فئة عمال المقالع بالمغرب: ظروف عمل قاتلة وحوادث شغل كثيرة… من أجل تعظيم أرباح الرأسماليين، وتعميق فقر العمال…
مصدر : مرصد حوادث الشغل و الامراض المهنية بالمغرب
يوم الأحد 24 ماي 2026، صباحاً، فارق الحياة عامل بمقلع للرخام بسيد لامين بجماعة كهف النسور، إقليم خنيفرة، وذلك إثر سقوطه من مكانٍ عالٍ (حوالي 6 أمتار) أثناء مزاولة عمله ليرتطم بأحجار مسننة ومتراكمة، ما تسبب له في إصابات ورضوض خطيرة عجلت بوفاته بعين المكان.
الضحية (ع. غ) ستيني، يتحدر من جماعة كهف النسور، أمضى أزيد من عشرين سنة في هذا المجال، وكان يعيل أسرة تتكون من ثلاثة أبناء.
وكالعادة سيُعلن في “الاعلام” عن فتح تحقيق حول ظروف وملابسات الحادث، ويطويه النسيان…
مازالت لقمة العيش التي تكسبها عاملات المغرب وعماله مخضبة بالدماء، وذلك من أجل تعظيم أرباح الرأسماليين، وتعميق فقر العمال والكادحين..
الحادث الأليم هذا أعاد إلى الأذهان فاجعة شهدها أحد مقالع الرخام بالمنطقة نفسها، يوم الثلاثاء 25 أبريل 2023، إثر انهيار خطير تسبب في مصرع عاملين، أحدهما في العشرينات من عمره والآخر أربعيني، وبينما تمكنت فرق الإنقاذ حينها من انتشال جثة أحد الضحيتين في وقت وجيز، استغرقت عملية العثور على جثة العامل الثاني حوالي يومين، بسبب ضخامة الأحجار والأتربة التي انهارت فوقه.
ما بين هاتين الفاجعتين، شهدت المقالع بالمغرب حوادث شغل كثيرة مماثلة؛ هذه أمثلة عن حوادث شغل وقعت بالمقالع ووصلت أخبارها إلى الجرائد وصفحات مواقع التواصل الاجتماعي:
يوم الخميس 14 ماي 2026، لقي ميكانيكي مصرعه في مقلع للرمال ضواحي تاهلة، إقليم تازة، دهسا بعجلات شاحنة لم يتبه سائقها في لحظة سهو منه أن الميكانيكي تحتها مستمر في إصلاح عطب بها، فدهسته عجلات الشاحنة على مستوى الرأس والأطراف العليا، فلقي مصرعه بعين المكان. الضحية خمسيني، ينحدر من دوار أصدور بإقليم تازة، متزوج وأب لأربعة أطفال.
يوم الخميس 19 مارس 2026، وفي ظروف غامضة، لقي عامل مصرعه بشكل مروع بأحد مقالع الحجارة بجماعة صدينة، إقليم تطوان. يرجح أنه تعرض بشكل مفاجئ لسحب قوي من طرف آلة مخصصة لطحن وسحق الحجارة أثناء قيامة بتنظيف تحت الآلة، أو إلى صعقة كهربائية، ما أدى إلى وفاته على الفور.
يوم السبت 07 مارس 2026، لقي عامل حتفه سحقا داخل آلة لطحن الحجارة في مقلع حجارة بضواحي العيون. الحادث وقع بشكل مباغت أثناء مباشرة الضحية مهامه داخل المقلع، حيث أصيب بجروح بليغة أودت بحياته في الحين.
يوم الأربعاء 04 فبراير 2026، مات عامل متأثراً بجراحه بأحد المقالع بجماعة الركادة، إقليم تيزنيت. الضحية تعرض لإصابات جسدية بليغة أثناء مزاولته لمهامه اليومية داخل المقلع، ما استدعى نقله في حالة حرجة صوب المركز الاستشفائي الإقليمي الحسن الأول بتيزنيت ليفارق بعدها الحياة.
يوم السبت 27 سبتمبر 2025، توفي عامل خمسيني ينحدر من مدينة تزنيت بمقلع لاستخراج الحجر بجماعة تزطوطين، إقليم الناظور، إثر سقوط قطعة حديدية ثقيلة عليه أثناء مزاولة عمله، لترديه قتيلاً في الحين.
يوم الجمعة 09 ماي 2025، فارق الحياة عامل بمقلع جبص بجماعة سيدي التيجي، إقليم آسفي، إثر سقوط صخرة كبيرة بشكل مفاجئ على رأسه، وهو يزاول عمله. قوة الاصطدام أدت إلى وفاة العامل على الفور. الضحية يبلغ من العمر حوالي 50 سنة.
يوم الاثنين 08 يوليوز 2024، صباحاً، لقي عامل مصرعه وأصيب ثان إصابات بليغة، أثناء العمل، إثر انهيار مفاجئ بمقلع للأحجار بدوار القبة بجماعة غياثة الغربية، دائرة واد أمليل، إقليم تازة.
وحسب الجرائد التي نقلت الخبر، أنه عندما كان العاملان منهمكين في العمل بالمقلع، وقع انهيار جزء منه بشكل مفاجئ، ما أدى إلى سقوطهما داخل المقلع تحت الأنقاض؛ وبعد مجهودات كبيرة لفرق الإنقاذ لإزالة الأنقاض والوصول إلى الضحايا، تم انتشال الأول جثة هامدة بموقع الحادثة، فيما تم انتشال الثاني حيَّاً، وقد أصيبَ إصاباتٍ خطيرةٍ (كسر على مستوى الرجل، جروح وكدمات…).
الهالك يبلغ من العمر 42 سنة، يتحدر من مدينة أزيلال. والمصاب يبلغ من العمر 43 سنة، وينحدر من دوار القبة بجماعة غياثة الغربية.
يوم الثلاثاء 28 ماي 2024، صباحاً، توفي عامل تحت الأنقاض بعدما انهالت عليه الأتربة والرمال بمقلعٍ رمال بمنطقة بوعسيلة بجماعة بني زرنتل، نواحي أبي الجعد، إقليم خريبكة.
يوم الخميس 09 ماي 2024، فارق الحياة، في مشهد مأساوي، عاملان إثر سقوطٍ مدوٍّ من علو مرتفع لآلية متهالكة بمقلع لشقريش للحجارة بجماعة خميس أنجرة، إقليم الفحص أنجرة.
يوم الاثنين 06 مايو 2024، مات العامل (ع ق) بمقلع أحجار بجماعة ايت بلقاسم، إقليم الخميسات، بعد سقوط أحجار عليه أثناء عمله بالمقلع. الضحية يبلغ من العمر 57 سنة.
يوم الأربعاء 03 أبريل 2024، مساءً، كان مستودع (ديبو) السقلي المحاذي لمقلعٍ تابع لشركة مناجم بجماعة البليدة، قيادة ترناتة، إقليم زاكورة، مسرحا لحادثة شغل أودت بحياة عامل تابع لشركة (كديكس)(kadikas) بسبب سقوط حجرة على مبنى بالمستودع واختراقها سقفه المكون من الزنك لتصيب العامل في الرأس، وذلك إثر انفجار قوي جدَّاً تجاوز الحد الأقصى نتج عنه تطاير أحجارٍ وأتربةٍ وسحابة غبار كثيفة. سارعت سيارة إسعاف إلى نقل العامل باتجاه المستشفى بورززات، لكنه لفظ أنفاسه الأخيرة. الضحية يسمى قيد حياته معاذ، شابّ، ينحدر من ورززات، مختص في زرع المتفجرات بالمقلع.
يوم السبت 21 أكتوبر 2023، توفي مستشار جماعي بمجلس جماعة غياثة الغربية بمقلع أحجار بدوار القبة بجماعة غياثة الغربية بمنطقة وادي أمليل بإقليم تازة. الهالك حينها في عقده الرابع من العمر، كان يعمل في استخراج الحجارة بالمقلع، قبل أن ينهار عليه جزء منها، ما أدى إلى وفاته على الفور، متأثرا بكسور وجروح بليغة أصيب بها. والمقلع نفسه سبق أن شهد قبل سنوات من ذلك حادثا مأساويا آخرا أودى بحياة شقيقه.
يوم الجمعة 23 يونيو 2023، صباحاً، في حادثة شغل خطيرة، مات عامل مسؤول عن آلة تكسير الأحجار الكبيرة بمقلع الصقلي للأحجار والرخام بدوار لبصاصلة، جماعة الزياييدة، إقليم بنسليمان، حيت انقسمت جثته شطرين. الضحية يبلغ من العمر 45 سنة، يتحدر من ضواحي مراكش متزوج وله طفلين وزوجته حينها حامل.
يوم الثلاثاء 24 يناير 2023، لقي عامل مصرعه في أحد مقالع الرمال نواحي مدينة صفرو، بعد سقوط قطعة حديدية عليه. كان الضحية يقوم بأعمال إصلاح شاحنة من الحجم الكبير متوقفة بالمقلع، قبل أن تسقط عليه القطعة للحديدية وترديه قتيلًا على الفور.
يكدح عمال المقالع بالمغرب في عشرات المقالع في ظروف صعبة يمكن وصفها بعبودية مسكوت عنها: راتب هزيل، ساعات عمل كثيرة، دون ضمان اجتماعي ولا تغطية صحية، لا تعويض للمصابين وعائلات المتوفين…
الحديث عن وضعية فئة عمال المقالع يكاد يغيب في التقارير الحقوقية، واهتمام النقابات بهذه الفئة وما يلحقها من مصائب (حوادث شغل وأمراض مهنية) ضعيف، والاعلام السائد (إعلام الدولة وأرباب العمل) يتحاشى كعادته تناول ظروفها، والأسباب الحقيقية لما يلحق عمالها من مصائب بسبب العمل؛ بينما لا تتحدث مؤسسات الدولة المعنية (الوزارة المعنية، المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، البرلمان…) إلا باقتضاب عن الانتهاكات التي تعج بها المقالع، وتنظم زيارات تفتيشية وتعاقب بعض المخالفين بشكل محدود لتفادي ردة فعل من العمال وامتصاص غضبهم عقب بعض الفواجع…
تستمر هذه الفواجع في حصد أرواح عمال المقالع وصحتهم دون أي تدخل جدي من أية جهة لتغيير ظروف العمل المتردية التي تنتجها، رغم إصدار تقريرين لمؤسستين رسميتين للدولة حول المقالع، ورغم تحاشي التقريرين إثارة ظروف استغلال واستعباد عمال المقالع، لكن الواقع كان أقوى من أن يتم تجاهله، فتمت الإشارة له بشكل مقتضب وعام.
الأول، تقرير برلماني حول مقالع الرمال والرخام، وما رصده من حالة “فوضى” و”عشوائية” و”تواطؤات” بين بعض أصحاب المقالع ورؤساء جماعات. وقد جاء في التقرير أن “أغلب هذه المقالع تشتغل بطرق عشوائية وبدائية وتؤثر سلبا على البيئة والماء”.
وأبرز أن عدد المقالع في المغرب يبلغ 2920 محجرًا في جميع أنحاء البلاد، مع وجود أغلبها (58%) في المناطق الساحلية، غير أن 1049 منها فقط، هي التي خضعت للمراقبة، مما يعني أن 1871 مقلعا بقيت خارج المرقبة لمدة تتجاوز سنة كاملة، مع تسجيل غياب أي حديث عن مقالع الغاسول، “بعدما تبين أن ملف إقليم بولمان قد أحيل منذ مدة على رئاسة الحكومة للبت فيه”. وأن قطاع المقالع في المغرب يساهم بحوالي 1% من الناتج الداخلي الخام، ويوفر حوالي 140 ألف فرصة عمل مباشرة، بمعدل 20 مستخدم لكل مقلع، ونبه التقرير إلى صعوبة معرفة عدد المستخدمين المسجلين في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.
الثاني، رأي المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي المعنون بـ”آليات منح التراخيص ومراقبة استغلال الموارد الطبيعية (الموارد المائية والمقالع)”، حيث ورد فيه ما يلي: “ضعف امتثال ظروف العمل في بعض المقالع للنصوص التنظيمية والمعايير الفضلى في مجال المسؤولية الاجتماعية للمقاولات. ويتجلى هذا عادة في علاقات عمل غير منظمة بالشكل الكافي، وأجور متدنية، وعدم التصريح الكامل أو التصريح الجزئي بالعاملين، بالإضافة إلى ارتفاع مخاطر حوادث الشغل والأمراض المهنية، وما إلى ذلك”. وفي التوصيات ورد ما يلي: “الحرص على احترام المعايير الاجتماعية والبيئية في استغلال المقالع وفقا للمقتضيات القانونية الجاري بها العمل، وذلك من خلال ضمان حقوق اليد العاملة والحرص على تهيئة ظروف عمل ملائمة، من خلال بناء علاقات شغل شفافة، والتصريح بالعاملين، وتحسين مستويات الأجور، وضمان شروط الصحة والسلامة في أماكن العمل”.
ويخلص إلى تدهور مستمر بفعل عوامل متعددة، منها الاستغلال المفرط، لكن دون اكتراث جدي بالبشر العامل وأسرهم التي تكسب قوتها من تشغيل الة استغلال المقالع. فكل ما تفضل به المجلس في تقريره لا يتعدى جملا قصيرة، عابرة. [مأخوذ من: ملاحظات لشبكة تقاطع للدفاع عن الحقوق الشغلية بصدد الوظيفة الاجتماعية للمجلس الاقتصادي والاجتماعي؛ بتاريخ: 29-06-2024].
لن يوقف ظروف العمل الصعبة التي يزاول فيها عمال المقلع عملهم، وتشغيلهم في مقالع “عشوائية غير مرخصة”، وما يستتبعه من حرمان التصريح بهم لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وعدم التأمين لفائدتهم عن حوادث الشغل والأمراض المهنية… غير وحدة العمال أنفسهم وتضامنهم للنضال من أجل حقوقهم الأولية والبسيطة هاته.
اقرأ أيضا

