كلميم: انتخابات بطعم العنصرية، وتكريس لنظام النهب والفساد

   انتهت الانتخابات الجماعية والجهوية وخفت حمى المنافسات وأوار الصراعات بين مجموعات لا تملك من “الأحزاب السياسية” إلا الاسم، انتهى “السباق” و”الصراع المحموم” بين مجموعات لا فارق جوهري بينها سوى السعي الجارف للفوز بفطيرة المجالس التي تفتح باب النهب والاغتناء واسعا أمام المحرومين منه.

   انقضى موسم الوعود و”البرامج الانتخابية” المستنسخة والمطابقة لبعضها البعض، وانكفأ الكادحون لمعايشة واقع البؤس اليومي بينما أقطاب الصراع الانتخابي يتقاسمون “الكعكة” ويتفاهمون على نصيب كل “حزب”، بعد أن دوخوا الكادحين وشحنوا أدمغتهم بأن كل حزب هو المحارب الحقيقي للفساد وفارس التنمية المحلية والجهوية.

   لا علاقة بين المتنافسين الرئيسيين في الانتخابات المحلية وبين أحزابهم وبرامجها الانتخابية، فكل واحد مستعد لتغيير جلبابه الحزبي حسب اختيارات اللحظة وحصان السباق الذي يستطيع دون غيره إيصاله إلى بر أمان الانتخابات.

   فعبد الوهاب بلفقيه ترشح لأول مرة في كلميم تحت راية احزاب ادارية ليلتحق بالاتحاد الاشتراكي فيما بعد. وحوله بعد ذلك إلى “أقطاعة حزبية” لعائته، التي وضع أفرادها على رأس اللوائح بكل من افني وكلميم باسم  حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية مستعمل  في ذلك النعرة القبلية المتخلفة.

   أما منافسه عبد الرحيم بوعيدة الاستاذ الجامعي فهو من أسرة رأسمالية كبيرة بالمغرب وكان أحد افراد عائلته عاملا على أول اقليم بالصحراء- طرفاية- بعد تدمير جيش التحرير سنة 1957 في عملية “اكوفيون”، وعبد الرحيم ترشح للانتخابات التشريعية سنة 2011 باسم التقدم والاشتراكية  في كلميم، لينتقل إلى التجمع الوطني للأحرار حزب أحمد عصمان صهر العائلة الملكية وأحد الأذرع السياسية للحسن الثاني الذي زج بالصحراويين في قلعة مكونة واكدز.

كلميم… حملة سابقة لأوانها

   في مواجهة رئيس بلدية اغتنى جراء تسييره للمجلس البلدي ومستقو بما راكمه من وسائل شراء النفوذ، قامت “معارضة” في مواجهته مكونة من أحزاب لا يربطها بشعار محاربة الفساد إلا سعيها للفوز بنصيبها من هذا الفساد.

   تردد البعض منهم- أشخاصا وجماعات- على جنبات حركة 20 فبراير وحاولوا توجيه نضال الحركة وحصره ضد “الفساد المحلي” الذي يجسده رئيس المجلس البلدي، علاوة كذلك على استغلال أي كارثة تقع بالمدينة أو الجهة (الفيضانات، احتراق الشاحنات) لتوجيهها ضد رئيس هذا المجلس الذي بلغت مواجهة هذه “الأحزاب” له حدود شيطنته.

   بلغ صراع هذه الأحزاب ذروته مع تعيين الوالي العظمي وادعاءاته القدوم لمحاربة الفساد واجتثاث رموزه بالمدينة، واشتد سعارها مع تنقيل العظمي مدعية أن وزارة الداخلية والأمن الوطني وكل جهاز الدولة- باستثناء الملك طبعا- خاضعة لرغبات “عراب الفساد- بلفقيه”، أي أن الذيل يحرك الكلب وليس العكس.

   بلغت دعاية هذه الأحزاب مستوى رهيبا جعلت جزءا من كادحي المدينة يتصور أن مركب التنمية الاقتصادية والاجتماعية سيقلع بمجرد إزاحة بلفقيه من كرسي البلدية.

نعرة قبلية وعنصرية من الطرفين

   ولأن هذه الأحزاب محليا لا تقوم بأي عمل سياسي- بحكم تقليد كرسه الاستبداد يقضي بجعل الصحراء منطقة منزوعة التسييس- فقد استعملت في دعايتها وصراعها أكثر الوسائل وقاحة ومنها النعرة القبلية والعنصرية، مصورة رئيس المجلس البلدي على أنه وافد على المدينة وأن العظمي وبعده كل المرشحين لهزيمته انتخابيا، على أنهم من “أبناء المدينة الأبرار والأوفياء”.

   وفي الحملة الانتخابية الأخيرة تم استقدام الوزيرة المنتدبة لدى وزير الشؤون الخارجية مباركة بوعيدة إلى جانب الأستاذ الجامعي عبد الرحيم بوعيدة وكيل لائحة أحد أكثر الأحزاب دعما لنظام الفساد والاستبداد طيلة تاريخه، وتم تقديم الأولى بالخصوص على أنها ابنة المدينة و”وادنونية قحة” عكس “عبد الوهاب الشلح”.. وبلغت الشوفينية من طرف المشاركين المباشرين في الحملات الانتخابية مبلغ تفضيل فاسد صحراوي على فاسد “شلح”. والعكس بالعكس.

   وفي الجهة الأخرى لم يتردد ممثل حزب “القوات الشعبية” بالمدينة على استغلال النعرة المضادة، وعمل أنصاره سواء في الواقع أو على شبكة التواصل الاجتماعي على إذكاء النعرة القبلية البعمرانية.

   لقي هذا الاستعمال الواسع للشوفينية من الطرفين رضى الدولة، التي تعمل على إذكاء هذه النعرات القبلية والإثنية في عموم منطقة الصحراء، كآلية للتحكم في هذا المجال.

مجلس جهوي على مقاس دولة الاستبداد

   انتهت الانتخابات الجهوية بفوز عبد الرحيم بوعيدة من حزب التجمع الوطني للأحرار محمولا بتصويت ثلاث أحزاب رئيسة هي التجمع الوطني للأحرار وحزب العدالة والتنمية والحركة الشعبية، بفارق صوت واحد عن “عبد الوهاب بلفقيه”، الذي صوت عليه بالدرجة الأولى حزبه “الاتحاد الاشتراكي” ثم “الأصالة والمعاصرة”.

   في نظام يحكمه الاستبداد وتتقوى فيه مركزة القرار لا يمكن أن نتحدث عن خيار الناخبين، بل عن تحكم الاستبداد في نتائج الانتخابات. وإن كانت الملكية في السابق تتحكم بشكل قبلي في نتائج الانتخابات فإنها فضلت في الوقت الراهن التحكم البعدي فيها، وهو ما ظهر في تشكيل المجالس الجهوية على المستوى الوطني.

   إن عدم فوز “عبد الوهاب بلفقيه” لا يترجم “إرادة شعبية” لمحاسبة رموز الفساد، بل تصور الاستبداد ووزارة داخليته لتقطيع جهوي متحكم فيه مركزيا، وفي نفس الوقت يحمل وراءه رهانا محليا يتعلق بكبح جماح أفراد البرجوازية المحلية حتى لا يتعدى أحد حدوده الاقتصادية والسياسية، إنه قص لأجنحة لطرف اغتن من استغلال المال العام والصفقات العمومية؛ أي اغتن وتقوى ولكن في حدود.

   عكس صرخات الفرح التي أطلقها البعض مثل “سقوط الديكتاتور” أو “السقوط الثاني للديكتاتور”، إلا أن نتائج الانتخابات تنطق بالعكس. فحزب “عبد الوهاب بلفقيه” حسم سابقا انتخابات الغرف المهنية وحسم أيضا المجلس الإقليمي والمجلس البلدي لمدينة كلميم ومجلس بلدية بويزكارن إضافة إلى حصد 81 مقعدا في باقي الجماعات (موقع لكم الالكتروني)، دون نسيان ما راكمه من قوة اقتصادية ضمنت له قاعدة انتخابية/ اجتماعية شبه قارة. وسيستغل بلفقيه وحزبه كل هذه المكاسب للإعداد جيدا للانتخابات البرلمانية المقبلة.

   كما أن فوز أخيه محمد بلفقيه برئاسة المجلس البلدي لكلميم، تضمن له التغطية على “ملفات الفساد” التي توجه له أصابع الاتهامات حولها.

   تستغل الدولة مثل هذه الصراعات بين أقطاب النهب والاغتناء المحلية المتعددة قصد إعطاء انطباع بأن الانتخابات آلية “حقيقية” لمحاسبة المسؤولين والمنتخبين، أي في التحليل الأخير انتصار آخر للمسلسل الديمقراطي الذي لا زال ساري المفعول منذ سبعينيات القرن العشرين.

من بوعيدة الأحرار مناهضا للفساد!

   في حملته الانتخابية ركز وكيل لائحة حزب التجمع الوطني للأحرار على أنه مرشح “مناهضة الفساد” وأن لديه “سوابق” محاربته، أهمها اهتمامه بالشأن المحلي للمدينة وللصحراء عموما، خصوصا في مقالاته التي تجاوزت العشرات حول المنطقة (!!).

   لكن حزب التجمع الوطني للأحرار حزب فساد ونهب بامتياز، لا ننسى الفضائح المالية لصلاح الدين مزوار عندما كان وزيرا للمالية، وقد وقف حزب “أحرار بوعيدة” إلى جانب نظام الفساد والاستبداد في عز النضال الشعبي والسياسي طيلة سنة 2011.

   في إحدى التجمعات الخطابية لحملة بوعيدة صرح الأخير: “أعطيني صفة منتخب وإذا لم أقف وقفة رجل وغيرت معك الفساد.. أعطني السلطة الانتخابية آنذاك حاسبني”. لكن ما أن امتلك السيد بوعيدة صفة منتخب حتى سارع إلى عناق “رمز الفساد” بالأحضان.

… إلى بوعيدة حاضنا للفساد

   في الوقت الذي كانت فيه الحناجر تهتف فرحا بسقوط “عراب الفساد” في انتخابات الجهة وصعود “ابن المنطقة” بوعيدة، سارع هذا الأخير إلى احتضان رئيس المجلس البلدي السابق ورفع يده عاليا، في اتجاه معاكس لتطلعات مصدقي أوهام وخداع “أحزاب” كان برنامجها الانتخابي الوحيد هو الحيلولة دون وصول “عبد الوهاب بلفقيه” إلى رئاسة مجلس الجهة.

   في نفس الوقت شكر عبد الرحيم بوعيدة والي ولاية كلميم ناسيا ما سبق أن دبجه قلمه في أحدى “رسائله إلى أهل الصحراء” حول الدولة التي  “رهنت خريجيكم بوزارة الداخلية في الولايات والعمالات لتحصي أنفاسكم”.

   وما أن انتهت انتخابات مجلس الجهة حتى بلعت كل الأحزاب ألسنتها الحادة وطوت برامجها المنسوخة عن برامجها الوطنية.

   وصرح بوعيدة بعد تنصيبه رئيسا لمجلس الجهة: “هدفنا جميعا إنجاح هذا المسلسل الديمقراطي الذي نص عليه الدستور الجديد… هدفنا أيضا هو إنزال الجهوية الموسعة على أرض الواقع.. وعلى مد يد المساعدة لكل المواطنين بكل فئاتهم الاجتماعية.. ومن أجل أيضا إنجاح هذا التحدي الذي ينتظره الجميع والذي ينتظره صاحبا لجلالة الملك محمد السادس نصره الله”.

   يعول رئيس الجهة على دستور جاء ليقطع الطريق على نضال حركة 20 فبراير ضد الفساد والاستبداد، وأكثر من ذلك على جهوية موسعة تنعدم في ظل قانونها المنظم كل إمكانية أمام رئيس الجهة لتنفيذ وعوده “المعسولة” المقطوعة لناخبيه مثل “تحديد أولويات الجهة، والنهوض بها لجعلها في مصاف الجهات المتقدمة”.

تحكم وزارة الداخلية في مجلس الجهة

   تدرك جميع الأحزاب نفاق خطابها وكذبها على ناخبيها في ما يخص وعود التنمية الاقتصادية والاجتماعية، فكل الاختصاصات المقدمة لمجلس الجهة تحد منها وصاية وزارة الداخلية، وهو ما يظهر جليا في قانون الجهات الوارد في “الدليل القانوني للجماعات المحلية” الصادر عن وزارة الداخلية بتاريخ 15 يناير 2015.

   فالمادة 7 ترهن إعداد مخطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية للجهة بالتوجهات والأهداف المعتمدة في المخطط الوطني للتنمية وفي حدود الوسائل الخاصة بالجهة وتلك الموضوعة رهن تصرفها؛ ويحيل المجلس الجهوي مخطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية للجهة إلى المجلس الأعلى للإنعاش الوطني والتخطيط قصد الموافقة عليه، ونفس الشيء فيما يخص إنعاش التشغيل الذي يرتهن بإطار التوجهات المحددة على الصعيد الوطني.

   ونحن ندرك أن ما يطلق عليه التوجهات الوطنية هو سياسة التقشف التي أنتجت نسبا مرتفعة من البطالة وحرمانا من حقوق الصحة والتعليم وفي آخر التحليل إعاقة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

   وينظم الباب الرابع من نفس القانون سلطة وصاية وزارة الداخلية على مجلس الجهة، فالمادة 41: تقر أن قرارات المجلس الجهوي الخاصة بالمسائل التالية لا تكون قابلة للتنفيذ إلا إذا صادقت عليها سلطة الوصاية.

لا محاربة للفساد خارج رقابة شعبية حقيقية

   لم يشكل شعار “محاربة الفساد” عند الأحزاب المشاركة في الانتخابات الأخيرة إلا مطية لإسقاط فاسد محتكر لمغانم الفساد، وإعدادا لنخب فاسدة جديدة، دون التجرؤ على محاسبة المتورطين في ملفات الفساد محليا.

   إن المعني بالنضال ضد الفساد ليس وزيرة منتدبة ولا أستاذا جامعيا يعتقد أن دولة قائمة على الفساد والاستبداد تعتبر وسيلة لتحقيق التنمية. إن المعني الحقيقي بهذا النضال هو الجماهير الشعبية والكادحون المكتوون بسياسة اللاتشغيل والحرمان من حقوق الصحة والتعليم وكل سياسات التقشف التي تلقي بالشعب إلى أهوال الكدح والجوع.

   إن الشبيبة المنخرطة في حملة هذه الأحزاب ظنا منها أن تحارب الفساد عن حق، مطالبة بإزاحة الغلالة عن أعينها، وذلك قريب جدا، لأن ممارسة حزب “الأحرار” لن تكون مغايرة لممارسة حزب “القوات الشعبية”، تحت وصاية وزارة داخلية نظام الفساد والاستبداد.

   جزء من هذه الشبيبة كان مشاركا في حراك العشرين من فبراير وجزء آخر كان في قيادة نضال الشباب المعطل المطالب بالشغل، اندفع إلى دعم هذا الحزب أو ذاك، بعضهم عن قناعة والبعض الآخر لمحض انتهازية ظرفية، وذلك نتاج الإحباط الذي ولده الجزر النضالي بعد خفوت نضال حركة 20 فبراير.

   إن القاعدة الشبيبية للحركة التي عبأتها هذه الأحزاب منذ أكثر من سنة لإسقاط عبد الوهاب بلفقيه وبعد ذلك أثناء الانتخابات الأخيرة للحيلولة دون وصوله إلى مجلس الجهة، شبيبة مكتوية بنار البطالة والإقصاء، ويظنون عن قناعة ناتجة عن غياب قوة سياسية شعبية حقيقية تربط بؤسهم بأسبابه الحقيقية، يظنون أن المشكل في الأشخاص أو كون هؤلاء الأشخاص ليسوا من أبناء المنطقة.

   راكمت دولة الاستبداد في المغرب تجربة كبيرة في ضبط ملفات الفساد وآخرها الملفات التي راكمها المجلس الأعلى للحسابات، لكن دولة قائمة على الفساد من أخمص قدميها حتى رأسها لا يمكن أن تحاسب الفاسدين إلا لغرض ذر الرماد في الأعين أو تقديم أكباش فداء. كما أن قانون الجهات لا يعطي للناخبين سلطة محاسبة منتخبيهم، بل يحصرها في يد وزارة الداخلية (المادتين 17 و19 “الدليل القانوني للجماعات المحلية”).

   إن نضالا حقيقيا ضد الفساد ونهب المال العام وفي الأخير من أجل تنمية حقيقية بكل أبعادها يستدعي رقابة ديمقراطية من أسفل، في الوجه النقيض لدولة الاستبداد القائمة حاليا، ويفترض ذلك منظمات نضال حقيقية من نقابات وحركات معطلين، وفي نفس الوقت تنظيم الكادحين داخل أحيائهم في لجان الأحياء لدراسة ملفاتهم المطلبية فيما يخص تدبير شؤون المدينة من صرف صحي وتبليط للشوارع وخدمات الماء والكهرباء، إضافة إلى الملفات الأخرى المرتبطة بتشغيل أبنائهم وأوضاع البنية التحتية المرتبطة بسائر الحقوق الأخرى من صحة وتعليم.

   إن تحقيق ذلك يستدعي عدم الثقة في أحزاب مرتبطة ارتباطا وثيقا بنظام النهب والفساد المعممين، وثقة أكثر في طاقة الكادحين الكفاحية..

   طاقة ستنفجر في أي لحظة، وإنا غدا لناظره لقريب.

النمري

Print Friendly, PDF & Email