في ذكرى اغتيال عبد الله موناصير: من هو المناضل عبد الله موناصير الانسان؟ استجواب مع المناضل ابراهيم موناصير
يشكل اغتيال عبد الله موناصير مرحلة في ذاكرة الحركة النقابية المغربية. كان كفاحه تعبيرًا عن مواجهة عامل بحر لنظام الاستبداد السياسي و الاستغلال الرأسمالي وكل أشكال القهر والاضطهاد. بقي اسم عبد الله موناصير حاضرًا في الذاكرة لأن من عرفوه لم يتذكروا فقط النقابي الذي دافع عن حقوق البحّارة، بل الإنسان الذي ساهم في زرع الشعور بالكرامة لدى البحارة.
ومن خلال هذا الاستجواب حول حياة عبد الله موناصير، مع المناضل النقابي إبراهيم موناصير (أخ الشهيد)، نفتح قليلاُ بابًا نادرًا في هذه التجربة: كيف استطاع بحّار مناضل أن يترك هذا الأثر العميق في حياة الناس وفي ذاكرة النضال النقابي؟
مرحبا رفيق ابراهيم.
– شهدت جنازة عبد الله موناصير حضورًا واسعًا ومتنوعًا، ما الذي كان يميّز شخصيته في تعامله مع الناس حتى حظي بكل هذا الاحترام والتقدير في حياته وبعد واستشهاده؟
اولا احيي الرفاق في جريدة المناضل ة على اعداد هذا اللقاء تخليذا للذكرى السنوية التاسعة والعشرون للشهيد عبد الله موناصير ، و استغل هذا المناسبة لا حيي كافة المناضلين والمناضلات الذين ساهموا من قريب او من بعيد ، في الاعداد لكافة التظاهرات التي نجحت بكل المقاييس منذ مساء يوم الاحد 31 ماي 1997 الى غاية تشييع جثمان الشهيد يوم 19 أكتوبر 1997 ، والذى كان حدثا تاريخيا لم تشهد مدينة اكادير مثله، بحيث حضره الالاف من الجماهير الشعبية من كل الفئات العمرية ، عمال وعاملات و والبحارة الذين اضربوا لمدة ستة ايام حداد على اغتيال الشهيد واستحضر ايضا دور اعضاء الجمعيات التي كان الشهيد يناضل من داخلها ، مثل جمعية الاطس باي تاووكت وكذا الطلبة والمعطلين ولجنة الشهيد وعائلته الذين لعبوا دورا مهما في التعريف بقضية الشهيد…والرد على كل المحاولات لتحريف مسار القضية وجعلها صراعا من اجل المال او المناصب .
ان الحضور الواسع للجماهير الشعبية اثناء تشييع الجنازة يعبر عن مدى صدقية الشهيد في تعامله مع ثضايا الكادحين، اذ كان الشهيد عبد الله موناصير يناضل على مستوى عدد من الجبهات سياسية و اقتصادية وجمعوية ، هذه الصدقية في تعامله مع قضايا الجماهير الشعبية ومؤازرتها والتضامن معها ميدانيا ،
وكذا مسيرته السياسية التي كان فيها لصيقا بقضايا الفقراء كالحق في التعليم و التشغيل والسكن الائق وضد الهدم كما اانخرط واسس مجموعة من الاطارات الجمعوية ، كل هذا جعله يحصل على كمناضل ميداني على ثقة الجماهير الشعبية .
كان المناضل عبد الله موناصير ذاك المناضل الذي لا يكل من العمل ، ففي حي انزا مسقط راسه دأب على التعاون نقابيا مع شغيلة معامل التصبير بانزا ، وفي اطار لجنة الخروقات للجمعية المغربية لحقوق الانسان ساهم في التصدي للهدم الذي تتعرض له ساكنة انزا ، كما اسس جمعية الاطلس بايت تاووكت وهو حي فقير باكادير يعاني ايضا من نفس التهميش والحكرة.
ناضل الشهيد بجانب الشباب العاطل وكان رفيقا لعدد من مناضلي هذه الجمعية، كما ساهم في نشر الوعي التقدمي في اطار الجمعيات الثقافية المناضل ة بانزا ، لم ينحني الشهيد طيلة مسيرته النضالية امام تهديدات الدولة كالطرد من الولاية اثناء تمثيله للبحارة فىي اطار لجنة محاسبة التعاضدية ، ولم توقفه المحاولتين الاولتين للاختطاف عن ممارسته مهامه النضالية ، كما تصدى لكل الممارسات البيرقراطية داخل النقابة او في اطار الجمعيات التي تسعى لتلجيم كل فعل نضالي وتحويل هذه الاطارات الى مجرد مكتب للشكايات بل دافع عن الديمقراطية الداخلية وكان ضد كل اشكال الكولسة التي تسعى فقط للوصول الى المناصب والكراسي .ونتيجة لذلك كان يحضى بالتقدير والاحترام من طرف الجميع.
– كيف كان عبد الله موناصير داخل البيت؟ ما الأشياء التي كان يحبها بعيدًا عن السياسة؟
كان والدي بحارا ، غادر تامري متجها لاكادير ، وكنا نسكن حي انزا الصناعي ، ببيت مكون من غرفتين و صالة للضيوف وكنا نستغلها ايضا اثناء مراجعتنا الدروس او النوم ، اسرة مكونة من خمسة اولاد وبنتين ، وكان الشهيد عبد الله موناصير الاخ الاكبر ، لم تكن عائلتي ميسورة ، ولم تكن ايضا معوزة ، كان ابي يشتغل بحارا بحصيتين لانه خياط . وكان حريصا على تعليم ابنائه وبنتيه ، لكن غادر الشهيد عبد الله موناصير المدرسة والتحق للعمل بقطاع الصيد الساحلي في سن مبكرة، وساعد الوالد في اعالة الاسرة ، وبعد مرور اربع سنوات فقط من العمل تزوج بلالا فاطمة كربيض ، واصبح اب لطفلين ، لم يتنيه الزواج عن النضال ، عانى الشهيد عبد الله موناصير كغيره من البحارة من قساوة العمل، وهذا ما يحرمه كغيره من البحارة من الراحة و ممارسة هواية ما ، وكانت العطل محدودة في ايام الاعياد خصوصا عيد الاضحى، كان يقضي الشهيد بعضا من ايام هذه العطل في البادية، ونظرا لقساوة هذه الظروف كان حريصا على معرفة الأسباب الحقيقية لمعاناة الفقراء ، وكان هذا دافعا رئيسيا للاهتمام بالامور السياسية ، ودافعا رئيسيا لمحاولة اكتشاف ما يجري سياسيا محليا وعالميا لذا تجده منهمكا في قراءة كتب ومجلات سياسية واقتصادية وأدبية .
بعد انقطاعه عن العمل في بداية التسعينات اشتغل في محل تجاري بالتقسيط رفقة الوالد، لم يستمر الشهيد في هذا العمل طويلا ، وكان هذا طبيعيا لان هذا النوع من العمل يمنع الشخص من ممارسة اي عمل نضالي . تفرغ الشهيد عبد الله موناصير للعمل النضالي بشكل نهائي، كان تفرغا شبه مجاني، وهذا ماجعل الاسرة تعاني من العبء المادي.وما يترتب عليه من مشاكل جراء المصاريف اليومية .
– كان يُصنف عبد الله موناصير نقابيا مزعجا، هل يمكن أن تشرح كيف كان يعمل من أجل عمل نقابي كفاحي حقيقي ؟
كان الشهيد عبد الله موناصير مناضلا نقابيا بالفطرة ، عمل بحارا في قطاع الصيد البحري وبدأ ناضله وسط البحارة الذين يعمل معهم بالمركب ، وعرف بمقاومته لكل انواع الظلم والاستغلال بالمراكب التي يشتغل بها ، و يطالب الربابنة المجهزين بشفافية الحسابات ، توفير مؤونة لازمة وكافية والانتفاض ضد كل تمييز بين البحار والربان في توزيعها ، لدرجة ان بعض ارباب المراكب يحتفلون اثناء توقف الشهيد عن العمل باحدى هذه المراكب، التحق الشهيد بالقواة العمالية النقابة الوحيدة بميناء اكادير والتي انخرط فيها بحارة قطاع الصيد الساحلي خاصة بحارة السردين ، كان انداك واعيا بضيق افق النضال بهذا الاطار رغم ارثه النضالي ، نظرا لتبعيتها للمجهزين وتحولها الى مكتب لقضاء بعض الاغراض الادارية
كان الشهيد يتابع عن كتب ما يجري بقطاع الصيد البحري خصوصا بعد دخول مراكب الصيد باعالي البحار الى ميناءاكادير، بدل ميناء لاسبالماس التي كانت تفرغ حمولتها هناك . وفي بداية التسعينيات تمكن من تاسيس نقابة البحارة وضباط الصيد باعالي البحار في اطار الكونفدارية الديمقراطية للشغل . حققت هذه التجربة تحولا في مساره النضالي، وبدا يرسم معالم نضال نقابي كفاحي جديد ، نضال طبفي غير مهادن لم يرق هذا التميز النضالي اليرقراطية النقابية محليا و مركزيا، كان الشهيد يكسر الحواجز التي وضعتها القيادات المركزية والمحلية بين القطاعات محاولا خلق وحدة حقيقية بين العمال كيفما كان قطاعهم ، مركزا على ضرورة وحدة صفوف الطبقة العاملة في مواجهة العدو الطبقي الراسمالي، وكان الشهيد مهتما بالنضالات الوطنية ودعمها مثل نضالات السككين ونضالات جهوية ومحلية مثل دعم معركة امنيوم المغربي للصيد وايضا نضالات عمال ميناء اكادير مثل عمال السكور وكان دعمه يحرج البيرقراطية النقابية
عملت البيرقراطية على مضايقة الشهيد عبد الله موناصير، خصوصا بعد اصداره للبوصلة التي بلغ اعدادها خمسة، والاتحاد النقابي بتنسيق مع عمال النقل الحضري، وبعد طرحه لبرنامج عمل لبناء النقابة ، ومطالبته بالامتثال للهياكل التنظيمية للنقابة بدل اخاد القرارات الفردية كالاعلان عن التراجع عن الاضراب العام سنة 1994، كانت المركزية مصرة على نزع فثيل هذا النوع من النضال، وهكذا عرقلت الجموع العامة التي تنادي بها نقابة البحارة وضباط الصيد باعالي البحار بل يتم تخويف الحاضرين لتلك الجموع من طرف القادة المحليين باكادير، وتجرأت تلك القيادات على حجز مناشير النقابة اثناء التجمعات، ففي فاتح ماي 1994 تعرض الشهيد عبد الله موناصيرللضرب والاهانة وتجريده من كل المنشورات والكراريس التي حجزت ، حدث هذا أثناء المحاولة الاولى للاختطاف . وتوجت هذه الاحداث بطرد الشهيد عبد الله موناصيرمن قبل البيرقراطية النقابية،
– هل كان عمل حول عبد الله موناصير في النقابة محض عمل نقابي ( خبزي ) أم كان سياسيًا ؟ و ما هي أفكار عبد الله موناصير السياسية ؟
كان النضال الكفاحي للشهيد لا يخيف البيرقراطية وحدها بل ايضا الدولة . لم تثن الاحداث المذكورة انفا الشهيد عبد الله موناصير من التوقف او التراجع عن نضاله اليومي من اجل بناء نقابة عمالية كفاحية ، فالاعلام الذي اصدره الشهيد يجسد ربط الفكر بالممارسة ، اي قدرة الشهيد عبد الله موناصير لايصال افكاره الى العمال البسطاء، وفد استطاع ان يوحد جزءا مهما من بحارة الصيد الساحلي سردين واقناعهم بالنضال من اجل مطالبهم، وتعززت هده الفكرة بعد استرجاع جزء من اقتطاعات مايسمى بتعاضدية البحارة، رغم كل المضايقات والتهديدات التي تعرض لها الشهيد من طرف السلطة، واستطاع بذلك احياء التنظيم النقابي بالميناء واسس بذلك نقابة بحارة الصيد الساحلي بالاتحاد المغربي للشغل، لكن حاول النظام ايقاف هذا المشوار باختطاف واغتيال الشهيد بعد فتر قصيرة جدا من تاسيس النقابة.
راسل الشهيد عبد الله موناصير الأموي بصدد التعسفات والطرد الذي طاله في كدش، والتي لم تتلقى اجابات ، لكن ما يهم في هذه الرسائل ليس طرح الشهيد لمشكل طرده كشخص، بل مشكل عميق تعاني منه المركزية النقابية، اي سجال حول العمل النقابي والديمقراطية الداخلية وحق الاختلاف السياسي داخل المركزيات النقابية، وضد تعسف التيار الليبرالي داخل النقابة .
كان الشهيد متشبعا بالفكر الاممي -وهذا هو السببب الأول لاغتياله- وما يميزه انه يحاول ممارسة النضال النقابي انطلاقا من قناعاته السياسية، وهذا ما ضمن استمراره في العمل النقابي في اسوأ الظروف، اي ان الشهيد مهتم بقضايا العمال وطنيا ومحليا، ويتبنى مطالبهم الخبزية لكن لا ينساق معها بل يحاول ربطها بالصراع الطبقي ، اي بالسببب الحقيقي التي تجعل العمال عبيدا لدى ارباب العمل فمنشورات البوصلة تعبر عن ذلك فهي تطرح قضايا عمالية لكن من منضور طبفي .
– نشهد بين الفينة والاخرى شبابا في اكادير الكبير يرفعون رسومات وصور له، كيف يرى الجيل الجديد اليوم ، اسم عبد الله موناصير؟
اثر الشهيد عبد الله موناصير على نفوس عامة الجماهير الشعبية ، فبفضل عمله الدؤوب وسط الشغيلة الطلبة والمعطلين وباقي الفئات الشعبية ، رسم حطا نضاليا وكفاحيا من اجل بناء اداة ثورية قادرة على ضم كل الفئات وعلى راسها طليعة الطبقة العاملة وظل هذا الحلم يراوده الى ان استشهد، وكان تشييع جتمانه يوم 19 اكتوبر اكبر شاهد على ذلك جيث حضرت الاف الجماهير باكرا أمام بيت الشهيد ومتلأت كل الطرقات رغم الحصار المضروب على حي البحارة والموظفين ، لقد كان لهذا الحدث تاثير كبير على البحارة الذين شنوا اضربات بطولية وصلت الى 100 يوم خلال سنوات 97.98.99 كما اثر على الطلبة المناضين والمعطلين واستطاعوا بذلك احداث ثيار المناضل ة .
لم يستمر هذا الامتداد طويلا نظرا لظروف ذاتية وموضوعية لا يسعني هنا التعمق في شرحها ، لكن تراجع النضالات العمالية والجماهير الشعبية عموما ساهم في هذا التراجع ورغم ذلك لاحضنا ان شباب اكادير تاثروا بالشهيد عبد الله موناصير ، لذا نجدهم بين الفينة والأخرى يرسمون جداريات ويرفعون يافطات تخلد ذكرى الشهيد، انهم يعبرون عفويا عن حرقتهم لاغتيال الشهيد وهذا ما يبعث الامل حقيقة في الاجيال القادمة التي ستكتشف يوما ما فكر الشهيد عبد الله موناصير.
اقرأ أيضا

