في ذكرى المناضل عبد الفتاح فاكهاني

حوارات وآراء, سياسة21 يونيو، 2026

  

قبل 17 سنة، يوم 18 يونيو 2009، توفي مناضل من مؤسسي اليسار الماركسي وقادته لفترة، الرفيق عبد الفتاح فاكهاني. اتخذت الحركة الماركسية بالمغرب مسارا أفضى بها إلى وجهة غير التي حددتها عند انطلاقها، وجهة بناء حزب الطبقة العاملة القادر على إنجاز تغيير شامل وعميق، سياسي و اجتماعي، يؤمن الحرية و الحياة اللائقة، أي الاشتراكية لشعب المغرب. أسباب ذلك هو موضع التقييم السياسي والتنظيمي الواجب.

 قامت تجربة هذا اليسار على تضحيات جسام تحملها جيل شاب تحدى آلة القمع الحسنية. وعلى غرار تجارب النضال في كل مكان، أفلح القمع في كسر إرادة مناضلين، فتراجعوا نحو الاندماج في المجتمع، فيما انتقل بعض الى الصف الآخر، تحت غطاء زائف من ادعاء مراجعة الأخطاء، وغير بعض آخر اقتناعاته نحو رؤية إصلاحية، مع البقاء على صدق نضالي لا يرقى إليه شك. وأخيرا ثمة القسم الذي تمسك بالمنظور الثوري، سواء المتشبت بحرفية المنطلقات الفكرية و السياسية او الذي عدلها دون هجر هدف البداية.

مهما يكن من أمر، يظل حفظ ذاكرة التجربة، من زاوية نظر نضالية، مهمة دائمة تسمو على اختلاف وجهات النظر الحالية. من هذا المنطلق تسعى جريدة المناضل-ة الى الإسهام في جهد التعريف بمناضلي اليسار. نقتبس فيما يلي حوارا مع الرفيق عبد الفتاح فاكهاني، في الذكرى السابعة عشر لرحيلة، نُشر ضمن كتاب : أقصى اليسار بالمغرب ، مقارعة نبيلة للمستحيل [*]. وغني عن البيان ان أسئلة الاستجواب تستوحي رؤية غير التي تدافع عنها جريدة المناضل-ة، التي لها كامل الثقة في حس القارئ-ة النقدي.

المناضل-ة

 

مقابلة مع الرفيق فاكهاني:   

ما عبرت عنه الحركة هو توق إلى الحرية والديمقراطية

 

عبد الفتاح فاكهاني، زميل صحفي الآن بوكالة أنباء دولية فرع لها بالرباط، وكان صحفياً من قبل بجريدة «العلم» (90) – 94). هو واحد من مناضلي مجموعة إلى الأمام، الذي طلق السياسة كمسؤوليات تنظيمية، لكنه يظل مرجعاً هاماً في تجربة إلى الأمام».

هو من مواليد مراكش سنة 1949، تخرج من كلية الآداب بالرباط سنة 1971، وعمل أستاذاً للفرنسية بمدينة خريبكة سنتي 71 و 72.. اعتقل في مارس 72 وأطلق سراحه في أغسطس 73، ثم أعيد اعتقاله كواحد من قادة إلى الأمام المركزيين يوم 20 يناير 1976، وظل بالسجن حتى يوم 7 ماي 1989، أي بعد 13 سنة سجناً من أجل أفكاره…

. هل يمكن استعادة الأجواء الفكرية والسياسية لنهاية الستينات بالمغرب وخاصة داخل حزب التحرر والاشتراكية الذي كنتم تنتمون إليه ؟

 

كان حزب التحرر والاشتراكية قد عرف نوعاً من الانتعاش في نهاية الستينات، إذ كان قد استعاد جزءاً من نشاطه بعد حالة المنع وأخذ يتحرك في أوساط الحركة الطلابية وفي صفوف العمال من خلال الاتحاد المغربي للشغل، وكان يوجد داخله مثقفون كعزيز بلال، إسماعيل العلوي الأمين العام الحالي للحزب ومناضلون قدامى كعبد الله العياشي وشعيب الريفي .. وكان حزباً ذا توجه نحو الحداثة نسبة إلى المناخ السياسي لذلك الوقت، وهو ما كان يبدو من خلال توجهه وطريقة تفكيره . . وفي إطار نشاط الحزب داخل الحركة الطلابية برزت مجموعة من المناضلين الذين كانوا يتحركون إلا أنهم قد ضاقوا بالإطار السياسي للحزب الذي اعتبروه ضيقاً في ذلك الوقت، وبما أن رياح الثورة الصينية ومجموعة من التحولات العالمية الكبرى كانت جذرية بالأساس، فإن المناخ الغالب على العمل السياسي بالمغرب آنذاك كان هو نوع من النضال المتجذر والحذر في علاقته جد البطيئة مع الدولة.. في حين أن الشباب الذي كان يناضل آنذاك في الاتحاد الوطني لطلبة المغرب وداخل الحزب، كان يتوق إلى ما يدخل في إطار الثورة الصينية والتحولات العالمية لحركات التحرر في آسيا وأمريكا اللاتينية أو حتى بعض المساندات للتطوير والحداثة في أوروبا وأمريكا، هذا إضافة إلى تأثير كبير لحركة المقاومة الفلسطينية بعد هزيمة ونكسة 1967، إذ كانت بوادر يسار قد بدأت تبرز داخل المقاومة الفلسطينية، والشباب الذين سيؤسسون في ما بعد منظمة ماركسية خارج حزب التحرر والاشتراكية كانوا يتأثرون بكل هذا المناخ، وسيزدادون تأثراً مع مرور الوقت خصوصاً بأدبيات الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين التي كان يقودها ولا يزال نايف حواتمه .

. تحدثتم عن العوامل الداخلية والخارجية التي ستدفع في اتجاه بروز حركة أقصى اليسار، لكن أي العوامل كان حاسماً، الداخلية أم الخارجية ؟

لا يمكن للخارج أن يحسم ، هذه مسألة منطقية، فالمناخ السياسي الداخلي كان ضيقاً جداً وكان لا يسمح بتعبير طبيعي هادئ ليبرالي وبورجوازي ومتمدن عن طموحات الشباب في ذلك الوقت، ويمكن القول إن التطرف كان إلزامياً ومنطقياً، بنظرة تبتعد عن تلك الحقبة …

. كان رد فعل؟

رد الفعل يمكن أن يقوم به فرد ، لكن حين يتعلق الأمر بحركة اجتماعية فيصبح ذلك تعبيراً ..

. هل امتلكت حركة أقصى اليسار الوعي بشرطها التاريخي بأبعاده الاجتماعية والثقافية والسياسية، أم كانت مجرد حركة إرادية بمثل أخلاقية نبيلة ؟

أن تكون واعياً بلحظتك التاريخية فور انخراطك في هذا العمل السياسي أمر مستحيل (ضحك) ، ما يمكن أن يقال إن الوعي كان حاصلاً آنذاك بأن البنيات السياسية القائمة في ذلك الوقت لا يمكن في إطارها تحقيق الحرية والديمقراطية وتلبية الحاجيات الأساسية للجماهير الشعبية، بما تعنيه من رفع المستوى المعيشي ومواجهة الأمية المستشرية … زيادة على أن المغرب ومنذ سنة 1963 قد انزلق نحو محاكمات سياسية وكبح حرية التعبير ثم أتت حالة الاستثناء وأحداث مارس 1965 . . . فهذا الجو ما كان يسمح بحياة سياسية طبيعية، كان جواً مشحوناً .. وكان للنضال ثمنه، أما الآن فيمكنك أن تنخرط في حزب سياسي يساري بقليل من الخسارة والمغامرة، أما في ذلك الوقت، فإن الأمر كان يتعلق باتخاذ قرار قد يؤثر على كل حياتك الشخصية، نظراً لحجم المسؤولية والمخاطر التي كانت تحيط بهذا العمل .

. كان التيار الغالب داخل كل الصف الديمقراطي هو الميل نحو الجذرية، لكن كانت كذلك بعض الاجتهادات، ضمنها مثلاً الاجتهادات الفكرية للأستاذ عبد الله العروي، إلى أي حد توقف الشباب آنذاك عند هذه الاجتهادات؟

حسبما أذكر، فإن اجتهادات عبد الله العروي في ذلك الوقت قد تمحورت في مساهمتين أساسيتين : الايديولوجية العربية المعاصرة» و تاريخ المغرب، وفيهما كان له اجتهاد إيجابي، ولا أظن أن أحداً كان يناهض هذا الاجتهاد، ويبدو لي أن عبد الله العروي كمثقف يساري كان سيكون أفيد في ذلك الوقت لو أنه باشر العمل السياسي وأصبح من النشطاء السياسيين بدل الاقتصار على دوره كمثقف، وهذه أمنية، فللرجل فكره وثقافته . .

على المستوى الفكري ؟ لم تُغيب الحركة الخصوصيات المغربية، بحيث كانت أكثر انجذاباً للعالمي؟

نعم الموجة كانت عالمية، والآن الموجة عالمية أكثر من ذلك الوقت، ومع ذلك لا يمكن أن نُغيب في طروحاتهم وأفكارهم الواقع المحلي .

. في المقابل يبدو أن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وخاصة مع المؤتمر الاستثنائي أكثر انشداداً للواقع الاجتماعي والسياسي المغربي وهو ما سيتجسد في نوع من التسوية السياسية واستراتيجية النضال الديمقراطي ؟

   ما أقدم عليه الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية سنة 1975 حصيلة تطور خاص بالحزب، فالاتجاه نحو اليسارية كان يخترق جميع الأحزاب التاريخية، والاتحاد بدوره كانت داخله اتجاهات متباينة .. أما أن أقول إن هذا الحزب قد وعى تاريخياً .. فهذا أمر أتركه للمؤرخين.

. لكن الآن وبعد كل التجربة التي راكمها المجتمع المغربي والحركة الديمقراطية اليسارية، كيف تقيمون الطروحات الفكرية والسياسية لأقصى اليسار في تلك المرحلة؟

لا بد وأن أشير إلى أني لست فاعلاً سياسياً في الوقت الحاضر، بل مواطناً عاش تجربة الحركة في الماضي ويراقب الآن ما يجري، وألاحظ أن مجموعة من الحركات تحاول أن تعيد تركيب المشهد السياسي المغربي أو تحاول خلق قطب لليسار أو أن تؤسس أحزاباً جديدة، هذه حركية مرتبطة بهذه المرحلة، وبصراحة لا يمكنني أن أبدي أي حكم مستقبلي.

. لا ، المقصود هو أن نقف عند القراءة النقدية لتجربة السبعينات؟

بهذا الصدد، يمكن أن أقول إن هذه التجربة المخصوصة لم تستطع أن تنفذ إلى ما هو خارج المثقفين والشباب المتعلم، وهذا ناتج عن ظروف نشأتها من جهة وعن طريقة اشتغالها من جهة ثانية، إذ جاءت بشعارات حادة ومتطرفة، فأثارت انتباه المسؤولين الأمنيين واُعتبرت خطيرة، وهو ما لعب دوراً في الحد من تطورها ؛ الكثيرون من مناضليها دخلوا السجون … ويمكن أن أقول أيضاً إن هضم الخطاب الماركسي من قبل فئات واسعة من الشعب أصعب مما هو الأمر مع خطاب قومي عربي أو وطني مغربي . فعندما تتحدث في أدبياتك مثلاً عن ماركس ولينين وانجلز وتروتسكي، فيجب أن تعرف أولاً بهم .. وما علاقتنا بهم ؟!! ((ضحك) ، فهذا فكر جديد بالنسبة للفئات الواسعة من الشعب . . أما بالنسبة للمثقفين فهم يطلعون ويتابعون ما يجري على الصعيد العالمي .

ثم ثانياً، فإن الانفصال قد تم عن حزب مثقفين بالأساس، فحزب التحرر والاشتراكية لم يكن حزباً جماهيرياً كبيراً .. وما يهمني شخصياً من الناحية التاريخية وهو أمر جوهري، فما عبرت عنه الحركة هو توق للحرية والديمقراطية وتلبية الحاجيات الأساسية للشعب.

. هذا ما عبر عنه علال الأزهر بالقول إن الحركة كانت تحمل أفكاراً نبيلة من دون أن تتمكن من امتلاك التصور السياسي الذي يمكن من ترجمتها إلى حركة سياسية .

أحترم رفيقي علال الأزهر كامل الاحترام، لكني أختلف معه في هذه النقطة جزئياً، فهوشي منه زعيم الثورة الفيتنامية قال كلمته : نريد الاستقلال الوطني، ووضع نقطة، ولم يأت بأفكار معقدة أو نظريات علمية أو سوسيولوجية، نعم بعد ذلك أتى “جياب” وآخرون وكتبوا كتابات حول المجتمع الفيتنامي وتحليله، وكان للشعار ولآراء هوشي منه ذلك الشيخ المحبوب في فيتنام آثار كالحريق .. فيما كان في ألمانيا فلاسفة وعباقرة في التحليل الاقتصادي والسياسي من حجم روزا لوكسمبورغ ولم تحصل الثورة .. شخصياً لا أميل إلى اعتبار أن قوة التصور النظري تنتج الحركات الاجتماعية … لست متيقناً من هذه المعادلة.

. وكيف تصوغون على المستوى النظري هذه الفكرة؟

أريد أن أقول لماذا في لحظة تاريخية معينة يقع التجاوب مع فكرة ومع مشروع؟ لماذا ؟ أي أن هناك تلاقي ظروف موضوعية تجعل الشعب أكثر إصغاء لفكرة معينة بدل أخرى، ولو اتبعنا هذا التحليل لاعتبرنا أن نجاح أفكار هتلر يعني صحة التحليل السياسي والسوسيولوجي والحال أن هذا الرجل لم يحلل شيئاً .. فيما الأمر يعود إلى أن ألمانيا كانت تعيش أزمة تمثلت في بطالة واسعة وفي فقدان الشعب للثقة في الحركات السياسية، فجاء شخص يحمل صفة المنقذ فوجد من يلتف حوله .. هكذا، فإني أتحفظ من اعتبار كون قوة التحاليل الاجتماعية والسياسية تعطي أحزاباً قوية لها تأثير في الواقع .. من دون أن ندعي امتلاك الجواب الشافي عن لماذا؟ وكيف؟ … هذا

ليس من الأفكار وحدها تخلق حركة اجتماعية

رغم جذرية مواقفكم وانتمائكم إلى أقصى اليسار، إلا أنكم لم تدينوا قط وبشكل واضح الستالينية؟

 

هل تدعوني إلى أن أصبح روسياً لكي أدين ستالين؟!!! (ضحك).. وعلى العموم فستالين في الأدبيات الشيوعية كان شخصية إشكالية، فكان من جهة شخصاً فظا غليظ القلب ومن جهة أخرى قاد المقاومة ضد النازية وهو ما أكسبه شعبية، ومما عطل الوعي بشخصية الرجل هو أن النظام السوفياتي آنذاك تمكن من إخفاء المحاكمات الفظيعة التي ذهب ضحيتها مناضلون من الحزب وكل التجاوزات الخطيرة.. ولم تعرف أخبار كل هذا إلا بشكل متأخر . ثم من جهة أخرى فإن الاتحاد السوفياتي كان يساعد الشعوب المستضعفة بشكل عام، فيما كانت الولايات المتحدة الأمريكية تهاجمها .. هذا قبل أن يصبح الغربيون ديمقراطيين ويساندون التنمية بلباقة وديبلوماسية . . أما في ذلك الوقت فكانوا شيئاً آخر، وهكذا كان العالم منقسماً إلى معسكرين.

. كان من الممكن الاصطفاف على المستوى السياسي الدولي إلى جانب الاتحاد السوفياتي، لكن على الأقل على المستوى الفكري التعبير عن مواقف واضحة من التجربة الروسية .

كنا ننعت التجربة السوفياتية بالتحريفية .

. بمعنى أنكم كنتم تدينون خروتشوف وليس ستالين؟

كنا نعتبر النظام السوفياتي برمته تحريفاً وكنا نستند في ذلك إلى تجربة الثورة الثقافية الصينية بزعامة ماوتسي تونغ، وهو ما كان يعتبر جواباً عن تحريفية الاتحاد السوفياتي، إلا أن هذا النقاش لم يكن ذا قيمة كبيرة، قياساً إلى اصطفاف بلدان العالم إلى معسكرين وهو ما طبع كل الحركات السياسية في العالم وبدون استثناء، إذ لا يوجد من أفلت من تأثير هذا الواقع .

. على المستوى العربي، تمكنت بعض الحركات من طرح الفكر الاشتراكي لكن ضمن معطيات واقعها الخاص، كما هو الشأن مثلاً بالنسبة للحزب الاشتراكي اليمني الذي يعتبر امتداداً أساسياً للقوميين العرب بهذا البلد؟

إضافة إلى ذلك يمكن الحديث عن التجربة السودانية التي كانت ذات جماهيرية .

. الأمر كذلك بالنسبة لليسار الفلسطيني (الجبهتان الشعبية والديمقراطية) والذي يعتبر بدوره امتداداً لحركة القوميين العرب، حيث تمكن من أن يكون له امتداد جماهيري؟

لا، تمكنا فقط من التأثير من خلال أفكار وأطروحات في الحركة الوطنية الفلسطينية عامة ، أما على مستوى القوة في الساحة الفلسطينية فقد ظل اليسار ضعيفاً بالمقارنة مع حركة فتح التي تمثل 80 في المائة إن لم يكن أكثر داخل الحركة الوطنية الفلسطينية، وكما يقال الآن فقد مثل قوة اقتراحية .

. ومع ذلك ألا يمكن الاستخلاص من التجربتين اليمنية والفلسطينية أن الاجتهادات التي خلصت الاشتراكية من طابعها المذهبي وتقريبها من الحقائق الوطنية قد مكنت من بروز حركات يسارية ذات تأثير بهذا الشكل أو ذاك؟

أعتبر أن هذه الحركات كانت مرتبطة بجماهيرها حتى قبل ان تتبنى الاشتراكية، أي أن الانطلاق كان من الأرضية الاجتماعية وبعد ذلك بحثت، أو صادفت أفكاراً، وليس مصادقة أفكار في البداية ومن عدم تخلق حركة اجتماعية ….

. إذا عدنا إلى التجربة المغربية فسنجد أن الحركة الاتحادية بدورها انبثقت من الحركة الوطنية وفي صيرورة تطورها المستند إلى قاعدة اجتماعية تبنت الفكر الاشتراكي؟

… (يضحك) الاشتراكية لم تكن هي الأساس في تجربة الاتحاد، فالحزب لم ينفصل على أساس الاشتراكية سنة 1959 ولكن في تطور الأشياء والمناضلين واحتكاكهم بالأفكار. تبلورت لدى فريق داخل الاتحاد الوطني للقوات الشعبية أفكار اشتراكية، وحتى الآن يمكن أن تجد داخل الحزب أشخاصاً لا علاقة لهم بالاشتراكية ….

. لكن الشباب الذين انشقوا ألم يكن الأجدر أن يبقوا داخل الأحزاب المتشكلة، وأن يلعبوا من داخلها أدواراً تجديدية؟

لا يمكن كتابة التاريخ بـ «لو»، إذ يستحيل أن تعيد العجلة إلى الوراء وتصل إلى تلك اللحظة وتقول ما هي الخيارات، ثم كان الأجدر هو كذا وكذا، فعجلة التاريخ تدور وتعطي نتائج وإفرازات وتسير على هذا المنوال، وبالتالي ما وقع أفرزته تطورات اجتماعية وسياسية وثقافية، وفي تقديري، فإن الاشتراكية لدى الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية لم تتبلور إلا بدءاً من أواخر الستينات عند مجموعة من الأطر الشابة داخل الاتحاد الوطني لطلبة المغرب وصولاً إلى المؤتمر الاستثنائي سنة 1975 ، أما الحزب الجماهيري الشعبي الذي كان يضم الفلاحين والحرفيين، فلم يكن سنة 1959 يتبنى الاشتراكية .

. على مستوى الاتحاد الوطني لطلبة المغرب تواجدتم أنتم المنشقون عن حزب التحرر والاشتراكية وعن الاتحاد الوطني للقوات الشعبية إلى جانب الطلبة الذين فضلوا البقاء داخل هذين الحزبين، ألم يكن في الإمكان ورغم كل ما وقع أن يكون هناك تفاعل وتعاون؟

منذ تأسيسنا سنة 1970 والى حدود 1972 كنا حركة شبه علنية لشباب يفكر وله طموحات وبصدر رحب يناضل مع إخوانه الاتحاديين في الاتحاد الوطني لطلبة المغرب ولنا أصدقاء حميميون .. ولكن منذ سنة 1973 فرض على هذه الحركة أن تدخل إلى السرية المطلقة، بفعل الاعتقالات والمطاردات والملاحقات وهو ما قاد إلى الانغلاق والرجوع إلى كتاب «ما العمل؟» للينين من أجل بناء المنظمة السرية والأسماء المستعارة والجريدة السرية.

. كل هذا لم يكن اختياراً؟

طبعاً لا ، فالأفكار كانت كبيرة والنقد كان لاذعاً للأوضاع السياسية ولكن اعتماد التنظيم السري كان مرده بالأساس إلى المتابعات والملاحقات .

. ولكن نعت القوى الديمقراطية بالإصلاحية والتحريفية لم يكن له من داع؟

كانوا هم بدورهم ينعتوننا بالمغامرين والانتهازيين اليساريين والطوباويين والطفوليين. (يضحك) وهذه أمور عادية ما أظن أن لها أثراً كبيراً ولا أعتقد أنها كانت هي المشكل الجوهري .. فالحركة كانت تحمل مشروعاً يبدو جذرياً وفيه نقد لاذع للأوضاع السياسية بما فيها الأحزاب السياسية التي كانت تُنتقد بقوة من طرف هذه الحركة وهذا ما جعل التقارب صعباً في تلك الفترة، ومن جهة أخرى، وهو ما لا يجب نسيانه لم تكن الإطارات السياسية للعمل المدني المفتوح الجماهيري العادي الهادئ الذي يمكن الناس من الاشتغال، موجودة .

. لكن لا بد من التمييز بين التوتر الذي كان حاصلاً مع النظام السياسي وما كان يجري داخل الصف الديمقراطي من صراع غير مبرر، فأنتم كنت جميعاً عرضة للقمع، وفي تقديرنا فإنكم كنتم تستَعدَون القوى الديمقراطية ؟

ما حصل شيء من هذا .

. هناك اجتهادات من طرف بعض قدماء الحركة تنتقد هذه الممارسات السابقة ؟

واليوم وهي لا تستعدي أحداً، هل نجحت في أن تبني علاقة مع القوى الأخرى.

الأوضاع اليوم أفضل؟

نعم هذا ما قلته، فسوق السياسة قد أصبحت مفتوحة، إذ في السابق كانت البني السياسية للعمل المشترك الجماهيري والمفتوح مغلقة، إذ لو كانت اللجان المحلية والجماعات المحلية والأندية والجمعيات وجمعيات حقوق الإنسان والنقاش في التلفزيون وعندك مليون جريدة . . . إن المغرب اليوم قد تحول بشكل كبير .

إذا سمحت، نعود إلى علال الازهر فهو في تقديرنا من أبرز من أعاد تقييم التجربة، إذ يطرح أن الاتجاه العام داخل المجتمع لم يكن يؤمن بالديمقراطية الليبرالية، إن لم يكن معادياً لها في ظروف انعدام الحريات الخاصة بالعمل السياسي، أي أن الأمر لمن يكن يقتصر على النظام السياسي، بل كان يتعداه إلى الحركة الديمقراطية التي كانت تعتبر الديمقراطية الليبرالية مجرد شكليات وبمحتوى فارغ؟

لا يجب نسيان أو تجاهل أن الدول التي كانت تمثل النموذج الليبرالي قد كان في ذلك الوقت شيئاً آخر ، فكلنتون ليس هو جونسون أو نيكسون، فالناس تتحدث اليوم عن الليبرالية براحة ضمير كبيرة . . أما في السابق، فإن التقاطب الدولي قد كان ذا تأثير كبير .

. أي أن الحرب الباردة لم تكن تساعد على التطور الديمقراطي؟

نعم لم تكن الحرب الباردة تساعد على هضم الحركات التقدمية للبعد الليبرالي المتفتح والديمقراطي، ولذلك كان الناس يميلون ويعجبون بالحزب الشيوعي الصيني، وهو حزب مركزي وحيد أو بتجارب أخرى فيها الحزب الواحد ولا وجود فيها لا لحرية التعبير أو لحق الاختلاف، ومرد ذلك إلى أن الناس كانوا يعتبرون أن هناك دولاً تساعد الشعوب المستضعفة، وهناك دول تسعى إلى القضاء عليها .

أما الجانب الثاني الذي لم يساعد الحركات اليسارية على أن تستحضر البعد الديمقراطي، فيتمثل في أنه فرض عليها أن تبني تنظیمات مغلقة وهو ما يستحيل معه أن تكون ديمقراطياً .

. لنصل الآن إلى ما راكمته هذه التجربة النضالية رغم كل المصاعب من إيجابيات؟

بعض من الإيجابيات لم يكن مقصوداً ولكنه أتى كنتيجة فهؤلاء المثقفون والشباب عايشوا تجربة سياسية ولكنهم تحركوا كذلك في الواجهة الثقافية، في تنشيط العديد من الجمعيات الثقافية والأندية السينمائية، مجلات، كتابات. ثم هناك جانب آخر وبدوره غير مقصود ويتمثل في أن تعرض هذه الحركة لقمع كبير آنذاك قد أثار مسألة حقوق الإنسان بالمغرب من طرف منظمات دولية لحقوق الإنسان وكذلك من طرف العديد من المغاربة الذين رأوا أن تلك المواجهة قد كانت أقوى مما يحتمله الواقع، والأمر ينطبق كذلك على الإخوة الاتحاديين وما تعرضوا له من قمع شرس، إذ أدى كل هذا إلى إثارة إشكالية حقوق الإنسان.

مسألة ثالثة وهي أن عدداً كبيراً من قدماء مناضلي الحركة وهم يمثلون في تقديري الجزء الرئيسي من الحركة، قد توجهوا إلى العمل في جمعيات المجتمع المدني وهم يشتغلون ليس كحركة ولكن كأفراد أي لم يمل عليهم هذا الاختيار لا حزب ولا تنظيم، وهكذا تجدهم في جمعيات حقوق الإنسان، ترانسبارنسي منتدى الحقيقة والإنصاف.

ويمكن أن أقول كذلك إن هذه الحركة قد ساهمت في تحديث خطاب السياسي من خلال طرح الأسئلة عن الطبقات التي تسود منطلقاتها.

ما هي الوضعية في الطرف الآخر، ماهي الحاجيات، وهو منطق يث في طرح الأسئلة المجتمعية والسياسية بلغة حديثة .

 [*] المصدر :

 لحسن العسبي و الصافي الناصري

أقصى اليسار في المغرب ، مقارعة نبيلة للمستحيل

 المركز الثقافي العربي ، الطبعة الأولى 2002

صفحات 216 إلى 228

شارك المقالة

اقرأ أيضا