الرأسمالية تقتل النساء
العنف الذي تفرضه الرأسمالية البطريركية لا يفرّق بين الناس على أساس العرق أو الطبقة أو الجنسية أو الهوية الجندرية. ولذلك، إذا أردنا إصلاح ما خلّفته هذه المنظومة من أضرار، فعلينا أن نتكاتف لمواجهة مختلف أشكال القمع معاً، كما تشير ساندرا وايمان.
عندما كنت أصغر سنًّا بكثير وناشطة نقابية في اتحاد NUT، الذي كان سلف NEU، كان ما يثير غضبي أساسًا هو السقوف الزجاجية ومحدودية فرص الترقية المتاحة للمعلمات. ورغم أن هذه القضايا لا تزال مهمة، فإن الحركة النسوية التقاطعية في ليدز خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي جعلتني أكثر وعيًا بالتحديات التي تواجهها النساء على المستوى العالمي، مثل الفقر وسوء المعاملة والعنف. وهذه قضايا تزداد إلحاحًا اليوم، في ظل تصاعد تهديدات اليمين المتطرف للنساء؛ إذ لم يعد الأمر يقتصر على النضال من أجل المساواة فحسب، بل يتعلق أيضًا بمواجهة القمع وحماية حياة النساء في مختلف أنحاء العالم.
العنف ضد النساء
كنت مدركة لهذه الحقيقة منذ صغري؛ فقد كان زوج أمي يسيء معاملتها في زمن كان فيه القانون يجيز للرجال “تأديب” زوجاتهم، بما في ذلك جسديًا، إذا اعتُبرن عاصيات. ومع مرور الوقت أدركت أن هذه الظاهرة أوسع انتشارًا بكثير مما كنت أظن. ففي المملكة المتحدة، تُقتل امرأة كل ثلاثة أيام نتيجة للعنف المنزلي، كما تتعرض واحدة من كل أربع نساء لهذا النوع من العنف.
ورغم الجهود المبذولة لتغيير الثقافة السائدة، فإن الأرقام لم تتغير كثيرًا، كما أن خدمات الدعم المقدمة للناجيات باتت مهددة بفعل سياسات التقشف ونقص التمويل. ويزداد الوضع صعوبة بالنسبة لبعض الفئات؛ فالنساء السوداوات يحصلن غالبًا على دعم أقل، والنساء ذوات الإعاقة يواجهن تحديات إضافية، إذ قد يتحول مقدمو الرعاية في بعض الحالات إلى معتدين، كما أن كثيرًا من الملاجئ غير مهيأة لاستقبالهن. كذلك لا تقبل جميع الملاجئ النساء المتحولات جنسياً.
يكون طالبو اللجوء والمهاجرون أكثر عرضة لمختلف أشكال الاستغلال وسوء المعاملة أثناء الهجرة، بما في ذلك العنف الجنسي الذي قد يمارسه المهربون وشبكات الاتجار بالبشر، إضافة إلى العنف القائم على العنصرية والجنس.
أما بالنسبة للنساء في المجتمعات الأصلية، فالوضع بالغ القسوة؛ إذ تشير إحصاءات الأمم المتحدة إلى أن واحدة من كل ثلاث نساء من السكان الأصليين قد تتعرض للاغتصاب خلال حياتها. وفي كندا، تُظهر الإحصاءات أن النساء والفتيات من السكان الأصليين أكثر عرضة للقتل بست مرات مقارنة بغيرهن. ويلعب كل من العنصرية والإرث الاستعماري دورًا واضحًا في تفاقم هذه الأوضاع. وفقًا لمجلس الشؤون الهندية في الولايات المتحدة، كان هناك في عام 2025 نحو 4200 حالة من حالات الاختفاء والقتل التي لم يُكشف مصيرها بعد بين السكان الأصليين. وفي البرازيل، تواجه النساء المدافعات عن الأرض، اللواتي يعارضن استغلال الموارد الطبيعية، مخاطر جسيمة تشمل العنف الجسدي والجنسي.
مشكلات الصحة وعدم المساواة
على الرغم من الجهود المبذولة للقضاء على هذه الممارسة، لا يزال تشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية (FGM) قائمًا في نحو ثلاثين بلدًا. ووفقًا لمنظمة الصحة العالمية، تعيش اليوم أكثر من 230 مليون فتاة وامرأة ممن تعرضن لهذه الممارسة. كما يشير تقرير صدر في 5 فبراير عن عدد من المنظمات الدولية، من بينها الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية، إلى أن نحو 1.5 مليون فتاة يواجهن خطر التعرض لتشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية خلال هذا العام.
لا تزال الرعاية الصحية المقدَّمة للنساء السود تعاني من قصور واضح في هذا البلد وفي أماكن أخرى. ففي إطار نظام الرعاية الصحية الوطني (NHS)، تظهر تفاوتات في جودة الرعاية قبل الولادة وفي التعامل مع حالات مثل السكري، وهي فجوات تؤثر بدرجة أكبر على النساء السود، كما تزيد تخفيضات الخدمات من تفاقم هذا الوضع. وفي الولايات المتحدة أيضًا، تستمر الفوارق بين مستوى الرعاية الصحية المقدَّمة للنساء السود وغيرهن، خصوصًا بين من يعشن في ظروف الفقر. أما في العديد من البلدان، فإن الرعاية الصحية للأشخاص المتحولين جنسيًا تظل غير كافية، بل قد تكون غير متاحة في كثير من الحالات، وهو وضع ينسحب كذلك على فئات مهمَّشة أخرى.
الحقوق الإنجابية
نعلم أن الحق في الإجهاض، الذي انتُزع بعد نضالات طويلة وشاقة، بات اليوم عرضة للتهديد في العديد من السياقات. فالإجهاض يُعد علاجًا صحيًا أساسيًا، ويجب الاعتراف به والتعامل معه على هذا الأساس.
لكن الحقوق الإنجابية تتجاوز مسألة الإجهاض، فهي تشمل أيضًا الحق في إنجاب الأطفال، وهو حق تُحرم منه العديد من النساء بسبب ممارسات وسياسات تقيّد هذا الحق. فالتعقيم القسري لا يزال قانونيًا في اثني عشر بلدًا أوروبيًا، رغم تعارضه مع اتفاقية إسطنبول، بينما يُسمح بالتعقيم الإجباري للقاصرات في كل من البرتغال والتشيك والمجر.
رغم توقف بعض الدول عن ممارسة التعقيم الإجباري كوسيلة للتحكم في النمو السكاني، بما في ذلك بين السكان الأصليين، إلا أن هذه الممارسة لا تزال قائمة ضد مجموعات محددة. فهي تُمارس حاليًا بحق السكان الأصليين في الولايات المتحدة وكندا، والغجر في أوروبا الشرقية، والنساء الأويغوريات في الصين. كما تُعرض في جنوب أفريقيا النساء المصابات بفيروس نقص المناعة البشرية في ناميبيا وكينيا لمعلومات طبية مضللة تُقنعهن بالخضوع للتعقيم.
رغم أن اتفاقية إسطنبول تحظر صراحةً التعقيم الإجباري للأشخاص المتحولين جنسياً ومزدوجي الجنس، إلا أن هذه الممارسة لا تزال مستمرة. هذا النوع من القمع ينسجم مع أهداف اليمين المتطرف، ويؤكد الحاجة إلى التضامن والعمل المشترك لمواجهة مختلف أشكال القمع، إذا أردنا أن نتمكن من إصلاح الأضرار السابقة.
المصدر :
https://anticapitalistresistance.org/capitalism-kills-women/
اقرأ أيضا


