التعليم في المغرب بين خطاب الجودة وواقع الشغيلة: قراءة نقابية في تقرير TALIS 2024
مقال منشور في العدد 66 من أسبوعية جريدة المناضل-ة
بقلم: ذة. فاطنة أفيد ⃰
تقرير تقني دقيق لعدد من اختلالات المنظومة، لكنه يتجنب طرح الأسئلة الجوهرية المرتبطة بالسياسات العمومية.
في سياق يتسم بتصاعد النقاش العمومي حول إصلاح منظومة التربية والتكوين، يُنظم المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، بشراكة مع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ندوة دولية لتقديم النتائج الخاصة بالمغرب من الدراسة الدولية للتعليم والتعلم (TALIS 2024)، وذلك يوم الثلاثاء 24 مارس 2026.
ومن خلال اطلاعنا على التقرير الموضوعاتي الأخير للمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي حول نتائج دراسة TALIS 2024 حيث يقدم معطيات رقمية ومقارنات دولية حول واقع مهنة التدريس بالمغرب. غير أن قراءة هذا التقرير من منظور نقابي، تكشف عن مفارقات عميقة بين الخطاب الرسمي وواقع الشغيلة التعليمية.
خطاب يرفع من قيمة المدرس… دون تمكينه
يقدم التقرير الأستاذَ باعتباره “رافعة إستراتيجية” للإصلاح، ويحمّله دوراً مركزياً في تحسين جودة التعلمات. غير أن هذا التقديم، يخفي توجهاً مقلقاً يتمثل في تحميل المُدرس مسؤولية اختلالات بنيوية لا يتحكم فيها.
فالحديث عن الرفع من أداء الأستاذ، دون تمتيعه باستقلالية بيداغوجية حقيقية، ودون توفير شروط عمل لائقة، يجعل من هذا الخطاب أقرب إلى آلية لإزاحة المسؤولية من الدولة نحو الفرد.
ظروف عمل صعبة
رغم اعتراف التقرير بوجود تفاوتات حادة داخل الأقسام الدراسية، حيث يصرح أغلب الأساتذة بوجود فروق كبيرة في مستويات التلاميذ، فإن التحليل يتوقف عند الوصف دون الغوص في الأسباب الحقيقية من فشل سياسات الإنصاف وتكافؤ الفرص واستمرار الاكتظاظ مع غياب دعم فعلي للأقسام متعددة المستويات.
كما يكشف تمركز الأساتذة الجدد في المناطق القروية والهشة عن اختلال خطير في تدبير الموارد البشرية، يكرّس “مدرسة بسرعتين”: واحدة للمجالات المحظوظة وأخرى للهامش.
مهام غير مرئية واستنزاف مهني
يشير التقرير إلى أن عمل الأستاذ لا يقتصر على التدريس، بل يشمل التحضير والتصحيح والتتبع والتواصل مع الأسر. غير أن هذه المهام، رغم مركزيتها، لا تنعكس في التقدير المادي أو الزمني. (30ساعة في الابتدائي مرهقة ومتعبة جدا).
اذ يعكس هذا الوضع توسعاً في المهام دون مقابل، وغياب اعتراف مؤسساتي بالعمل غير المرئي وارتفاعاً في مستويات الإرهاق والضغط المهني.
أزمة التكوين: نتيجة لسياسات لا لاختيارات فردية
تكشف المعطيات عن ضعف في مستوى التكوين، سواء الأساسي أو المستمر، مع وجود نسبة مهمة من الأساتذة الذين لم يستفيدوا من تكوين بيداغوجي كافٍ.
غير أن المقاربة النقابية ترفض اختزال هذه الأزمة في ضعف فردي، وتربطها بـ: سياسات التوظيف السريع لسد الخصاص، تراجع الاستثمار في مراكز التكوين وغياب رؤية استراتيجية متكاملة لتأهيل الموارد البشرية.
وبالتالي، فإن الدولة – وليس الأستاذ – تتحمل المسؤولية الأولى عن هذا الخلل.
التكوين المستمر: حق مهني يتحول إلى عبء
رغم مشاركة نسبة مهمة من الأساتذة في التكوين المستمر، فإن غياب الحوافز وضعف دعم الإدارة يجعلان منه ممارسة شكلية في كثير من الأحيان.
مما يستوجب أن يكون التكوين: حقاً مضموناً ومؤطَّرا ومرتبطاً بالترقية المهنية ومدعوماً مادياً ومؤسساتياً وليس مجرد التزام إضافي يثقل كاهل المدرسين.
استقلالية محدودة وإصلاح فوقي
من أخطر ما يكشفه التقرير هو محدودية الاستقلالية البيداغوجية، حيث يظل دور الأستاذ في بناء المناهج واتخاذ القرارات التربوية ضعيفاً.وهذا يؤكد أن: الإصلاح يتم بشكل مركزي وفوقي، والمدرس يُختزل في منفذ للقرارات في ظل غياب إشراك حقيقي للفاعلين التربويين وهو ما يتناقض مع شعارات “الحكامة التشاركية”.
الرقمنة: تفاؤل رسمي وواقع متعثر
رغم النظرة الإيجابية للأساتذة تجاه الرقمنة، فإن ضعف التكوين وقلة الإمكانيات يحدان من فعاليتها. وهنا تبرز مفارقة واضحة بين الطموح الرقمي المعلن والواقع الميداني.
في المحصلة، يقدم تقرير TALIS 2024 تشخيصاً تقنياً دقيقاً لعدد من اختلالات المنظومة، لكنه يتجنب طرح الأسئلة الجوهرية المرتبطة بالسياسات العمومية.
فإن أي إصلاح حقيقي للتعليم يمر عبر:
* تحسين الوضعية المادية والمهنية للشغيلة التعليمية؛
* ضمان الاستقرار الوظيفي؛
* تقليص الفوارق المجالية؛
* إشراك فعلي للمدرسين في صنع القرار التربوي.
أما الاستمرار في تحميل الأستاذ مسؤولية الفشل، دون معالجة جذور الأزمة، فلن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة بدل حلها.
* باحثة في سوسيولوجيا التربية وعضو المجلس الوطني للنقابة الوطنية للتعليم/ CDT
اقرأ أيضا

