البطالة في المغرب: واقع يتجاوز الأرقام الرسمية
بقلم؛ م.ح
في مقهى شعبي بحي سيدي البرنوصي بالدار البيضاء، يجلس شاب–خمسة وعشرون عاماً وشهادة في الاقتصاد التطبيقي–منذ أكثر من سنة ينتظر. لم يرفض العمل، بل العمل هو الذي لم يأتِ. جرّب المناولة، وجرّب التقديم على مباريات القطاع العام، وجرّب المشاريع الصغيرة. والنتيجة واحدة: الانتظار.
هذا الشاب ليس استثناءً. إنه وجه من وجوه رقم يقول إن نحو نصف شباب المغرب بين خمس عشرة وأربع وعشرين سنة إما عاطل أو يشتغل في ظروف هشة لا توفر استقراراً ولا حماية اجتماعية ولا أفقاً. وحين تُضاف إلى هؤلاء حالات الشغل الناقص والأشخاص الذين أقفلوا الباب وراءهم ورفضوا الاستمرار في البحث عن عمل، ترتفع نسبة سوء استغلال اليد العاملة في المغرب إلى أكثر من 22% من مجموع القوة العاملة.
الرقم الرسمي–10.8%–يجري إبرازه ليراه الجميع. لكنه لا يرى الباحثين عن عمل. ولا يرى من أغلق باب البحث عن عمل وانكفأ. ولا يرى من يشتغل أربع ساعات يومياً في قطاع غير مهيكل ويُحسَب في السجلات «مُشتغلاً». الأرقام لا تكذب دائماً، لكنها تختار بعناية ما تسلط عليه الضوء وما تترك في الظل. وفهم ما تتركه في الظل يستلزم العودة إلى ما تخفيه.
لم ينجح المغرب، منذ التسعينيات، في حل معضلة البطالة بشكل فعلي. ارتفعت المعدلات أحياناً وانخفضت أحياناً أخرى، لكن جوهر الأزمة بقي ثابتاً: الاقتصاد لا يُنتج من فرص الشغل ما يكفي لاستيعاب الداخلين الجدد إلى السوق. وحتى حين حقق المغرب نمواً، لم يتحول ذلك النمو إلى فرص شغل بالقدر الكافي. كانت المشاريع الكبرى والاستثمار العمومي تدفع المؤشرات إلى الأعلى، لكن دون أن تُولّد توسعاً إنتاجياً حقيقياً قادراً على استيعاب هذا الجيل المتراكم من الباحثين عن عمل، وهو ما بات البنك الدولي يسميه صراحةً: «النمو بدون شغل».
ثم جاءت جائحة كوفيد لتُعمّق الجرح، وتبعها الجفاف ليضرب التشغيل الفلاحي بقوة. في أقل من عقد فقد القطاع الفلاحي مئات آلاف الوظائف–أي أن عائلات بأكملها في سهل الغرب وسوس وتادلة فقدت مصدر دخلها الوحيد، ولم تجد في المدن التي هاجرت إليها إلا سوق شغل حضري مُختنق هو الآخر. والهجرة نفسها هروب من المأساة، ولم تكن خياراً، وجدران المدينة لم تكن فرصة بل امتداداً لنفس الضيق في فضاء أكثر ازدحاماً.
والسبب في هذا الاختناق يتجاوز الأرقام إلى بنية الاقتصاد نفسه. فالمغرب يمتلك بنية تحتية حديثة: موانئ وطرقاً سيارة ومناطق صناعية ومطارات. لكن هذه البنية لم تُفضِ إلى تحول إنتاجي حقيقي، لأن جزءاً كبيراً من الاقتصاد لا يزال يعمل وفق منطق «الريع والاحتكار» لا منطق «الإنتاج والمنافسة». خذ قطاع العقار أو بعض خدمات الاتصالات: مجموعات محدودة تستحوذ على الهامش الأوسع، فما يُولَد من رأسمال لا يتحول إلى مصانع ولا مناصب شغل، بل يعود ليستثمر نفسه في نفسه.
والنتيجة أن أغلب المقاولات تبقى صغيرة وضعيفة الإنتاجية، وأن سوق الشغل يظل مُهيمناً عليه من طرف القطاع غير المهيكل الذي يوفر وظائف بلا استقرار ولا حماية. تخيّل مصنعاً يُشغّل نصف آلاته ويترك الباقي يأكله الصدأ. هكذا يعمل اقتصاد يعجز عن استثمار نصف طاقته البشرية، وتحديداً النساء اللواتي تبقى نسبة مشاركتهن الاقتصادية من بين الأضعف في العالم. ليس لأنهن لا يُردن العمل، بل لأن سوقاً لم يُصمَّم ليستوعبهن؛ لا في ساعاته ولا في بنيته ولا في حمايته.
وفوق هذا كله، يأتي التعليم ليُعمّق المعضلة بدل أن يحلّها. آلاف الخريجين يدخلون السوق كل سنة دون أن يجدوا وظائف تتناسب مع مؤهلاتهم–والمفارقة أن المقاولات تشتكي في الوقت نفسه من شُح المهارات المطلوبة. خريج الهندسة الذي يعمل موصِّلاً، وخريجة في الكيمياء تفتح محل خياطة في حي شعبي، ليسا حالتين استثنائيتين بل تجليا لاقتصاد يغدق فقرا.
والتفاوت المجالي يُحكم الطوق أكثر. فرص العمل متمركزة في عدد محدود من المدن الكبرى، وهذا التمركز نتيجة عقود من سياسات الاستثمار العمومي التي أولت الساحل والمحاور الكبرى الأهمية على حساب العمق الترابي، إنه نتاج سنوات من السياسات النيوليبرالية القاضمة للحقوق، والمدمرة للمكاسب. لا يجد أبناء القرى، في المدينة، حين يهاجرون هرباً من الجفاف وانهيار الفلاحة، سوى امتدادا لنفس الهشاشة في فضاء مختلف، إلا أنهم يدفعون فيها إيجاراً.
لقد تشكّل هذا الواقع على مدى عقود من السياسات التي آثرت المشاريع الكبرى على القطاعات الكثيفة التشغيل، والمجموعات النافذة على المقاولات الصغيرة، والمؤشرات العامة على التوزيع الفعلي للفرص. وأي تغيير حقيقي يعني بالضرورة المساس بهذه المعادلة–وهو ما يصطدم بمصالح قوية لا تُعلن عن نفسها في الخطابات الرسمية، لكنها حاضرة بقوة في القرارات الفعلية.
المشكل لم يعد في معرفة الأسباب، فهي باتت واضحة إلى حد أن المؤسسات الرسمية نفسها تعترف بها، ولو بلغة مُلطَّفة. المشكل في غياب الإرادة على تغيير الشروط التي تُنتج البطالة باستمرار. الشاب العاطل ليس كسولا ولا عاجزا فرديا، وهو لا يرضى الجلوس في مقهى سيدي البرنوصي خاملا. إنها الفاتورة اليومية لنموذج اقتصادي يُحقق النمو ويعجز عن توزيع ثماره. لكن إن كانت الإرادة السياسية لا تُنتَج من فراغ، فمن الذي يصنعها حين تغيب؟
التاريخ المغربي يمتلك جواباً لا يذكر كثيراً. في مطلع التسعينيات، حين بلغت البطالة ذروتها، نظّم آلاف المعطلين أنفسهم في حركة مطلبية كانت من أكثر التجارب نضجاً في تاريخ الحركة الاجتماعية المغربية–الجمعية الوطنية لحملة الشهادات المعطلين ومجموعات الدكاترة المعطلين وغيرها. لم تكن مجرد احتجاجات عفوية، بل كانت تنظيماً صبوراً وواعياً حوّل الألم الفردي إلى مطلب جماعي، وجعل من البطالة قضية سياسية لا مجرد أزمة شخصية.
وقد نجحت هذه الحركة، رغم كل القيود التي واجهتها، في انتزاع اعتراف بالمشكل وفي تخفيف وطأته على شريحة من المتضررين. اليوم، وقد استمرت البطالة بأوجه جديدة وبنفس البنية القديمة، ما أنجزته تلك التجربة لم يكن نهاية مسار بل درساً في ما يمكن أن يفعله التنظيم الجماعي الواعي. والسؤال الذي يطرحه هذا الدرس ليس «هل يمكن التغيير؟» بل «ما الذي يحتاجه التنظيم اليوم كي يكون أكثر جذرية وأوسع أثراً؟»
الخطوة الأولى هي الاعتراف بأن الشغل حق لا هبة. ما دامت الوظيفة منحةً تمنحها الدولة حين تشاء وتمنعها حين تشاء، يبقى العاطل متسوّلاً لا مواطناً. الاعتراف القانوني والسياسي بهذا الحق هو الأساس الذي تبنى عليه كل مطالب أخرى. ومن هذا الأساس تنبثق مسألة توزيع ما هو متاح: تقليص ساعات العمل لا يعني إنتاج أقل، بل يعني أن من يشتغل أربعين ساعة يُخلّي مكاناً لمن لا يشتغل أصلاً–وهو ما طبّقته فرنسا جزئياً في أواخر التسعينيات وأتاح تراجعا ملموسا في البطالة.
لكن توزيع الشغل وحده لا يكفي ما لم يكن الأجر لائقاً. حد أدنى للأجور مرتبط بمؤشر الأسعار لا بالخطابات الرسمية–حتى لا يقضم التضخم ما تبقى من قدرة شرائية للأسر المغربية التي باتت تتصارع مع غلاء متصاعد. ولمن لا يجد عملاً رغم كل شيء، تعويض عن البطالة يصون الكرامة ويُبقي الناس في دائرة الحياة الاقتصادية بدلاً من أن يدفعهم إلى «اقتصاد الظل».
تظل هذه المطالب ناقصة ما لم تُكمَل بما هو أبعد من الأجور: الاستثمار في الخدمات العمومية المجانية والجيدة: تعليم وصحة ونقل وسكن. الخدمات العمومية هي الأجر الاجتماعي الذي لا يظهر في الرواتب لكنه يُحدد فعلياً مستوى الحياة. عائلة تدفع آلاف الدراهم كراءً وتُرسل أطفالها إلى تعليم خاص وتدفع فواتير العيادة من جيبها الخاص هي عائلة تعيش على أجر منقوص حتى وإن كانت «مُشتغِلة» رسمياً.
وهنا يأتي السؤال الذي تتحاشاه كل الخطابات الرسمية: من أين يأتي التمويل؟ والجواب ليس مجهولاً. المال موجود في ديون خارجية تستنزف الميزانية العمومية ويمكن وقفها والمطالبة بإلغائها. وموجود في موجة الخصخصة التي تُحوّل الأصول العمومية إلى أرباح خاصة ويمكن وقفها. وموجود في الثروات الكبرى والأرباح المتراكمة التي تستفيد من منظومة ضريبية سخية — وبخاصة العوائد المالية للاستثمارات التي تكتفي باستثمار المال في المال دون أن تُنتج وظيفة واحدة. ضرائب تصاعدية على الثروة والأرباح هي أداة توزيع لا عقوبة، وهي الطريق الأكثر عدالة لتمويل ما تحتاجه الأغلبية.
لا يتعلق الأمر بوصفة اقتصادية تقنية. هذه المطالب مجتمعةً، في أفق تحرر شامل وعميق، هي رؤية مختلفة لمن يتوجب أن يكون الاقتصاد في خدمته. الاقتصاد الذي ينمو دون أن يُشغّل، ويُصدّر دون أن يصير مستقلاً، ويُحدّث دون أن يُوزّع؛ اقتصاد لن يُصلح نفسه من تلقاء نفسه. ولن تُصلحه وثائق رسمية بارعة المراوغة، ولا خطابات استعراضية.
ما سيُصلحه/يغيره هو ضغط جماعي منظَّم ومستمر من قِبَل الذين يدفعون ثمن مصائبه يومياً: شباب في انتظار لا ينتهي، ونساء على هامش سوق لم يُصمَّم ليستوعبهن، وعمال في قطاع غير مهيكل لا يعرف أحد أسماءهم. حين يتحول هذا الألم المتفرق إلى إرادة جماعية واضحة المطالب، يصبح ما يبدو اليوم مستحيلاً أملاً يمكن تحقيقه.
من أجل الشباب العاطل، وكثيرون مثلهم؛ الأمل كامن في القوة الجماعية والنضال.
اقرأ أيضا

