الطبقة العاملة المغربية والسياسة: لماذا لا يمكن فصل النضال الاجتماعي عن الصراع السياسي؟

بقلم؛ ق.م. المعطي

ليس اهتمام الطبقة العاملة بالشأن السياسي ترفاً فكرياً أو انشغالاً نظرياً منفصلاً عن هموم الحياة اليومية، بل هو شرط أساسي للدفاع عن مصالحها الاجتماعية والاقتصادية. فالعلاقة بين العمل ورأس المال لا تُحدَّد داخل المصنع أو الشركة فحسب، بل تنظمها أيضاً مؤسسات الدولة والقوانين والسياسات الاقتصادية التي ترسم شروط الإنتاج وتوزيع الثروة في المجتمع، أي، في التحليل الأخير، العلاقات بين الطبقات كلها، لا على المستوى المحلي فحسب، بل أيضا الدُّولي.

ومن هذا المنطلق، لا يمكن فهم أوضاع الطبقة العاملة في المغرب بمعزل عن البنية العامة للاقتصاد المحلي، وطبيعة الدولة، ومكانة البلاد داخل النظام الرأسمالي العالمي.

 نشأة تاريخية في سياق الاستعمار والاندماج الرأسمالي

لم تتشكل الطبقة العاملة المغربية عبر مسار صناعي داخلي عضوي كما حدث في البلدان الأوروبية، بل ظهرت أساساً أثناء الحقبة الاستعمارية مع إدماج الاقتصاد المغربي في السوق الرأسمالية العالمية. نشأت أولى النوى العمالية في قطاعات المناجم والموانئ والسكك الحديدية والأشغال العمومية الكبرى، التي أقامتها الإدارة الاستعمارية بهدف استخراج المواد الأولية وربط مناطق الإنتاج بالموانئ.

في تلك المرحلة، عانى العمال المغاربة من ظروف قاسية وتفاوتٍ صارخ في الأجور والحقوق مقارنة بنظرائهم الأوروبيين. وقد أسهم هذا الواقع في تشكل وعي مزدوج لدى الطبقة العاملة: وعي طبقي مرتبط بالاستغلال الاقتصادي، ووعي وطني مرتبط بمقاومة الهيمنة الاستعمارية. ولذلك، لعبت الحركة العمالية دوراً محورياً في النضال من الأجل الاستقلال، لكنه دور تابع سياسي لحركة وطنية برجوازية، بفعل تخلي الحزب الشيوعي المغربي عن مطلب الاستقلال.

بعد الاستقلال، توسع دور الدولة في الاقتصاد نسبياً، خاصة خلال الستينيات والسبعينيات، حيث نشأ قطاع عمومي في مجالات الصناعة والنقل والطاقة والإدارة. وقد أدى هذا التوسع إلى نمو الطبقة العاملة الحضرية وتعزيز مكانة النقابات العمالية كفاعل اجتماعي مؤثر. غير أن التصنيع ظل محدوداً، ولم يتشكل قطاع صناعي واسع قادر على استيعاب أعداد كبيرة من العمال، على غرار ما حدث في تجارب صناعية أخرى.

 التحول الليبرالي وإعادة تشكيل سوق العمل

ابتداءً من الثمانينيات، دخل الاقتصاد المغربي مرحلة جديدة بالموازاة مع تطبيق برامج الإصلاح الهيكلي تحت إشراف مؤسسات مالية دولية، مثل صندوق النقد الدولي والبنك العالمي. قامت هذه البرامج على تقليص دور الدولة الاقتصادي، وخصخصة العديد من المؤسسات العمومية، وتحرير التجارة والأسواق، وتشجيع الاستثمار الخاص. وقد أسفرت هذه التحولات عن إعادة هيكلة عميقة لسوق العمل؛ فتراجع دور القطاع العام في التشغيل، بينما توسعت أشكال العمل الهش وغير المهيكل.

في الوقت نفسه، ازداد اندماج المغرب في سلاسل الإنتاج العالمية، خاصة في قطاعات صناعية موجهة للتصدير مثل صناعة السيارات والنسيج والطيران والخدمات العابرة للحدود. غير أن هذا الاندماج يقوم، في جزء كبير منه، على ميزة تنافسية أساسية هي انخفاض تكلفة اليد العاملة مقارنة بالبلدان الصناعية. وهكذا، أصبح جزء مهم من الاقتصاد المحلي مرتبطاً بقدرته على جذب الاستثمارات عبر توفير قوة عمل منخفضة التكلفة وقوانين تشغيل مرنة، مما يضع الطبقة العاملة في قلب المنافسة الدولية على استقطاب الرساميل.

 البنية الطبقية وتركيز الثروة

في هذا السياق، تتسم البنية الطبقية في المغرب بتفاوت واضح في توزيع الثروة والسلطة الاقتصادية. فمن جهة، تبرز مجموعات اقتصادية كبرى تهيمن على قطاعات استراتيجية مثل الأبناك والعقار والطاقة والفلاحة التصديرية والصناعة. وغالباً ما ترتبط هذه المجموعات بشبكات استثمارية دولية وتستفيد من سياسات الانفتاح على الأسواق العالمية.

ومن جهة أخرى، تضم الطبقات الشعبية ملايين العمال في قطاعات الصناعة والخدمات والبناء والنقل والفلاحة، إضافة إلى قطاع عريض من العمال في القطاعات غير المهيكلة وصغار الفلاحين والعمال الموسميين. وتعيش هذه الفئات غالباً في ظل هشاشة اجتماعية واقتصادية، مع ضعف الحماية الاجتماعية وتفشي البطالة أو العمل غير المستقر. يعكس هذا التفاوت، في جوهره، طبيعة الاقتصاد المغربي بصفته اقتصاداً مندمجاً في الرأسمالية العالمية من موقع يعتمد بشكل كبير على العمل منخفض الكلفة والأنشطة الموجهة للتصدير.

 الدولة والسياسة كفضاء للصراع الاجتماعي

في مثل هذا السياق، لا يمكن اختزال الصراع الاجتماعي في علاقات العمل داخل المؤسسات الإنتاجية فقط. فالقوانين المنظمة للشغل، والسياسات الضريبية والاجتماعية، والإنفاق العمومي، كلها تتحدد عبر القرار السياسي داخل مؤسسات الدولة. لذلك، فإن غياب مُعبٍّر سياسي قوي عن الطبقة العاملة يترك المجال واسعاً لهيمنة مصالح رأس المال على صياغة السياسات الاقتصادية والاجتماعية. وتصبح الدولة، بوصفها المنظم الرئيسي للاقتصاد، ساحة صراع مركزية حول توزيع الموارد والثروة.

 لماذا بقي الحضور السياسي للطبقة العاملة محدوداً؟

رغم ثقلها الاجتماعي، ظل الحضور السياسي للطبقة العاملة محدوداً نسبياً، ويرتبط ذلك بعدة عوامل متداخلة:

أولاً، تتسم بنية الدولة بتركيز كبير للقرار السياسي والاقتصادي داخل مؤسسات مركزية، مما يجعل الوصول إلى مواقع التأثير في السياسات العامة عملية معقدة.

ثانياً، أدى تجزؤ سوق العمل واتساع رقعة الاقتصاد غير المهيكل إلى عمل جزء كبير من العمال في ظروف هشة وغير مستقرة، مما يصعّب تنظيمهم نقابياً وسياسياً.

ثالثاً، يعاني المشهد النقابي من التشتت، كما أن النقابات صارت أذرعا لأحزاب سياسية غير عمالية، برجوازية، وبعضها الآخر مرتبط مباشرة بالقصر، ما يمنع الاستقلالية التنظيمية والسياسية للحركة النقابية.

يفسَّر ضعف الحضور السياسي للطبقة العاملة بدرجة كبيرة بانعدام استقلالها السياسي والتنظيم عن البرجوازية (أحزابها ودولتها). فالحركة العمالية المنظَّمة في المغرب، ممثَّلة في النقابات، كلها مُلحقات بقوى سياسية غير عمالية، أحزاب معارضة برجوازية (ليبرالية أو رجعية)، أو مُلحقة مباشرة بالقصر (كما هو الحال مع الاتحاد المغربي للشغل). وما يفاقم الأمر هو غياب يسار نقابي طبقي داخل الحركة النقابية، أو ضعفه الشديد، فضلا عن فقدانه للبوصلة السياسية الطبقية، إذ أن أكبر مكوناته اختار أن يضمن مكاسب تنظيمية داخل الأجهزة المسيرة للنقابة مقابل السكوت عن أي انتقاد للبيروقراطية.

 النضال الاجتماعي والنضال السياسي: وحدة عضوية

مع ذلك، يبين التاريخ الاجتماعي أن المكاسب الكبرى التي حققتها الطبقات العاملة في مختلف البلدان- تحديد ساعات العمل، والضمان الاجتماعي، والحقوق النقابية – لم تكن ثمرة نضال اقتصادي فقط، بل جاءت أيضاً عبر صراعات سياسية حول طبيعة الدولة وتوزيع الثروة والسلطة. في المغرب، كما في غيره، لا يمكن فصل النضال الاجتماعي عن النضال السياسي. فالمطالبة بتحسين الأجور أو ظروف العمل تظل محدودة الأثر إن لم تقترن بالقدرة على التأثير في السياسات الاقتصادية والقرارات العمومية التي تحدد شروط الإنتاج والتوزيع.

 نحو أفق جديد

إن التحولات الاجتماعية الجارية في المغرب – توسع المدن، ونمو الطبقة العاملة في القطاعات الصناعية والخدماتية، وارتفاع مستويات التعليم – تفتح إمكانات جديدة لتجديد النقاش حول العدالة الاجتماعية والنموذج التنموي. في هذا الإطار، لا يعود اهتمام الطبقة العاملة بالشأن السياسي مجرد خيار، بل ضرورة تاريخية. فبقدر ما تتمكن هذه الطبقة من تنظيم نفسها والتعبير عن مصالحها بشكل جماعي، بقدر ما تستطيع التأثير في مستقبل الاقتصاد والمجتمع.

فالسؤال المطروح في النهاية ليس سؤال النمو الاقتصادي فحسب، بل هو سؤال من ينتج الثروة، ومن يملكها، ومن يقرر كيفية توزيعها داخل المجتمع.

شارك المقالة

اقرأ أيضا