم” إلى العدالة.

والأهم من ذلك كله، كيف سيكون رد فعل الشعب الفنزويلي؟ لقد أدى تحويل البلد إلى دولة فاسدة وسلطوية تعاني من الفقر إلى إضعاف الدعم القوي الذي كان يتمتع به شافيز، لكن الشعب الفنزويلي له تاريخ طويل في معارضة الإمبريالية الأمريكية. يدرك الكثيرون أن نظام العقوبات المُعوِّق الذي تفرضه واشنطن هو أحد الأسباب الرئيسية للبؤس الاقتصادي في البلد. وهم يعلمون أن واشنطن لن تفعل سوى نهبهم أكثر.

مهما كانت الإجابات على هذه الأسئلة، فإن الإطاحة بمادورو تمثل خطوة نحو عدوان إمبريالي أكبر وأكثر صراحة. بعد الإبادة الجماعية التي ارتكبتها إسرائيل في غزة، يبدو الآن أنه لم يعد هناك داعٍ حتى للتظاهر بالالتزام بالقانون الدولي. “القوة تخلق الحق” هو المبدأ التوجيهي للإمبريالية الأمريكية. لن يكون هناك سلام حتى تسقط الإمبراطورية.

مصدر: https://redflag.org.au/article/us-gangster-regime-kidnaps-venezuelan-president

شارك المقالة

اقرأ أيضا