حراك 20 فبراير: الأمل الذي لا يموت فينا!
زينب السايح
أنا من مواليد سنة 1985. في سنة 2011، وخلال التحاقي بحركة 20 فبراير، كنت أتابع ٱنذاك دراستي بجامعة ابن زهر بأكادير، شعبة الدراسات الإنجليزية، وكان عمري آنذاك ستةً وعشرون سنة.
كنت ناشطة داخل الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، ومناضلة حقوقية في إطار الجمعية المغربية لحقوق الإنسان فرع إنزكان- آيت ملول، كما كنت مناضلة سياسية ضمن شبيبة النهج الديمقراطي.
لقد ساهم تكويني الفكري والسياسي والحقوقي بشكل كبير في الانخراط والمساهمة في تأسيس حركة 20 فبراير أكادير الكبير.
ولا بد من التأكيد على أن الشرارة الأولى التي أشعلت فتيلة هذه الحركة كانت السياق الإقليمي العربي والمغاربي، خاصة الثورة التونسية والثورة المصرية، اللتين أفضتا إلى هروب زين العابدين بن علي وسقوط رأس النظام المصري حسني مبارك.
لقد كانت مشاهد القتل والإجرام التي مارسها نظام مبارك في حق المتظاهرين بساحة التحرير بالقاهرة، وسقوط عشرات الشهداء، من أبرز العوامل التي أيقظت فينا نار الغضب، ودَفعتنا أولًا إلى التفكير في سُبل التضامن مع الشعبين المصري والتونسي، وكذلك مع الشعب السوري.
بدأتُ حينها بالمشاركة في الوقفات التضامنية التي دعت إليها القوى الحية بالمغرب، قبل أن تنطلق نقاشات شبابية جادة من أجل تحويل هذا السخط الشعبي والتضامن الإنساني إلى حركة شبابية منظمة، تنادي بالتغيير، والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، والمساواة. فكانت أولى النقاشات تدار بالحلقيات داخل الحرم الجامعي بالموازاة مع الفضاء الافتراضي عبر موقع فايسبوك قبل أن تتوسع لاحقًا إلى مجموعات وشبكات أوسع.
وقد كان الوضع الاقتصادي والاجتماعي الذي يعيشه المغاربة آنذاك لا يختلف كثيرًا عما عاشه المصريون والتونسيون، لذلك تبلورت الفكرة في تحويل الغضب إلى فعل نضالي منظم، مؤطر بملف مطلبي واضح المعالم، يرفع شعارات من قبيل: إسقاط الحكومة، حل البرلمان، وتأسيس دستور ديمقراطي حقيقي، إلى جانب مطالب اجتماعية وسياسية أخرى.
في الحقيقة، لم أكن أتوقع أن تحظى مسيرات 20 فبراير بذلك الزخم العددي والنوعي، ولا أن تحقق ذلك النجاح الباهر في المدن والقرى. فقد كان حدسي يقول إنها لن تتجاوز وقفات متفرقة، خاصة وأن المغرب عرف دائمًا احتجاجات شعبية وحركات مطلبية متعددة غالبا تنتهي بدون تحقيق نتائج تذكر.
كنت أؤمن، وأنا منخرطة في التعبئة داخل الأسواق والأحياء الشعبية، بأن على الإنسان أن يؤدي واجبه النضالي سواء نجح الأمر أم لم ينجح. فالنضال بالنسبة لي التزام و واجب أخلاقي وإنساني مارسته منذ أن أدركت أن المطالب لا تُدرك بالتمني وإنما بالنضال والصمود وما لم يحقَّق بالنضال يتحقق بمزيد من النضال.
لكن المفاجأة كانت أكبر من كل التوقعات، إذ وجدت الحركة صدى واسعًا لدى عموم المواطنين والمواطنات بمختلف فئاتهم وطبقاتهم الاجتماعية. خاصة وأن الشعب المغربي كان قد فقد إلى حد كبير ثقته في الفعل السياسي، نتيجة اختلاط اليمين باليسار، وفساد النخب السياسية التي كانت يومًا ما تمثل أمله في بناء مغرب الحريات والعدالة الاجتماعية.
بالنسبة لي، تُعد حركة 20 فبراير ثمرة نضالات طويلة خاضها الشعب المغربي وقواه الحية والمناضلة، حيث جمعت بين مكونات يسارية، إسلامية، ديمقراطية، حقوقية ونسائية. وشكلت ميلاد مرحلة جديدة من المكتسبات، على رأسها تغيير الدستور، تغيير الحكومة، والاعتراف بالأمازيغية، إلى جانب حقوق أخرى نص عليها دستور 2011.
وكغيرها من الحركات الاحتجاجية، كانت النساء في طليعة النضال، سواء على مستوى التعبئة، تسيير الاجتماعات، تنظيم الندوات، المساهمة في النقاش داخل الجُموع العامة، بلورة الشعارات، التنظيم، الإعلام، وكذا التواجد في الصفوف الأمامية في مواجهة القمع والصمود.
ورغم أن الجُموع العامة كانت تمتد لساعات طويلة، أحيانًا إلى الثانية صباحًا، فإن عددًا من الرفيقات والشابات أبدين صمودًا كبيرًا في النقاش، وتحمل المسؤوليات، واتخاذ القرار بشأن الأشكال النضالية المختلفة.
غير أن السياق المجتمعي والأمني، وللأسف، لم يسمح لغالبية النساء بالحضور الليلي المكثف، خاصة في ظل غياب الأمن، إذ كانت الجُموع تُعقد ليلًا وفي مناطق يطغى عليها انعدام الشعور بالأمان. وهو ما جعل التوقيت عائقًا حقيقيًا أمام المشاركة النسائية الواسعة، فاقتصر حضور العديد من النساء على المسيرات الحاشدة وأشكال التعبئة النهارية.
كما لم تُطرح مطالب نسائية خاصة داخل الحركة، وذلك راجع أساسًا إلى عدم رغبة أغلب التيارات النسائية الليبرالية في الانخراط، بحكم أن سقف الحركة لم يكن ينسجم مع خطابها الميال إلى المهادنة مع النظام، والاكتفاء بتوجيه المذكرات إلى القصر، وحصر النضال في الشكل المطلبي الضيق.
أما بخصوص دور اليسار، فأعتقد أنه لعب دورًا محوريًا في تأسيس حركة 20 فبراير، والدليل أن أغلب شباب وشابات الحركة كانوا منخرطين- ات داخل تنظيمات اليسار الجذري. كما كان لهم دور أساسي في التنسيق مع القوى الإسلامية، وخاصة جماعة العدل والإحسان، التي كان حضورها متميزًا وقويًا، وأسهم بشكل واضح في توسيع قاعدة الحركة ومنحها نفسًا جماهيريًا واسعًا.
بالرغم من أن الحركة حققت بعض أهدافها، مثل كسر حاجز الخوف، وإعادة الأمل لدى الشعب المغربي بأهمية النضال وتوحيد الصف، وعودة مجموعة كبيرة من اليساريين الذين اعتزلوا النضال نتيجة اليأس والإحباط، وانتزاع مكتسبات مهمة من بينها التسريع بالانتخابات وتعديل الدستور، إلا أن الحركة لم تستطع استقطاب الحركة الطلابية والحركة النسائية والحركة العمالية، وهي الدينامو الأساسي لنجاح أي حركة نضالية.
الموقف الذي اتخذته بعض التيارات السياسية المحسوبة على اليسار من عدم المشاركة كان عائقًا كبيرًا، حرم الحركة من الاستفادة من روافدها الشابة والطلابية والعمالية والنسائية، وهو ما جعلها مكتوفة ومشلولة، حيث دخلت في نوع من التكرار والخمول وفقدت الزخم النضالي والكفاحي. كل ذلك عجل، حسب تقديري، بعدم قدرتها على المواصلة والصمود أمام احتواء المخزن، وسرّع خفوتها وتوقفها.
خلاصة الأمر أن اليسار بكل تلاوينه لم يكن في مستوى اللحظة، ولم يكن جاهزًا بالشكل الكافي لاقتناص الفرصة وتحقيق المهام الموكلة إليه.
وبعد مرور 25 عامًا على تأسيس حركة 20 فبراير، أعتقد أن الحركة، بمبادئها وأهدافها وما راكمته من تجربة نضالية، ما تزال حاضرة وقائمة. فرغم أنها لم تعد موجودة من حيث الشكل التنظيمي، فإن روحها ومبادئها ومطالبها ومكتسباتها ما تزال ممتدة وحية، وتتجلى اليوم في أشكال نضالية وقاعدية متعددة، وفي حركات اجتماعية مختلفة.
إنها الأمل الذي لا يموت فينا؛ فحتى وإن غابت الحركة كإطار، فإنها باقية في نضالاتنا وطموحاتنا، وراسخة في رؤيتنا للمستقبل الذي ننشده: مستقبل الحرية، والكرامة، والعدالة الاجتماعية.
اقرأ أيضا


