المقال منشور في العدد 87 من جريدة المناضل -ة

بقلم؛ العاصي

في خضم تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية متزايدة التردي في المغرب، تتواصل موجة الاحتجاجات القاعدية المعبرة عن استياء الشغيلة من سياسات الأجور الهزيلة، وهشاشة التشغيل، وانعدام حماية اجتماعية لدى قسم عريض من الطبقة العاملة، في ظل تقاعس القيادات النقابية. لجأ عمال وعاملات الكابلاج إلى وسائط التواصل الاجتماعي للتعبير عن احتجاجهم ضد الأجور الزهيدة وساعات العمل الطويلة، ومجمل تجليات فرط الاستغلال. فرط الاستغلال هذا بلغ مستوى في معامل الكابلاج لدرجة هجر الشغيلة له، ما سبب خصاصا يواجهه ارباب عمل القطاع بحملة دعائية تبشر بأجور «مرتفعة». ويتواصل كذلك قهر العاملات في فروع الإنتاج «المخفية» ،المفلتة من أي رقابة، بمقدمتها قطاع النسيج. يضغط الشغيلة من خارج النقابات بالتشهير بظروف الاستغلال وأجور البؤس، وقد تميز شهر ديسمبر 2025 بالصدى القوى في وسائل التواصل الاجتماعي لحالة العاملة بإحدى شركات النسيج في طنجة التي طُردت بعد نشرها فيديو يكشف حجم أجرها الهزيل الذي لا يغطي أبسط حاجياتها اليومية، في خطوة صادمة تكشف حجم الاستغلال والتهميش في القطاع.

هذه التحركات الرقمية والفردية ليست حالات معزولة، بل تعكس صراعًا طبقيًا أوسع ضد سياسة الدولة الرأسمالية المتواطئة مع ارباب الشركات في إبقاء العمال والفئات الشعبية في وضع هش. تظهر هذه الحملات ( ملصقات وفيديوهات قصيرة )أن الضغط المباشر من القاعدة قادر على فضح أكاذيب الدولة والاستغلال الاقتصادي، سواء من خلال الطرد التعسفي أو الأجور الزهيدة، وكشف حقيقة التمثيل النقابي المنحاز لأرباب العمل باسم « الشراكة الاجتماعية».

تكشف هذه الخطوات عن وعي متزايد بين العمال بأهمية استخدام كل الوسائط المتاحة للضغط والنضال، وتعيد إلى الواجهة ضرورة الوحدة العمالية والنضال الموحد كسبيل وحيد لتحسين الأجور، شروط العمل، والحقوق الاجتماعية. إن التحرك الرقمي للعمال صرخة ضد الاستغلال والفقر والهشاشة والتهميش، ورسالة واضحة بأن الشغيلة لن تقف مكتوفة الأيدي أمام سياسات الدولة الرأسمالية وأرباب العمل، وأن النضال القاعدي المباشر أصبح أداة أساسية للمواجهة والدفاع عن الحقوق المشروعة حتى تتمكن الشغيلة من أدوات نضالها الحقيقية بكل ديمقراطية وبنفس كفاحية.

معركة عاملات وعمال شركة NAMATEX بطنجة وإسنادها التضامني

يخوض عاملات وعمال شركة NAMATEX بالمنطقة الصناعية المجد – العوامة بطنجة معركة نضالية منذ أزيد من شهر ونصف، عقب توقيفهم عن العمل وحرمانهم من أجور شهرين متتاليين، دون إشعار مسبق أو احترام لما تنص عليه مدونة الشغل من تعويضات، على محدوديتها.

شركة NAMATEX هي شركة ذات مسؤولية محدودة بشريك وحيد، تنشط في صناعة الملابس الجاهزة إلى جانب الاستيراد والتصدير، ويبلغ رأس مالها المصرّح به مليون درهم. وقد راكمت الشركة أرباحها على مدى سنوات من استغلال قوة عمل مئات العاملات والعمال داخل وحداتها الإنتاجية بطنجة.

تشمل هذه المعركة أزيد من 450 عاملة وعامل، اشتغل عدد كبير منهم لما يفوق 20 سنة داخل الشركة، قبل أن يجدوا أنفسهم فجأة دون أجر ودون أفق واضح، بعد أن حُوّلت «أزمة» المشغّل ونزاعه مع زبائنه إلى مبرر للطرد الجماعي ووقف صرف المستحقات.

منذ اندلاع المعركة، خاض العمال أشكالًا نضالية متعددة: اعتصامًا مفتوحًا داخل مقر الشركة، ووقفات احتجاجية منتظمة أمام المصنع، ثم نقلوا احتجاجهم إلى الفضاء العمومي عبر وقفات أمام القيادة والباشوية ومفتشية الشغل وولاية الجهة، دون تسجيل أي تجاوب يُذكر. ومع استمرار التجاهل، صعّد العمال نضالهم بتنظيم احتجاجات أمام ممتلكات صاحب الشركة، في تعبير عن انسداد قنوات التفاوض ورفض تحميلهم كلفة الأزمة.

حظيت هذه المعركة بـإسناد تضامني من مناضلي الحركة العمالية والتقدمية بطنجة. إذ نظّمت لجنة العمال بجمعية أطاك طنجة زيارة ميدانية للمعتصم، شاركت خلالها في وقفة احتجاجية رُفعت فيها شعارات تضامنية، وأكدت دعمها الكامل والمستمر للعمال بمختلف الأشكال النضالية والإعلامية. كما صدرت نداءات للتضامن على وسائل التواصل الاجتماعي، ودعا متضامنون إلى توسيع التضامن ونشر القضية لكسر الصمت المضروب عليها.

تحمل هذه المعركة أبعادًا اجتماعية خطيرة، إذ تعني تشريد مئات الأسر التي تعتمد كليًا على أجور هؤلاء العمال، في سياق يتسم بارتفاع كلفة المعيشة وتراجع الخدمات العمومية. كما تكشف من جديد واقع علاقات الشغل في قطاع النسيج، حيث يُترك العمال لمصيرهم كلما قرر رأس المال الانسحاب أو إعادة ترتيب مصالحه، تحت حماية الدولة وصمتها. ورغم كل الضغوط، يواصل عاملات وعمال NAMATEX صمودهم، مؤكدين تشبثهم بحقوقهم في الأجور المتأخرة والتعويضات القانونية والكرامة، ومراهنين على توسيع التضامن العمالي والشعبي لفرض الاستجابة لمطالبهم.
إنها معركة من معارك الطبقة العاملة، ولن تُحسم إلا بالوحدة والتنظيم والنضال.

الممرضون وتقنيو الصحة: وقفة احتجاجية أمام البرلمان

خاض الممرضون وتقنيو الصحة بالمغرب وقفة احتجاجية أمام البرلمان بالرباط يوم السبت 20 دجنبر 2025، في إطار برنامج نضالي تصعيدي أعلن عنه التنسيق النقابي الوطني للقطاع. جاء هذا التحرك احتجاجًا على التأخر في تنفيذ الاتفاقيات السابقة مع الحكومة، التي لم تُفعّل كامل بنودها رغم مرور أكثر من عام ونصف، ما خلق استياء واسعًا بين العاملين في الصحة العمومية.

شارك في الوقفة مئات الممرضين والتقنيين والأطر الصحية من مختلف الجهات، مؤكدين أن مطالبهم ليست امتيازًا، بل حق مكتسب. من بين هذه المطالب: إصلاح النظام الأساسي للمهنة، تحسين التعويضات عن الحراسة والبرامج الصحية، وضمان مركزية الأجور ضمن الميزانية العامة للدولة، بما يحمي حقوقهم ويعترف بجهودهم اليومية.

اختار العمال هذا الشكل من النضال بعد فشل قنوات الحوار الرسمية، مؤكدين استعدادهم لتصعيد تحركاتهم عبر مقاطعة الاجتماعات مع الوزارة، تنظيم احتجاجات إضافية، واستعداد لإضراب وطني في يناير 2026 إذا استمر التجاهل.

هذه الوقفة تعكس إصرار شغيلة الصحة على الدفاع عن حقوقها وكرامتها المهنية، وتؤكد أن النضال هو الوسيلة الوحيدة لإجبار الدولة على الاستجابة لمطالبهم. اعتبر المحتجون الوقفة دعوة للعاملين في القطاع الصحي للتضامن، وتذكير بأن الاستمرار في التسويف لن يوقف الضغط العمالي المستمر.

شغيلة التعليم الأولي: صرخة احتجاجية تتحول لمسيرة وطنية

خرجت شغيلة التعليم الأولي في المغرب يوم الاثنين 8 دجنبر 2025 في وقفة احتجاجية أمام مقر وزارة التربية الوطنية، سرعان ما تحولت إلى مسيرة حاشدة تجوب شوارع العاصمة، في خطوة تصعيدية تعبيرًا عن استياء واسع من سياسات الإقصاء والتهميش التي يواجهها العمال والعاملات في هذا القطاع منذ سنوات.

شارك في التحرك مئات المربيات والمربين من مختلف المدن، متحدّين إهمال الدولة لملفاتهم، ومطالبين بحقوق مشروعة: الإدماج الكامل في الوظيفة العمومية، تحسين الأجور وظروف العمل، وضمان إطار قانوني يحمي مهامهم واستقرارهم المهني.

هذه المسيرة تعكس وعيًا جماعيًا متصاعدًا بين شغيلة التعليم الأولي، التي قررت كسر صمت مؤسسات الدولة بعد تراكم الوعود غير المنفّذة، والتذكير بأن الحقوق لا تُنتزع إلا عبر النضال الموحد والمستمر.

تحولت الوقفة إلى مسيرة لتصل رسالة واضحة للمسؤولين: لن يقبل العاملون في التعليم الأولي بالمغرب بالتماطل أو التسويف، وأن كل خطوة تجاه تجاهل مطالبهم تعني تصعيدًا أكبر في الاحتجاجات والمبادرات النضالية.

هذه الخطوة ليست مجرد احتجاج، بل إعلان عن إرادة شغيلة التعليم الأولي في الدفاع عن كرامتها وحقوقها، ورسالة: الاحتجاج سيتصاعد، ولن تتراجع الفئة عن المطالبة بما هو حق لها.

تضامن شعبي وعمّالي مع الأستاذة نزهة مجدي أمام مؤسسات الدولة

أثار اعتقال الأستاذة نزهة مجدي، المناضلة في صفوف أساتذة التعليم العمومي المتعاقد، موجة غضب واسعة في صفوف الشغيلة التعليمية والقطاعات الشعبية، بعد توقيفها على خلفية مشاركتها في احتجاجات سلمية ضد سياسات التعاقد الهش والإقصاء الممنهج في قطاع التعليم. يمثل هذا الاعتقال محاولة واضحة لتجريم النضال السلمي وإسكات الأصوات المطالبة بالحقوق المشروعة، في إطار أوسع لمحاولات الدولة الرأسمالية لخنق الاحتجاج الشعبي ومنع أي مقاومة للنظام القائم الذي يفرض سياسات الهشاشة على الطبقة العاملة.

في مواجهة هذا القمع، شهدت الأيام الأخيرة تحركات تضامنية أمام مؤسسات الدولة شملت وقفات احتجاجية أمام مقرات وزارة التربية الوطنية والمحاكم ، رفع خلالها المحتجون شعارات مطالبة بالإفراج عنها وحماية حرية النضال، مؤكدين أن الحقوق لا تُمنح بل تُنتزع عبر النضال الموحد، ورافضين كل محاولات تجريم الاحتجاج السلمي وتهميش مطالب الشغيلة التعليمية.

تعكس هذه التحركات التضامنية إصرار الشغيلة على الدفاع عن الكرامة والحقوق المهنية والاجتماعية للمشتغلين في التعليم، وتؤكد أن قضية نزهة مجدي رمز لمعركة أوسع ضد القمع والتضييق السياسي، وضد سياسات الدولة الرأسمالية التي تضع أرباح السوق فوق كرامة العاملين وحقوقهم الأساسية.

تمثل هذه الخطوات التضامنية رسالة واضحة للدولة والرأسماليين: لن يتم إسكات النضال، ولن تتراجع الشغيلة عن المطالبة بحقوقها المشروعة مهما كانت المخاطر، لأن وحدتها ونضالها الجماعي هما الطريق الوحيد لتحرير الحقوق ومواجهة سياسات القمع والهشاشة.

احتجاج بوتفردة يندمج في نضالات العمال: مواجهة الفقر والتهميش بالقوة الجماعية

في 17 دجنبر 2025 خرجت ساكنة جماعة بوتفردة الجبلية في مسيرة احتجاجية باتجاه ولاية بني ملال‑خنيفرة متحدية التساقطات الثلجية القاسية وظروف الطقس القاسية، للتنديد بالتهميش البنيوي وتعقيد مساطر البناء التي تحرم الأسر من حقها في السكن اللائق. قادت النساء المسيرة، في مشهد يعكس قوة جمعيات الكادحين في مواجهة سياسات الدولة الرأسمالية التي تفرض حرماناً مزدوجاً: فقراً ماديًا وتهميشاً سياسيًا.

رغم سلمية التحرك، تدخلت قوات القمع لمنع المحتجين من الوصول إلى وجهتهم، ما خلف إصابات وحالات إغماء نقل على إثرها عدد من السكان إلى المستشفى الجهوي ببني ملال، وهو ما استنكرتّه الجمعية المغربية لحقوق الإنسان.

هذا الاحتجاج لا يمكن فصله عن سياق نضالات الطبقة العاملة المغربية اليوم، التي تواجه بدورها سياسات التهميش والإفقار، سواء في قطاع التعليم، الصحة، الصناعة أو الخدمات، حيث تُقابل مطالب الشغيلة بحقوقها الاقتصادية والاجتماعية بالقمع والاستعمال المفرط للقوة، كما يظهر في احتجاجات أساتذة القطاع المتعاقد وعمال شركات مثل NAMATEX . تحركات ساكنة بوتفردة تُظهر أن الاحتجاج الاجتماعي ليس مجرد مطلب محلي، بل جزء من صراع واسع للطبقة العاملة والفئات الشعبية ضد سياسات الدولة الرأسمالية، وللمطالبة بالحقوق المشروعة في السكن والعمل والكرامة الإنسانية.

شارك المقالة

اقرأ أيضا