حين تعترف الأرقام بما تصمت عنه السياسات: حدود النموذج الاقتصادي المغربي

مقالات24 يونيو، 2026

بقلم، سليم نعمان

تُقدم الميزانية الاقتصادية الاستشرافية لسنة 2026 الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط صورة تبدو مطمئنة للوهلة الأولى للاقتصاد المغربي، مع توقعات بنمو اقتصادي يصل إلى 4,4% سنة 2025 و4% سنة 2026، وتراجع في التضخم، واستمرار انخفاض عجز الميزانية، ومستويات استثمار تتجاوز 31% من الناتج الداخلي الإجمالي. هذه الأرقام، من منظور المؤشرات الماكرو-اقتصادية السائدة، قد توحي بنجاح السياسات المتبعة. ومع ذلك، فإن قراءة متأنية لهذه المعطيات، وربطها بالواقع المعيش، تكشف عن اقتراب نموذج اقتصادي كامل من حدوده التاريخية، وتطرح تساؤلاً جوهرياً: لماذا يستثمر المغرب بهذا الحجم ولا يحصد من النمو إلا هذا القدر؟
إن جوهر المسألة يتجاوز مجرد الكفاءة التقنية للاستثمار، ليمس طبيعة نمط التراكم الذي يوجهه. فأرقام المندوبية تكشف أن الاستثمار سيبلغ 31,2% من الناتج الداخلي الإجمالي سنة 2025 و31,6% سنة 2026، وهي نسب تضع المغرب في مصاف الاقتصادات الأكثر استثماراً في العالم قياساً بحجمه. لكن مقابل كل هذا، لا يتجاوز النمو المتوقع 4,4% ثم 4%. هذه المفارقة ليست وليدة اليوم، بل هي مزمنة وموثقة في تقارير المؤسسات الدولية التي تتحدث باستمرار عن ضعف الإنتاجية ومحدودية أثر الاستثمار على النمو. خلال العقود الماضية، جرى توظيف جزء مهم من الموارد العمومية في البنيات التحتية الكبرى والمناطق الصناعية وشبكات النقل الضرورية لاندماج الاقتصاد المغربي في السوق العالمية، كما استفادت الرساميل الكبرى من إعفاءات وتحفيزات بمليارات الدراهم. لكن الحصيلة تكشف أن هذه الجهود لم تؤدِ إلى بناء قاعدة إنتاجية وطنية متكاملة، بقدر ما ساهمت في تعزيز قطاعات ومجموعات اقتصادية محددة لا تنعكس ديناميتها على مجموع الاقتصاد بالقدر الكافي. من هذه الزاوية، يظهر أن أزمة الإنتاجية هي تعبير عن حدود نمط تراكم يقوم على التمركز والاحتكار أكثر مما يقوم على توسيع القاعدة الإنتاجية للمجتمع.
تتفاقم هذه المفارقة حين نرى التحديث المادي يتجاور مع تخلف اجتماعي واضح. فلو وقفنا على أحد جسور الطريق السيار المحاذية لإحدى المدن، حيث الأسفلت الأملس والإضاءة الحديثة، ونظرنا جانباً نحو الأحياء الهامشية التي لا تبعد إلا بضع مئات من الأمتار، يتجلى لنا في لحظة واحدة ما تستغرق التقارير صفحات لشرحه. في ربع قرن، بنى المغرب بنية تحتية تُقارَن بدول متقدمة، لكن هذا الفضاء المادي لا يمتد بالتساوي؛ فالطريق السيار يتجاور مع مدارس متهالكة، والمنطقة الصناعية تحتضن عمالاً في أوضاع هشاشة لا تطاق. لقد جرى تبرير السياسات الليبرالية بفكرة أن النمو سيقود في النهاية إلى تحسين أوضاع السكان، لكن الأرقام الرسمية تضع هذا الوعد موضع تساؤل. فإذا كانت كل نقطة نمو اقتصادي تخلق خلال الفترة 2000-2009 حوالي 30 ألف منصب شغل، فإن هذا الرقم انخفض في العقد اللاحق إلى نحو 20 ألف منصب فقط. الاقتصاد أصبح يحتاج إلى نمو أكبر لكي يُنتج توظيفاً أقل، ناهيك عن توسع القطاع غير المهيكل وهشاشة العمل. بائع متجول يعمل اثنتي عشرة ساعة خارج نظام الحماية، وشابة جامعية تبحث عن عمل لسنوات -هؤلاء هم الوجه البشري لما تسميه التقارير «ضعف المشاركة في سوق الشغل».
أما الاندماج في السوق العالمية، الذي يُحتفى به كنجاح في قطاعات الفوسفاط والسيارات والطيران، فإنه يثير تساؤلاً جوهرياً: هل قاد هذا الارتفاع إلى تقليص التبعية البنيوية للخارج؟ الأرقام هنا أقل تفاؤلاً؛ فبينما ستنمو الصادرات بنسبة 7% سنة 2026، ستنمو الواردات بنسبة 7,6%، ويرتفع العجز التجاري ليصل إلى 20,1% من الناتج الداخلي الإجمالي. أي أن الاقتصاد يصدر أكثر، لكنه يحتاج في الوقت نفسه إلى استيراد المزيد من التكنولوجيا والطاقة والتجهيزات. وهكذا يتحول النمو نفسه إلى مصدر جديد للتبعية. لقد اندمج المغرب في السوق العالمية أساساً من موقع يؤدي وظائف محددة: منصة للمناولة الصناعية، ومصدر للمواد الأولية، وسوق للسلع القادمة من الخارج -لا موقع من يمتلك القرار في التقسيم الدولي للعمل.
إلى هذه الحدود الاقتصادية والاجتماعية، تُضاف اليوم حدود أخرى أشد صمتاً وأكثر خطورة: الحدود البيئية والسيادة الغذائية. فقد أظهرت سنوات الجفاف المتتالية أن أزمة الماء لم تعد مشكلة قطاعية تخص الفلاحة وحدها، بل أصبحت قيداً استراتيجياً على مجمل النمو. وتكشف أزمة الموارد المائية، مع التوسع المستمر للزراعات التصديرية المستهلكة للماء (كالطماطم والأفوكادو)، عن تناقض عميق: فبعض مصادر النمو تستنزف الشروط الطبيعية الضرورية لاستمرارها. وبذلك لم تعد قضايا الماء والسيادة الغذائية مسائل تقنية، بل باتت في قلب النقاش حول مستقبل النموذج التنموي ذاته.
لقد تشكلت الرأسمالية المغربية المعاصرة على امتداد العقود الأربعة الأخيرة حول رهانات كبرى مثل تحرير الاقتصاد، وتشجيع الاستثمار، وجذب الرساميل الأجنبية، والانخراط المتزايد في السوق العالمية. وكان الوعد الذي رافق هذه التحولات بسيطاً: المزيد من الاستثمار سيولد المزيد من النمو، والمزيد من النمو سيولد المزيد من الشغل والرفاه. اليوم، وبعد عقود من تطبيق هذه الوصفة، تبدو المؤسسات الرسمية نفسها أقل قدرة على تأكيد هذا الوعد. السؤال الحقيقي ليس: هل ينمو الاقتصاد؟ بل: لصالح من ينمو؟ فالنمو الحالي يخدم متطلبات التراكم الرأسمالي والاندماج التابع في السوق العالمية، دون أن ينجح في حل التناقضات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية التي تنتجها هذه العملية نفسها.
إن الاعتراف بحدود النموذج لا يعني الاستسلام لحتميته، بل يستدعي «القطع» معه. والقطع هنا ليس مجرد تغيير حكومة أو مراجعة سياسة قطاعية، بل يعني إعادة السؤال إلى أصله: لمصلحة من يُنظَّم الاقتصاد؟ ومن يملك حق تحديد الأولويات؟ ومن يتحمل تكاليف الخيارات المُتخذة؟ البديل الذي تُلمح إليه حدود النموذج الراهن لا يُبنى في المكاتب، بل حين يستعيد الشعب سلطة القرار على موارده ومياهه وأرضه وتعليم أبنائه وصحتهم. وحين تتحول المشاركة الشعبية من شعار انتخابي إلى رقابة فعلية على كيفية توزيع الثروة وتوجيه الاستثمار العمومي. وحين يصبح معيار نجاح السياسة الاقتصادية ليس معدل النمو في حد ذاته، بل قدرة هذا النمو على تلبية الحاجات الأكثر إلحاحاً: الماء النظيف، والتعليم الذي يفتح آفاقاً، والصحة التي لا تُباع، والشغل الكريم الذي يمنح الكرامة لا مجرد الأجر…
يجب أن يتصالح الاقتصاد مع محيطه؛ فالأرض ليست مجرد عامل إنتاج، والماء ليس مجرد مورد قابل للاستنزاف حتى النضوب، والغابة ليست خسارة اقتصادية في انتظار تحويلها إلى أرض صناعية. اقتصاد يتعايش مع بيئته في تناغم لا يعني اقتصاداً أضعف، بل اقتصاداً أكثر استدامة وأعمق عدالة وأبعد أفقاً. كل هذا لا يتحقق إلا تحت رقابة شعبية ديمقراطية حقيقية -لا الديمقراطية بوصفها إجراءً انتخابياً دورياً، بل الديمقراطية بوصفها ممارسة يومية للسلطة من قِبَل من يتحملون تبعات القرارات الاقتصادية على أجسادهم وأحياءهم ومستقبل أبنائهم. ما تعترف به الأرقام الرسمية اليوم، ولو بلغة مُلطَّفة ومُحتاطة، هو أن مرحلة كاملة من التطور الاقتصادي المغربي بلغت سقفها. وهذا الاعتراف هو دعوة للتفكير خارج حدود النموذج وتحويل التشخيص التقني إلى مشروع سياسي ومطلب شعبي. فالبديل لا يُمنح.. إنه يُبنى.

شارك المقالة

اقرأ أيضا