النساء في قلب الصراع الاجتماعي :نحو نسوية شعبية تحررية في المغرب

النساء, رأي8 مارس، 2026

جميلة سعدون- عضوة مجلة مساواة

تقديم

ترزح نساء المغرب تحت وطأة استغلال مزدوج يتقاطع فيه النظام الرأسمالي والبنية البطريركية، في سيرورة اندماجية متواصلة تُنتج وضعية اجتماعية خاصة. فالاستغلال المفرط لقوة عمل النساء يتجلى في طول ساعات العمل مقابل أجور منخفضة وحرمان واسع من الحماية الاجتماعية. كما يكرّس التقسيمُ الجنسي للعمل تحميلَ النساء مهام الرعاية المنزلية، من تربية الأطفال ورعاية المسنين والمرضى وصيانة البيت، باعتبارها “وظائف طبيعية” دون مقابل.

ولا ينحصر العمل غير المؤدى عنه في المجال المنزلي، بل يمتد إلى القطاع الفلاحي، حيث تنخرط النساء في تربية المواشي والعمل في الحقول ضمن شروط قاسية وهشة، غالباً خارج أي إطار قانوني أو حماية اجتماعية.

وقد عمّقت السياسات الليبرالية هذه الأوضاع، إذ تحمّلت النساء القسط الأكبر من نتائجها الكارثية، من خلال تقليص النفقات العمومية، وارتفاع الأسعار، وتفشي الفقر والهشاشة والبطالة. كما لم تفلح البرامج الحكومية المعلنة في التخفيف من حدة هذه الاختلالات، بل ساهمت أحياناً في إعادة إنتاجها.

فعلى مستوى التعليم، لا تزال نسب الأمية مرتفعة، خصوصاً في الوسط القروي. أما في القطاع الصحي، فتسجل اختلالات خطيرة تمس النساء بشكل مباشر، من بينها وفيات الأمهات أثناء الولادة، وغياب المتابعة الطبية للحوامل في المناطق القروية، وارتفاع نسب الإجهاض السري.

إضافة إلى ذلك، تؤثر التغيرات المناخية بشكل مباشر على النساء، حيث أدت الفيضانات إلى تدمير منازل وتشريد أسر، كما دفعت موجات الجفاف العديد منهن إلى قطع مسافات طويلة بحثاً عن الماء في ما بات يُعرف بـ”مسيرات العطش”.

وفي السياق نفسه، تتعرض النساء لأشكال متعددة من العنف داخل الأسرة والشارع وأماكن العمل، ويظل العنف الأسري الأكثر انتشاراً.

أما على المستوى القانوني، فرغم التعديلات الأخيرة التي طالت مدونة الأسرة، لا تزال هناك ثغرات واضحة. إذ يخضع تزويج القاصرات للسلطة التقديرية للقضاء دون منع صريح، ويظل التعدد مقنناً بشروط، كما يمنع زواج المغربية بغير المسلم، وتبقى مساطر الطلاق معقدة باستثناء مسطرة الشقاق. أما الإرث، فيستمر العمل بقاعدة “للذكر مثل حظ الأنثيين”، مما يعكس استمرار التفاوت القانوني بين الجنسين.

أولا- التجربة النسائية بالمغرب: التأسيس والمنطلقات

أ. الأندية النسوية: البدايات والتراكم

بمبادرة من مناضلات نسويات، تأسست الأندية النسوية باعتبارها أولى أشكال التنظيم النسائي الحديث في المغرب. وقد انصبت أنشطتها على مجالات متعددة، من أبرزها محو الأمية، والتحسيس، ورفع الوعي، والتأطير القانوني، والتوعية الصحية، إضافة إلى تنظيم الندوات وإنجاز الدراسات.

ساهمت هذه الأندية في خلق تراكم معرفي مهم وإشعاع ثقافي ملحوظ، كما لعبت دورًا أساسياً في تقريب قضايا النساء من المستفيدات، وخلق فضاءات للتواصل بينهن، وتوطيد العلاقات الاجتماعية. غير أن هذه التجربة توقفت خلال ثمانينيات القرن الماضي، نتيجة جملة من العوامل، من بينها العراقيل الإدارية، والتضييق على الحريات، وعدم استيعاب طبيعة المهام المطروحة في علاقتها بخصوصية المرحلة السياسية والاجتماعية، فضلاً عن انخراط عدد من رائداتها في تجارب تنظيمية أخرى.

بـ. الجمعيات: السياق والخطاب

مع أفول تجربة الأندية، برزت مرحلة تأسيس الجمعيات النسائية، في سياق دولي ووطني اتسم بتحولات عميقة. فقد دخلت الرأسمالية مرحلة الليبرالية الجديدة، بما صاحبها من سياسات تقشفية وتخلي الدولة عن عدد من مسؤولياتها الاجتماعية. كما شهدت هذه المرحلة هجوماً أيديولوجياً قادته المؤسسات المالية والدولية، حيث تصدرت أيديولوجية حقوق الإنسان مختلف مجالات النضال، وعلى رأسها النضال النسائي.

وقد تعزز هذا التوجه من خلال أنشطة الأمم المتحدة، عبر تنظيم المؤتمرات الدولية الخاصة بالمرأة، وتخصيص سنوات أممية للاحتفاء بها، وتتويج هذا المسار بإصدار اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، التي شكلت مرجعية مركزية ودعماً قوياً للخطاب الحقوقي النسوي.

على المستوى الدولي، تزامنت هذه المرحلة مع نهاية الموجة النسوية الثانية، التي ارتبطت بشعارات التحرر والاشتراكية والمطالب ذات الطابع الاقتصادي والاجتماعي، مثل الحق في العمل، والأجر المتساوي، والحق في التحكم في الجسد. غير أن تأسيس النسوية بالمغرب تزامن أكثر مع بداية الموجة الثالثة، التي رافقها بروز مفاهيم الهوية، والنوع الاجتماعي، والحقوق الفردية.

وقد تأثر المسار النسوي المغربي بهذه التحولات، فتمحورت أنشطته أساساً حول التحسيس، والتعبئة، ونشر ثقافة المساواة، والنضال من أجل تعديل مدونة الأسرة ومختلف التشريعات المحلية، والدفع نحو انضمام المغرب إلى الاتفاقيات الدولية، خاصة اتفاقية مناهضة التمييز، والعمل على ملاءمة القوانين الوطنية مع المعايير الدولية ورفع التحفظات عنها.

كما تميزت هذه المرحلة بالانخراط في الشبكات والملتقيات الدولية، والتمسك بآليات الأمم المتحدة، وإنجاز الدراسات، ونسج العلاقات، وفتح قنوات التمويل. هذا وعلى الرغم من محدودية الحصيلة، فقد عرفت المرحلة بعض المكاسب الرمزية، من أبرزها إصدار جريدة 08 مارس كأول جريدة مغربية مخصصة لقضايا النساء، والتي شكلت تجسيداً لوعي نسائي في سياقه التاريخي، مع التنويه بالترحيب  الذي لقيته داخل النخب النسائية المتعطشة للفكر النسوي التحرري، نظراً لجرأتها في تناول المواضيع الحساسة وطرحها لقضايا كانت تُعتبر من المحرمات في الفضاء العمومي.

ثانيا- نسوية الدولة بين خطاب التمكين وإعادة إنتاج الهيمنة.

إلى جانب هذه الجمعيات التي في الغالب انبثقت عن تيارات يسارية، برز في السياق المغربي ما يمكن تسميته بـ “نسوية الدولة”؛ أي ذلك الشكل من تبني خطاب المساواة والتمكين داخل الأجندة الرسمية، بما يخدم إعادة ترتيب موازين الصراع الاجتماعي بدل تفكيك بنيته. فالدولة، في السنوات الأخيرة، كثّفت الترويج لخطاب “تمكين النساء”، واعتمدت نظام الكوطا لتعزيز حضور النساء داخل المؤسسات والمناصب العليا، ووسّعت استعمال شعارات مقاربة النوع والإصلاحات القانونية وبرامج الإدماج الاقتصادي، باعتبارها مؤشرات حداثة وانفتاح. غير أن هذا الخطاب يصطدم بواقع يكشف تناقضاً صارخاً بين الشعارات والسياسات الملموسة.

يقدَّم “التمكين” بوصفه أفقاً تحررياً، لكنه في صيغته الرسمية يظل محكوماً بمنطق إدماج النساء داخل البنية القائمة دون مساءلة أسسها الاقتصادية والسياسية. فبدل مساءلة علاقات الملكية، والهشاشة، والتفاوت الطبقي، يجري التركيز على تمثيلية شكلية داخل مواقع القرار. ويتفرع هذا الخطاب ليشمل  شعارات “محاربة الفقر”، والترويج لبرامج القروض الصغرى التي تُسوَّق كآلية لخلق مشاريع مدرة للدخل. غير أن التجارب الميدانية أظهرت أن هذه القروض كثيراً ما تحوّلت إلى أداة لإغراق النساء الفقيرات في دوامة المديونية، تحت ضغط الحاجة إلى إعالة الأسر. فبدل ضمان الشغل اللائق والحماية الاجتماعية، يُلقى العبء على كاهل نساء معدَمات، ليُعاد إنتاج الفقر في صيغة مالية جديدة تخدم دورة الربح الرأسمالي.

ويشمل خطاب نسوية الدولة أيضاً شعار “محاربة العنف ضد النساء”، لكنه غالباً ما يختزل العنف في سلوك فردي يُرتكب من طرف “رجال سيئين”، ويُعهد للقانون معاقبتهم. هذا الاختزال يحجب الطابع البنيوي للعنف، المرتبط بهشاشة العمل، وغياب السكن اللائق، وخوصصة الخدمات، وتراجع الدولة عن أدوارها الاجتماعية. فالعنف ليس فقط اعتداءً جسدياً، بل  عنف اقتصادي وسياسي يكرس الفقر والتهميش.

هذا ولتفنيد مصداقية هذه الشعارات، تكشف التقارير حول أوضاع السجينات أن نسبة كبيرة من حالات الاعتقال ترتبط بأوضاع اجتماعية واقتصادية هشة، ما يعكس الطابع الطبقي/الجندري للسياسات العقابية. فالاعتقال في صفوف النساء لا يُفهم فقط كإجراء قانوني، بل كأداة لإسكات الأصوات المزعجة وإعادة إنتاج المراقبة والسيطرة. فحين تُعتقل امرأة بسبب رأي أو مشاركة في احتجاج، فإن الأمر لا يتعلق فقط بحبس جسد، بل بتفكيك شبكة رعاية كاملة: أطفال يُحرمون من الأم، وأسر تدخل في دوامة هشاشة مضاعفة. هكذا تتحول الأمومة نفسها إلى مسألة سياسية، ويغدو الحب والرعاية جزءاً من معركة الحرية.

إن دعم هذه السرديات، تطلب توظيف الاعلام الرسمي ليلعب دوراً محورياً في إعادة إنتاج سردية “مغرب التمكين”، عبر تسليط الضوء على قصص نجاح فردية لنساء في مناصب عليا أو مشاريع خاصة. غير أن هذا التركيز الانتقائي يخفي واقع العاملات في القطاعات المؤنثة منخفضة الأجر، وفي سلاسل الإنتاج المرهِقة، وفي الاقتصاد غير المهيكل.

إن خطاب نسوية الدولة في عمقه مرتبط بمنطق نيوليبرالي يقوم على توسيع مناطق التبادل الحر، وتوفير اليد العاملة الرخيصة، وتشجيع الهجرة النسوية لتلبية حاجيات الرعاية في بلدان الشمال، وخوصصة الخدمات الأساسية. بهذا المعنى، تصبح المساواة واجهة لتحسين صورة الدولة في المحافل الدولية، لا مشروعاً لتفكيك البنية الطبقية والجندرية. فـ”التمكين” يتحول إلى إدماج مشروط داخل نظام يعيد إنتاج الاستغلال.

إن التناقض بين خطاب الدولة حول التمكين والواقع المعاش، يقتضي فضح زيف خطاب التمكين كضرورة نضالية، وإعادة تعريفه من منظور شعبي تحرري شرطاً لبناء نسوية متجذرة في الصراع الاجتماعي، تعيد الاعتبار للرعاية كقيمة سياسية، وتضع الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية في قلب مشروعها.

ثالثا- النساء في قلب الصراع الاجتماعي: قراءة في ديناميات النضال النسائي بالمغرب

إذا كان المشهد النسائي المؤسساتي بالمغرب قد ظل، لسنوات، محكوماً بسقف نضالي محدود تمحور أساساً حول تعديل قوانين الأسرة، والتمكين السياسي، وولوج “مراكز القرار”، فإن المرحلة الأخيرة كشفت عن دينامية نسائية مختلفة، تتجاوز الخطاب إلى الفعل الميداني. لقد انتقلت النسوية من إطارها الجمعوي الضيق إلى فضاء الصراع الاجتماعي المباشر، حيث برزت النساء كفاعلات أساسيات في النضالات الشعبية. ففي حركة 20 فبراير، برزت مشاركة النساء بكفاحية واضحة. خرجن إلى الشارع دفاعاً عن الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، تظاهرن جنباً إلى جنب مع الرجال، ساهمن في التعبئة ورفعن الشعارات، في مواجهة القمع والمنع الأسري.

وقد شكلت هذه الدينامية لحظة مفصلية دفعت أعداداً كبيرة من الشابات إلى الانخراط في العمل النضالي. غير أن غياب مطالب نسائية واضحة وعدم بلورة أفق نسوي مستقل ساهم في التراجع النسبي الذي عرفته هذه المحطة. ودفاعا عن الأرض، نجد السلاليات ونساء إميضر، فالنساء السلاليات، بعد تفويت أراضي الجموع، خضن معركة شرسة من أجل الأرض والحق في الانتفاع. نظمن وقفات احتجاجية على المستوى الوطني، انتزعن الاعتراف كصاحبات حق بإلغاء ظهير 1919 الذي كان يقصيهن من حق الولاية والانتفاع. وبنفس الشغف خاضت نساء إميضر معارك دفاعاً عن الأرض والبيئة السليمة والحق في التشغيل، في مواجهة الاستغلال المنجمي وتبعاته البيئية. وفي سياق آخر انطلقت معركة ضحايا القروض الصغرى بقيادة نساء أميات ومهمشات، بعد إفلاس مشاريعهن وعجزهن عن السداد. اخترن الامتناع الجماعي عن الأداء والمطالبة بإلغاء الديون، نظمن وقفات ومسيرات ورفعن دعاوى قضائية. كان رد السلطة اعتقالات ومتابعات قضائية، ما عرى الطابع القمعي للنظام. وفي احتجاجات الماء والكهرباء، أدى الارتفاع الكبير في الفواتير إلى إطلاق شرارة واسعة للاحتجاج ضد شركة “أمانديس”. كان حضور النساء بارزًا في هذه الدينامية، شاركن بقوة في مسيرات الشموع التي تحولت إلى رمز للاحتجاج.

لم يكن انخراط النساء ثانويًا، في هذه المحطة بل كنّ في الصفوف الأمامية، يهتفن ضد الغلاء ويدافعن عن الحق في ولوج الخدمات الأساسية. هذا وقد امتد الحضور النسائي إلى احتجاجات غلاء الأسعار في شموليتها داخل انتفاضات المدن والمناطق، في هذه السياقات، برزت النساء كفاعلات في التعبئة والتنظيم، خاصة حين تعلّق الأمر بقضايا التهميش وغياب البنيات الأساسية وتدهور شروط العيش.

وفي زاكورة، تقدّمت النساء صفوف ما عُرف بـ”انتفاضة العطش”، دفاعًا عن الحق في الماء الصالح للشرب. ورغم الاعتقالات والمتابعات القضائية، واصلن الاحتجاج، إدراكًا منهنّ أن الماء ليس مطلبًا ثانويًا، بل شرطًا للحياة اليومية والاستقرار الأسري والاجتماعي.

إن تناول الاحتجاجات ضد خوصصة الماء، يحيل لا محالة على حراك فكيك، حيث تحوّلت الواحة إلى فضاء صراع مفتوح دفاعًا عن الموارد والذاكرة الجماعية. فقد خرجت النساء في مسيرات بزي تقليدي (الحايك)، في تعبير رمزي عن الترابط بين الهوية الثقافية والمجال الجغرافي. فالواحة تحدد الانتماء المكاني، والحايك يجسد الامتداد الثقافي، بينما يظل الماء الأساس الذي يضمن استمرار هذا الموروث المادي واللامادي. تجارب تكشف أن نضالات الماء والكهرباء لم تكن مجرد رد فعل ظرفي على الغلاء، أو التفويت، بل شكلت لحظة تسييس لقضايا الحياة اليومية، وتحولًا في موقع النساء من متضررات صامتات إلى فاعلات مركزيات في الدفاع عن الحق في العيش الكريم والعدالة المجالية.

هذه الدينامية، التي لم نحترم  تسلسل انطلاقها، دفعت إلى خلق تراكم  فجَّر حراك الريف فبرزت المرأة الريفية  بدورها،كقائدة ومقاومة. ففي مسيرة 8 مارس 2017 بالحسيمة، خرجت النساء في طليعة الاحتجاجات بشعارات مناهضة للحكرة والتهميش، فإذا كانت النساء خلال حرب الريف قد شكلن القواعد الخلفية، فإنهن في الحراك الأخير تقدمن الصفوف، بينما تولى الرجال حمايتهن بسلاسل بشرية. وهو ما عزز قلب  الأدوار النمطية مع التنويه بالشعارات المطروحة التي  عكست تداخلاً بين المطالب الاجتماعية، والهوية الثقافية الأمازيغية، والنوع الاجتماعي، ومناهضة الرأسمالية والتهميش.

هذا و من أجل صد الهجوم على مكاسب الشغيلة بالمغرب برزت تنسيقية الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد وشكلت معاركها  لحظة فارقة في إعادة تشكيل صورة المرأة المناضلة. فقد راهنت الدولة على تأنيث القطاع باعتباره مدخلاً لتفكيك المقاومة النقابية، انطلاقاً من الصورة النمطية المرتبطة بأدوار الرعاية والأمومة.

غير أن الأستاذات خيّبن هذا الرهان، ولعبن أدواراً قيادية في الاعتصامات والمسيرات، وقدمن إبداعات فنية وشعارات مؤثرة، وواجهن القمع والتعنيف والتحرش والاعتقال دون تراجع. لقد شكل حضورهن مؤشراً على تحولات عميقة في سوق الشغل وفي أشكال المقاومة الجديدة ضد هشاشة التوظيف والسياسات النيوليبرالية .وعلى نفس هذا النهج انخرطت طالبات الطب في مواجهة القرارات الحكومية المهددة لمجانية التعليم، كما كان حضور النساء وازناً داخل الجمعية الوطنية لحملة الشهادات المعطلين بالمغرب، حيث ساهمن في تأسيس الفروع وقيادة المعارك وتحملن الاعتقال والمتابعة.

أما العاملات المنتجات لفائض القيمة بشكل مباشر وواضح، فالرأسمال لم يتردد في لحظة من تاريخه لكي يستنزف قوة العمل في حدودها القصوى، خاصة حينما يتداخل البعد الطبقي بالبعد الجندري، يكون منطق الاستنزاف حاضرا بقوة. هذا المنطق المفترس دفع العاملات إلى خوض اعتصامات طويلة بشركات صناعية وزراعية، من البيضاء إلى الجديدة وشتوكة أيت باها وطنجة واللائحة طويلة، آخرها مكناس مع معركة سيكوم التي لا تزال متواصلة في وجه الباطرونا والبيروقراطية النقابية. ولا يمكن إغفال معاناة عاملات الفراولة بإسبانيا، والعاملات المنزليات بالخارج، وضحايا حوادث الشغل والكوارث الصناعية والفيضانات.

إلى جانب كل هذا وضمن السيرورة  الاحتجاجية، اندلعت من جديد احتجاجات سُميت بحراك جيل زيد، انطلقت من معاناة البطالة وانسداد الأفق وتدهور الخدمات، لتتحول إلى انفجار اجتماعي يطالب بإسقاط الحكومة. هذا ورغم عنفوان الحراك وتضحياته من ’’استشهادات واعتقالات’’، لم تكن هناك أي استجابة للمطالب. أما مشاركة النساء فكانت واسعة، حيث تبوأن الصفوف الامامية بجرأة وعبَّرن عن وعي بأهمية المطالب وخطورة الأوضاع. فمنذ البدايات الأولى للحراك وأمام المستشفيات، رابطت النساء مطالبات بالحق في الصحة رافعات صور ضحايا الإهمال الطبي، ومن  القرى التحقن سيرا على الأقدام نحو المراكز الصحية. لم تكن هذه المشاركة معزولة بل كانت لافتة خلال هذه السيرورة التي عرفها المغرب.

إن المطالب التي طرحتها حركة جيل زيد هي مطالب في شكلها بسيط وفي عمقها ذات مضمون طبقي/ نسوي وهو ما جعل النساء متشبثات بالحركة دفاعا عن الكرامة الإنسانية ورفض تام لتسليع الصحة والتعليم، ومن أجل استرجاع القطاع العمومي كضامن للحقوق الأساسية. مع كل هذا ورغم المشاركة المشرفة للنساء منذ اللحظات الأولى من انطلاق الحراك وبما أن هذا الأخير دأب على استضافة وجوه معروف معظمها بتوجهاته الليبرالية، فإنه لم يستقبل النساء الا بعد استنكار هذه السلوكات ليخصص حلقتين وكل حلقة عرفت حضور ضيفتين تيمنا بنصيب المرأة في الإرث ’’حظ الذكر مثل حظ الانثيين’’ وهو ما يعيد  منطق  البطريركية بين ظهراني الحركة.

خاتمة

في الأخير ولإنهاء هذا المقال، يمكن القول أن حضور النساء في الحركات الاحتجاجية، من المدن إلى الهوامش، أعاد تعريف النضال النسوي باعتباره جزءًا لا يتجزأ من الصراع الاجتماعي والطبقي وتكشف هذه المحطات أن النسوية في المغرب لم تعد مجرد خطاب حقوقي أو مطلب إصلاحي محدود، بل صارت ضرورة اجتماعية نابعة من صلب المعاناة اليومية. فأجساد النساء، في مواقع العمل والشارع والمحاكم والسجون، تحولت إلى فضاء سياسي مكشوف يعري طبيعة الاستغلال الطبقي والتهميش  الجنسي، كما أن الموجات الاحتجاجية المتكررة، برزت من خلالها النساء، كفاعلات أساسيات. هذا التحول أنتج جيلا من المناضلات اللواتي يربطن قضايا النساء بالصراع الاجتماعي، ويؤسسن لرؤية شعبية تحررية تنطلق من تداخل أنماط الهيمنة والاستغلال.

دينامية وشروط يمكنها أن تساعد على خلق وعي متقدم لربط النضالات النسائية بالمسألة الاجتماعية والعمل على تقويتها ومنحها مضمونا مناهضا لكل أشكال الهيمنة، من أجل بناء حركة نسائية جماهيرية… فالاحتجاجات النسائية الشعبية التي نعيشها اليوم قد عرت زيف خطاب نسوية الدولة كما عرت عجز النسوية المتشبعة بخطابات الأمم المتحدة والشرعة الدولية و خطها السياسي العاجز عن المساس بالخط الليبرالي المقدس والميزانيات الهائلة والتمويلات السخية التي أغدقت خلال مرحلة  بناء ساهمت في خلق نخب منسلخة عن الواقع النسائي ومطالب لا تحرك شعرة من أحاسيس البؤس وقهر المعيش اليومي.

إن هذه التحركات النسائية  الشعبية لتبشِّر ببداية تشكل وعي نسوي جديد  تقتحم به النساء الفضاء العمومي وتختبر ساحات النضال ومختلف التجادبات كلبنة أولى لانطلاق موجة نسوية جديدة  مختلفة عن الحركة السابقة في طابعها الشعبي واستقلاليتها عن القوى السياسية التقليدية (دينية  كانت أو ليبرالية) وتقديم مطالب ذات بعد اجتماعي / طبقي. هذا المنحى يدعو إلى التفكير في  مداخل قادرة على إطلاق دينامية الانغراس كحركة شعبية حاملة لمشروع مجتمعي يؤسس للعدالة الاجتماعية والمساواة تلعب فيه النساء دورا اساسيا يتضمن الاقتناع بالتحرر كسيرورة تصنعها النساء للقطع مع  منطق الانابة.

هذا ويشكل العمل المنزلي واجهة أساسية لابد من الاعتراف بوظيفت  الانتاجية والمطالبة بالتعويض عنه كعمل اجتماعي منتج والاعتراف بأعمال الرعاية ومنحها أهمية في التعويض والمراتب، كما أن النساء مدعوات اليوم للمطالبة بالغاء التمييز داخل سوق الشغل والقضاء على البطالة النسوية وإعادة الاعتبار للقطاعات النسائية المحضة وحماية النساء من مخاطر الشغل وتوفير الخدمات الاجتماعية العمومية  وتجريم العنف والتحرش الجنسي والاغتصاب تجريما حقيقيا والعمل على تخليق الحياة العامة ومنح النساء حق التحكم في الجسد، كما أن الحياة اللائقة والعيش الكريم يتطلب تمتيع النساء بالحق في الأرض والتقسيم العادل للثروة والتمتع ببيئة سليمة، خاصة وأن ضحايا الاختلالات الإيكولوجية هن نساء في المرتبة الاولى، أي حق الاعتراف بهن نساء لهن كامل العضوية داخل المجتمع، فالنسوية هنا ليست شعاراً منفصلاً عن الصراع الاجتماعي، بل تعبير عن حاجة موضوعية تفرضها شروط العيش داخل نظام يعيد إنتاج الهشاشة والاستغلال.

شارك المقالة

اقرأ أيضا