“الحوار الاجتماعي” الوجه الآخر لميزان القوى المختل لصالح أعداء الشغيلة
بقلم؛ جريدة المناضل-ة
بلغت سخرية الدولة بالقيادات النقابية مستوى الاستهانة بها أمام الرأي العام بالامتناع عن تنظيم طقوس “الحوار الاجتماعي” لشهر سبتمبر. والحال أن دورة سبتمبر أرفع شأنا لأنها تسبق إعداد ميزانية السنة. ثم قامت، إمعانا في الإذلال، بتعيين موعد دورة ابريل أياما فقط قبل فاتح مايو، في دعوة وصفها زعيم نقابي من المدعوين بأنها فارغة وبلا جدول أعمال.
ومما يضفي على تلك السخرية وقع الإهانة الأشد أن القيادات جعلت “مأسسة الحوار الاجتماعي” ديدنها المشترك منذ عقود، وأن الدولة ذاتها تفضلت بما سمته ” الميثاق الوطني لمأسسة الحوار الاجتماعي” ضمن اتفاق 30 أبريل 2022 مع قيادات النقابات، ينص “على احترام الأطراف للمواعيد القارة للحوار الاجتماعي”.
هكذا تدوس الدولة مواثيقها، ويلوذ الضحايا بالتباكي. ليس الضرر في التباكي بل في تجميد مقصود لمنظمات النضال بتكريس واقع التشتت الناجم عن تعدد لا مبرر له، في ظل تصعيد الدولة/ أرباب العمل الهجمة على ما تبقى من مكاسب الشغيلة.
ليس عدم اكتراث الدولة بحوارها مع القيادات النقابية غير تعبير عن الحالة المزرية التي باتت عليها الحركة النقابية بفعل تدهور ميزان القوى في السنوات الأخيرة. تدهور كشفته السهولة التي مررت بها الدولة قانون المنع العملي للإضراب. فهذه الهزيمة التاريخية التي مني بها معسكرنا ما زالت تلقي بظلالها على الساحة النقابية، على معنويات الشغيلة المنظمين.
ميزان القوى زاد اختلالا لصالح أعداء الطبقة العاملة ليس فقط بسبب مستوى البطالة المهولة وما تمارس من ضغط على العاملين، وبقاء القسم الأعظم من الطبقة العاملة في وضع استحالة التنظيم بفعل تعميم هشاشة علاقة الشغل، والقمع المستمر للعمل النقابي، وكلها أسباب ضعف موضوعية، بل وأيضا بسبب ضعف ذاتي متمثل في سياسة القيادات النقابية التي أبدلت النضال والتضامن الطبقيين بما تسميه “الشراكة الاجتماعية”، أي التعاون مع الدولة/ أرباب العمل في تدبيير النزاعات الاجتماعية بين العمل ورأس المال لصالح هذا الأخير.
بينما تجعل القيادات النقابية من “الحوار الاجتماعي” استراتيجيتها، دلت التجربة مرارا أن المكاسب الفعلية متوقفة على ميزان القوى، أي التعبئة العمالية والمقدرة على الضغط. فمن حراك 20 فبراير إلى حراك التعليم في 2023/2024 كانت الدولة هي من يطلب “الحوار”، واضطرت تحت الضغط ان تقدم تنازلات غير مسبوقة.
لذا لا يبقى في ظل غياب برنامج نضال وحدوي، من شأنه دون سواه تغيير ميزان القوى، سوى التوسل إلى الدولة طلبا “للحوار”.
السبيل إلى تحسين ميزان القوى لصالح الطبقة العاملة ماثل في استنهاض قوى القسم المنظم منها، والسعي إلى ضم اقسام أخرى الى التنظيم. إنها غاية في المتناول عبر :
- الاهتمام بالخوالي النقابية، أي العديد من قطاعات العمل التي لاتوليها الأجهزة النقابية أي اهتمام. وهذا واقع يفضحه تكاثر تجارب نضال عمالية خارج الاطار النقابي. أبرز مثال بالحجم و الكفاحية مثلته انتفاضة شغيلة الزراعة باشتوكة ايت باها في نوفمبر 2024 . لا بل ثمة قطاعات ناضلت في هذه النقابة أو تلك، وتخلت عنها الأجهزة النقابية. ما مانع تنظيم حملات موحدة للتشهير بأوضاع فرط الاستغلال و الإذلال – امتهان كرامة الاجراء/ات، وحفز انخراط الشغيلة في النقابة.
- الوحدة العمالية: ليس انتظار توحيد الأجهزة، فهذا مستحيل لأن ثمة مصالح مادية تفرق بين البيروقراطيات الجاثمة على هذه الأجهزة، بل بوحدة النضالات المفروضة من أسفل. ولنا في التاريخ و في المعاين اليومي أمثلة عن التوحيد التحتي، اليته الأولية التنسيقات القطاعية. ويمكن بناؤه على صعيد وطني انطلاقا من تجارب محلية.
مثالنا الحي الحملة الجارية في قطاع الحراسة و النظافة. ما الذي يمنع توسيعها بانضمام النقابات الأخرى، و العمل ببرنامج نضالي لتأمين الحقوق الدنيا في افق الغاء التدبير المفوض الذي بينت التجربة انه مجرد وسيلة لقهر الشغيلة ونهب المال العام.
- تطوير العمل صوب النساء العاملات، في قضايا استغلالهن الفاحش وانزال عبء إعادة الإنتاج الاجتماعية على كاهلهن (مطلب خدمات اجتماعية مجانية وجيدة)…
- التضامن مع النضالات الجارية: ما جرى تكريسه إضعاف التضامن بقصره على القطاع في أفضل الحالات، ومنع التضامن مع العمال المنتمين لنقابة أخرى . لا تضامن إلا بإذن أو أمر من القيادة العليا ، سوى في حالات نادرة تعرض المبادرين إليها لسخط الجهاز.
الحقيقة ان التضامن العمالي عرضة لمحاربة واعية بسياسة نصب جدران فاصلة بين القطاعات داخل المركزية الواحدة وأسوار صينية بين المركزيات النقابية.
هذا فضلا على أن للتضامن بعدا شعبيا لا غنى عند لترجيح كفة الميزان لصالح الطبقة العاملة. لكن سياسة القيادات، والتربية الجارية داخل النقابات، لا تروم الى بناء جبهة النضال العمالي والشعبي ( لنتذكر المصير البائس لما سمي جبهة اجتماعية مغربية). وهذا ما دل عليه من جديد الموقف من تحرك جيل زد، ليس فقط بعدم الانضمام الى الاحتجاجات (عنوانها العريض الحقوق الاجتماعية)، بل حتى بالإحجام عن تنظيم حملة تضامن بعد جائحة القمع التي انهالت على الشباب المحتج.
- بناء أدوات نضال عمالية خارج أماكن العمل، للدفاع عن القدرة الشرائية وعن الخدمات العامة المجانية الممولة بالضريبة على رأس المال. جمعيات عمالية تكون مجالا لتعاون النقابيين من مختلف المشارب وغير المنظمين، لاسيما القطاعات التي بات التنظيم النقابي فيها شبه مستحيل، وتعزيز شبكة تقاطع للحقوق الشغلية بما هي فضاء تعاون نقابيين من مختلف النقابات وحقوقيين.
- خلق فضاءات رقمية مشتركة بين النقابيين/ت في القاعدة في أمور الإعلام والتكوين النقابيين، والتثقيف العمالي، على الصعيدين المحلي و الوطني. وهذه أيسر المهام بفعل إمكان إفلاتها من سطوة الأجهزة وما تنصب من عراقيل بوحه التعاون النقابي.
ختاما ستكسب الحركة النقابية الكثير بالعمل لإخراج العمل النقابي من طابعه السيزيفي، بالسعي لبناء رؤية عمالية للمشروع المجتمعي البديل عن نظام الاستغلال و الاضطهاد السائد. ما يعني تسييس العمل النقابي تسييسا اشتراكيا لأنه كما شخص لينين ليست النزعة النقابية غير سياسة عمالية برجوازية.
اقرأ أيضا

