مزن النيل، 1986-2026 في ذكرى حياة ثورية سودانية
المقال منشور في العدد 68 من أسبوعية جريدة المناضل -ة
بقلم شيرين أكرم-بوشار
في جوانب كثيرة، مثّلت مزن النيل روح الثورة السودانية لعام 2018، كما عبّرت عن الإرث العريق والنضال التاريخي للثوريات السودانيات.
كانت مزن صاحبة وعي ثوري واستراتيجية واضحة؛ إذ لم تكن مجرد مشاركة في الحراك، بل كانت منخرطة في تحليل مساره، وفي الوقت نفسه تؤدي دور المتحدثة التي تنقل أهمية الثورة إلى الثوار والنشطاء حول العالم. وقد شاركت في اعتصام الخرطوم مطلع عام 2019، محذّرة من فضّ الاعتصام أو تسليم السلطة إلى الجيش.
إن إدراك – أن الثورة لا يمكن أن تُسلَّم للمؤسسة العسكرية، وأن إسقاط البشير ثم ابن عوف لا يكفي وحده – كان أمراً محورياً في انتقال الثورة السودانية إلى مرحلة أكثر تقدماً. وقد استوعبت الثورة السودانية هذا الدرس من إخفاقات الثورة المصرية عام 2011، حين تبيّن أن إسقاط الواجهة الأساسية للنظام لا يعني بالضرورة إسقاطه بالكامل. ولهذا مضت الثورة السودانية إلى مدى أبعد، وبقي كثيرون ينظرون إليها بأمل وتفاؤل، باعتبارها تقدّم درساً مهماً لكل الثوار في أنحاء العالم.
كانت مزن تتمتع أيضاً برؤية واضحة وإدراك عميق لمخاطر التفاهم بين الحكومة الانتقالية والمؤسسة العسكرية، ولذلك رأت أن الانقلاب العسكري عام 2021 كان نتيجة متوقعة وحتمية لذلك المسار. فقد كانت تؤمن بأن أي تسوية بين حركة ثورية وجيش مناهض للثورة لا بد أن تنتهي بالعنف والثورة المضادة.
كما كانت مزن واعية بإنجازات رابطة المهنيين السودانيين وحدود دورها، إلى جانب إدراكها لقيود حمدوك والحكومة الانتقالية. فقد أدّت الرابطة دوراً مهماً في المراحل الأولى من الثورة عبر تعبئة الطبقة العاملة وتنظيم أيام المقاومة الجماهيرية، لكنها لم تعد تمثل لاحقاً بديلاً ثورياً حقيقياً.
وشددت مزن على الأهمية المحورية للجان المقاومة في الأحياء، معتبرة أنها تتعرض للتهميش والتجاهل من قبل الإعلام الدولي والمعلقين، رغم كونها أساسية لاستمرار النضال ودفع الثورة إلى الأمام. كما تناولت بالإشارة إمكانات هذه اللجان وما تواجهه من تحديات ونقاط ضعف، موضحة أن لجان الأحياء في المناطق الأكثر ثراءً تتأثر بسياسات الطبقة الوسطى، ما يجعل مواقفها أقل راديكالية مقارنة بغيرها من المناطق.
كانت مزن تمتلك رؤية تحليلية عميقة مكّنتها من فهم تعقيدات النضال الثوري وتقلباته. وربما كانت من أكثر الأشخاص إدراكاً للعوامل الضرورية لنجاح أي ثورة. فحركات التحرر تحتاج بشدة إلى مفكرين واستراتيجيين ثوريين من طراز مزن كي تتمكن من تحقيق أهدافها والنجاح في مسارها.
إلى جانب ذلك، حافظت مزن على تفاؤلها الثوري رغم كل الظروف. كانت تؤمن بأن الثورات عمليات طويلة وممتدة زمنيًا. وحتى بعد اندلاع الحرب عام 2023 بين قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية، بقيت متمسكة بالأمل، مع وعي واقعي بما تتطلبه كل مرحلة على الأرض. وكانت تدرك الدور الحيوي الذي أدّته لجان المقاومة في تقديم الدعم والمساعدات والرعاية الصحية والخدمات الأساسية خلال الحرب. كما ظلت تؤمن بأنه بعد توقف الحرب يمكن للثورة أن تستعيد زخمها، وأن تعود لجان المقاومة إلى تبني استراتيجية سياسية تضع أهداف الثورة في مقدمة أولوياتها.
لم تكن مزن أسيرة للتشاؤم، رغم تجاهل جزء كبير من العالم لما شهدته السودان من ثورة وانقلاب مضاد. بل ظلت منفتحة على التعاون مع كل من يدرك خطورة الأوضاع ويتعامل بجدية مع الثورة السودانية.
إن رحيل مزن يشكل خسارة فادحة، ليس فقط للحركة الثورية في السودان، وإنما أيضاً للنضال العالمي الأوسع من أجل الحرية والتحرر. فقد كانت تؤمن بأن حركات التحرر والنضالات الثورية في مختلف أنحاء العالم مترابطة ومتشابكة المصير.
كانت مزن واحدة من بين العديد من النساء السودانيات الملهمات اللواتي أتيحت لي فرصة بناء علاقات معهن من خلال العمل التضامني مع الثورة منذ عام 2018. فقد أنجب التاريخ الثوري للسودان، بما يحمله من إرث يساري وتجارب نضالية وثورات متعاقبة، نساءً ثوريات يمتلكن وعياً سياسياً عميقاً، ويهتممن بدراسة التاريخ والتقاليد الثورية، كما يدركن الروابط الجوهرية بين حركات التحرر، مثل النضالين في السودان وفلسطين.
كانت مزن امتداداً حقيقياً لهذه التقاليد الثورية، وهي تقاليد تستحق قدراً أكبر من الاهتمام والتضامن والجدية مما نالته حتى الآن. لقد كانت في مقدمة من حملوا هذا الإرث ودافعوا عنه. ومن الضروري أن تسعى حركاتنا حول العالم إلى استعادة روح الجدية الثورية والاهتمام بالتاريخ والتحليل السياسي، وهي القيم التي آمنت بها مزن وجسّدتها في تجربتها ونضالها.
اقرأ أيضا

