ردي على مقال جريدة المُناضل-ة الموقع بقلم الصديق علي أموزاي.
بقلم وائل الناصح
الأشقر متحاملا!
موازين القوى، هذا المفهوم الذي أصبح أكثر تداولًا لدى من يمارسون التحليل السياسي، وبالخصوص لدى الممارسين في حقول الصراع، وفي كثير من الأحيان أصبح هذا المفهوم مرادفًا للموضوعية، من أجل إضفاء مصداقية أكثر على آراء مستخدميه.
لا يهم سؤال: ما هي موازين القوى؟ بقدر ما يبدو التساؤل عن وضعها في لحظة تاريخية ما أكثر جدوى. وهنا أتساءل مع علي، ومن خلاله مع صديقه جلبير الأشقر: كيف كانت موازين القوى عشية حرب التحرير الجزائرية الكبرى؟ وما هو مقياس ميلها لصالح الثوار الفيتناميين عشية مواجهة الإمبريالية الأمريكية؟ ألم يكن خطر التلويح باستخدام فائض القوة ممكنًا؟ وكيف تجرأ الشعب الفيتنامي على قوة أظهرت، في مناسبتين، قدرتها على استخدام أكثر الأسلحة فتكًا في هيروشيما وناكازاكي؟ أتخيل هنا ماذا لو كان صوت جلبير الأشقر مسموعًا في تلك اللحظة، ليردد في آذان الجزائريين والفيتناميين عصارة نظرته الواقعية لموازين القوى!
في البداية، أود الإشارة إلى ملاحظة منهجية ربما أغفلها الرفيق علي عندما التزم، في بداية فقرة “هل يدعو الأشقر إلى الخنوع والاستسلام؟”، عندما قال بأن من غير استحضار مقالات سابقة للأشقر، وبالاقتصار على المقال المنتقَد. لكن يبدو أن صاحب الرد قد استعان بمقالات سابقة، وللأمانة فتعليقي على مقال الأشقر حركته مطالعتي لمقالات متتالية للكاتب على صفحات جرائد مختلفة. بعد الإشارة المنهجية بشكل مقتضب، نمر لمناقشة أفكار الرد، ومن خلالها لجزء كبير من مواقف الأشقر.
مع المقاومة ولكن…
حالات اللبس التي تورط فيها الأشقر في كتاباته السابقة ربما دفعته، كما كتب الصديق علي، لتدبيج مقاله بموقفه من المقاومة خشية التأويلات الخاطئة، ولكن هذه الديباجة ليست كافية لتبديد هواجسنا اتجاه الكاتب الذي عودنا على التضارب في الأفكار من داخل نفس المقال. ولا نشكك هنا في موقف الأشقر من المقاومة كفكرة، بل ننقده من منطلق ادعائه الثورية، وذلك من خلال تصديه المستمر لشكل معين من المقاومة. ومن باب التذكير فحتى أكثر الليبراليين ليبرالية لا يبدون عداءً واضحًا للمقاومة ولفكرتها، بل أكثر من هذا نجد نصوص الأمم المتحدة تنص على حق الشعوب في المقاومة، وعلى حق المقاومة المسلحة. فهل هذا الإقرار كافٍ لنصف هذه المواثيق بالمرجعية الثورية؟
واقعية الأشقر كتوأم مزعوم للينين.
يبدو أن منطق استحضار لينين للدفاع عن ثورية مقاربة الأشقر المعادية لمسألة المقاومة المسلحة، والتي تتكرر في الكثير من كتاباته، فيها نوع من الإسقاط الفج. فهذا المنهج المتبع في استقراء مواقف الكاتب على ضوء مواقف لينين من معاهدة الصلح مع ألمانيا الإمبريالية، يحتاج لاستحضار اختلاف السياقات التاريخية، وإعادة التذكير بهوامش المناورة التي كانت متاحة، والتي ساهمت في سدادة الموقف اللينيني من قضية الصلح.
أول الأسباب التي دعمت موقف لينين في مواجهة دعاة الحرب الثورية هي ارتفاع فرص بناء الاشتراكية في روسيا، والثانية هي الرهان على تثوير الطبقة العاملة الألمانية، استنادًا للتحليل الذي صاغه ماركس بأن شروط الثورة ناضجة بألمانيا بما يكفي. وهنا أتساءل مع صاحب الرد وصديقه الأشقر: هل يمتلك الفلسطينيون المحاصرون ترف الاختيار بين مجموعة من السيناريوهات، كما الأمر أثناء التوقيع على معاهدة الصلح؟
الاستناد إلى لينين لا يجعل من الكاتب لينينيا بالضرورة يا صديقي. فحتى اليسار الانتخابي في المغرب يجد في دعوة لينين للمشاركة في الانتخابات، ولاستغلال منبر الدوما سندا لموقفه!
منهجية الدفع بالحجج المبتورة من سياقها، وتغييب الشروط المحيطة بها، تزيد الأمور غموضًا ولبسًا بخصوص العديد من النقاط المثارة في ردكم. وهنا أتقدم لتوضيح نقطة استعملت بشكل تعسفي، من خلال إقحام فكرة ندم حسن نصر الله على الهجوم المؤدي لحرب 2006، ببساطة لأن الغرض من فتح جبهة مع العدو كان بهدف أسر عدد من الجنود للوصول إلى عملية تبادل، بمعنى أن هدف الحرب وكلفتها غير متناسبين، ولم تكن للحرب استراتيجية كبرى.
وبالعودة لسياق انطلاق الطوفان، فالوضع مختلف جدا، والمنعرج الذي كانت تمر منه القضية الفلسطينية كان يسير نحو تصفيتها وإدخالها رفوف النسيان، ولذا يمكن القول بأن الوضع الفلسطيني كان ضاغطًا، ولا يترك لمن يملك جزءًا من إمكانية المواجهة سوى هامش بسيط يناور فيه. وقد نجد أنفسنا أمام وتناقض أخلاقي ونحن نحاكم حركات المقاومة بأدوات التحليل المترف، وكما يبدو، من السخافة أن نبارك طرح جلبير الذي لا يزال يراهن على انبثاق تحول لصالح القضية الفلسطينية من داخل مجتمع الاحتلال، كما أورد في إحدى مقالاته السابقة ” أما الدعم الإقليمي الذي يجب أن يعول عليه الشعب الفلسطيني فليس هو دعم الحكومات المستبدة، من قبيل حكومة طهران، بل الدعم الصادر عن الشعوب التي تناضل ضد هذه الأنظمة المُضطهِدة. هنا يكمن أفق التحرر الفلسطيني الحقيقي، الذي يجب ربطه بتحرر المجتمع الإسرائيلي ذاته من منطق الصهيونية الذي أنتج بصورة محتمة انحراف نظامه السياسي المستمر نحو اليمين”.
المنظور الجيلبيري: عندما تتحمل الضحية مسؤولية إبادتها.
لا يمكن إلا أن نكون في وضع المذهولين أمام استخدام هذا التعبير، الذي أعدت نشره في ردك: “لذا يخشى بشدة أن يجرف طوفان الأقصى، في نهاية مطافه، قطاع غزة بأكمله، مثلما جرف الطوفان الطبيعي مدينة درنة قبل شهر، لكن على نطاق أوسع”. هل خانت اللغة صاحبها في تحميل تبعات عملية الطوفان للمبادرين به؟ أي مثقف ثوري يمكن أن يروج لمثل هكذا أفكار؟ من حسن حظ الفلسطينيين أن صوت الأشقر ليس مؤثرًا بما يكفي لتكون هذه الجملة أنسب غطاء لتبرير الإبادة وتحميل الضحية مسؤولية تعرضها للإبادة.
الأشقر ليس في موقع المغفل لتذكيره بسجل الاحتلال في التنكيل بضحاياه، سواء مارسوا حقهم في المقاومة العنيفة أو لم يمارسوه. وهنا، من باب التذكير بالحالات المعروفة: الضفة، واحتلال سوريا بعد سقوط الأسد، وكأن الاحتلال يحتاج للذرائع ليمارس فجوره. منذ متى كان رد الفعل القمعي والدموي مرهونًا بحجم فعل المضطهدين وانتفاضهم ضد القهر؟ وما دمنا أمام ما وقع في سوريا إبان انتفاضة 2011، ألم يكن رد الفعل الدموي والعنيف الممارس من طرف النظام في حق المتظاهرين فوق التوقع؟ دموية نظام ما، أو كيان ما، أو قدرته على الإمعان في سحق الآخر، هي أشياء غالبا ما تكون خارج المعرفة المسبقة والحساب القبلي، ولا يجوز بأي حال من الأحوال إثقال المنتفضين بتحمل وزرها.
جلبير في تأكيده لدوره المسفه لحركات التضامن.
تتبع مقالات جلبير الأشقر وضعنا أمام مفاجأة دخول الرجل في نوبة تسفيه مستمرة في حق كل عمل تضامني مسلح دعمًا لغزة. هنا سيستخدم كل قدراته التحليلية الصائبة وغير الصائبة في التقليل من الخطوات التي اتخذها الحوثيون في معركة إغلاق باب المندب، بين التأكيد على تضرر الكيان بصورة طفيفة بفعل هجمات الحوثيين، وبين التخويف من الغضب الأمريكي. بل استعمل العبارة التالية: “لكنّ الاعتداء على بواخر قوة عظمى في ممرّ بحري دولي إنما هو سلوك أرعن من حيث عواقبه المحتملة، لا بدّ من أن يجرّ الويلات على شعب اليمن، الذي هو بالتأكيد غنيّ عنها بعد كل ما تكبده خلال حرب طاحنة بدأت قبل عشر سنوات ولم تنته، وإزاء الفقر المدقع والمجاعة المستشريين في صفوفه”.
سقطت تحليلات الأشقر، سقطت أمام قوة الوقائع، وهو صاحب المقاربة الواقعية المفرطة. وهنا نحيل الأشقر وصديقنا علي على مصادر لها من المعطيات الكافية حول ما تعرض له ميناء إيلات في خضم حرب الإسناد. كما نذكر صاحبنا بهذا المقال الذي يتناول حجم الخسائر: “انهيار تجاري بعد الإغلاق. عام 2023، حقق ميناء إيلات إيرادات بلغت 212 مليون شيكل (نحو 57.2 مليون دولار)، ولكن الإيرادات تراجعت عام 2024 بنسبة 80% لتصل إلى 42 مليون شيكل فقط (نحو 11.3 مليون دولار) بعد إغلاق مسار التجارة عبر البحر الأحمر. وكان الميناء الإسرائيلي قد استقبل حينها 134 سفينة و150 ألف سيارة، مقارنة بـ16 سفينة فقط عام 2024، و6 سفن فقط في النصف الأول من 2025، بحسب ما أوردته غلوبس”.
من غطاء النقد إلى التصنيف الملتبس لعملية الطوفان
مأزق جلبير الأشقر منذ حرب الكيان على غزة سنة 2021، مرورًا بطوفان الأقصى، تجلى أولًا في تصديه للنقد، بدون هوادة، لحركات المقاومة في عز الصراع المدمر وغير المسبوق. ولو كان الكاتب ماركسيًا بما يكفي، وهي عبارة أتمنى أن تلقى صدرًا رحبًا من طرف الصديق علي، لفعل مثلما فعل ماركس خلال تجربة الكومونة، فرغم المؤاخذات لم يطعن ماركس في أبطال الكومونة رغم كل الأخطاء. أما صاحبنا فقد تجاوز كل الخطوط حين صنّف الطوفان بكونه أقرب إلى الحادي عشر من سبتمبر منه إلى بداية حرب 1973. أليس هذا التصنيف تماهيًا مع الذين وصفوا هذه العملية بالإرهابية؟ أمام هذا المستوى، لم يكن الأشقر فقط متحايلًا، بل كان الأشقر كذلك متحاملًا.
شارك المقالة
اقرأ أيضا

