من القمع إلى “الحوار”، كيف تُدار معاناة الشغيلة في نظام الاستغلال الرأسمالي :حالة قطاع الحراسة و النظافة و الطبخ

المقال منشور في العدد 88 من جريدة المناضل- ة

بقلم المعطي فبرايري

لا يلتقي وزراء البرجوازية بقادة العمال والعاملات إلا حين يُجبَرون على ذلك، ولا يفتحون باب “الحوار” إلا عندما يفرض النضال نفسه قوةً مقلقة تهدد السكون القائم. فلا مكان، في السير العادي لنظام الاستغلال الرأسمالي، للاعتراف بحقوق الشغيلة، لأن هذا النظام لا يرى في العمال-ات سوى قوة عمل يجب إخضاعها، وضبطها، واستنزافها إلى أقصى حد ممكن.

تكشف هذه القاعدة طبيعة الوزراء ووظيفتهم الحقيقية. فلا يظهرون كحماة للمصلحة العامة، ولا كوسطاء محايدين بين الطبقات، بل يعملون بوصفهم مديرين سياسيين لمنظومة الاستغلال، يتكفلون بتأمين شروط استمرارها، واحتواء تناقضاتها، وحماية أرباح الرأسمال على حساب الكرامة الإنسانية للشغيلة.

وعندما يلتقون بالعمال، فإنهم لا يفعلون ذلك بدافع “إنصاف” ما، بل بدافع الخوف: الخوف من اتساع رقعة الاحتجاج، ومن انفلات الغضب الاجتماعي، ومن تحوّل المعاناة الصامتة إلى قوة جماعية منظمة. عندها فقط، تُستدعى لغة “الإنصات” و”الحوار”، لا بوصفها اعترافًا بالحقوق، بل باعتبارها أدوات سياسية لامتصاص الغضب وإفراغه من محتواه النضالي.

وفي هذا الإطار، لا يمكن فهم اللقاء الذي جرى مؤخرًا بين شغيلة الحراسة والنظافة والطبخ والوزير المعني، عقب احتجاج 20 أكتوبر 2025، إلا باعتباره حلقة في سلسلة طويلة من المناورات. فالقهر الذي تعانيه هذه الشغيلة ليس وليد اللحظة، ولا طارئًا، ولا مجهولًا. لقد دام لعقود، واتخذ أشكالًا فجة من الاستغلال عبر الأجور الهزيلة، وساعات العمل المسروقة، حيث يعملون 12اعة عو_ القانونية، والعقود الهشة، وشركات المناولة التي حوّلت العمل إلى وضع أقرب إلى عبودية القرون الغابرة…

كان هذا القهر معروفًا، ومعترفًا به، وموثقًا في الشكايات والتقارير والبيانات. ومع ذلك، لم يتحرك الوزراء. بل جرى تجاهل النضالات حينًا، وسحقها حينًا آخر، لأن ميزان القوى كان يسمح بذلك، ولأن استمرار الاستغلال لم يكن عبئًا على الدولة، بل كان جزءًا من سياساتها الاقتصادية والاجتماعية القائمة على خفض كلفة العمل وتعميم الهشاشة.

لا يحدث لقاء وزراء رأس المال بممثلي العمال-ات لأن الظلم بلغ حدًّا لا يُطاق، بل لأن الظلم صار خطرًا سياسيًا. ولا تتحرك الدولة لأن القهر لا أخلاقي، بل لأن استمراره دون احتواء بات مكلفًا. وهكذا ينتقل الخطاب من القمع المباشر إلى “الحوار”، لا لتغيير جوهر السياسات، بل لإعادة إنتاجها بأدوات أنعم، ولتحويل النضال من فعل جماهيري ضاغط إلى مسار تفاوضي مُفرغ من القوة.

يكشف هذا المسار حقيقة “الحوار الاجتماعي” في النظام الرأسمالي: إنه ليس آلية لتحقيق “العدالة”، بل آلية حكم، تُستعمل لتفكيك النضال، وتجزئة المطالب، وإدماج القيادات داخل منطق المساومة، بينما يبقى أساس الاستغلال قائمًا دون مساس.

ومن هنا، تتضح الخلاصة النضالية بجلاء لا لبس فيه؛ لا خلاص للشغيلة في الرهان على وعود الوزراء، ولا في انتظار صحوة دولة راكمت الظلم لعقود. فلا تُنتزع الحقوق بالاعترافات اللفظية، ولا تُصان الكرامة باللقاءات الفوقية، ولا يقضى على القهر إلا بتنظيم مكافح واعٍ ومستقل.

كلام الوزير وتطميناته المخادع ما هو إلا حيلة لفش الغضب العمالي، ومنع تطوره نحو مزيد من التنظيم و النضال. قبل عامين ونصف العام، اعترف وزير الصناعة و التجارة، رياض مزور، عندما استضافه “لقاء هسبريس” أن “ظروف العمل صعبة جدا في قطاع الكابلاج والأجور ضعيفة”. وما حصل منذئذ في معامل الكابلاج؟ استمر الاستغلال المفرط ومعه تضخم الأرباح، واليوم نشاهد كيف يهرب الشغيلة من القطاع لدرجة وجود نقص في اليد العاملة فيه دفع ارباب العمل الي تنظيم حملة إعلامية لاستقطاب الشباب.

يريدون تهدئة الغضب بالكلام المعسول و اللقاءات الخادعة، واجبت تنظيم الغضب في قوة مكافحة

يشكّل تنظيم النضال شرطًا أوليًا لتحويل الشغيلة من ضحايا متفرقين إلى قوة اجتماعية موحدة، وبهذا يفكك التوحيد سياسة التفتيت التي تقوم عليها المناولة والهشاشة. أما الوحدة النضالية، فتنقل الصراع من الهامش إلى المركز، وتفرض على الدولة التراجع لا بدافع النية الحسنة، بل تحت وطأة ميزان قوى جديد.

وهكذا، لا يأتي الخلاص من فوق، ولا يُمنح من دولة طبقية، بل يُنتزع من أسفل، بتنظيم النضال، وتوحيده، ورفض كل أشكال الخداع السياسي التي تُلبس القهر لغة “الحوار”.

 وعلى هذا الخط يجب ان تستمر التعبئة النقابية الجارية في القطاع، وتنمو لتبني القوة التنظيمية القادرة، دون غيرها، على فرض حقوق الشغيلة .

شارك المقالة

اقرأ أيضا