الخوف من امتداد الحراك الاجتماعي يستبد بالنظام… فيلجأ إلى قمعه بالريف

بقلم: رفيق الرامي

بعد اتضاح لا جدوى الوعود والخطابات الرسمية، وكذا مناورات إنزال وزراء إلى مدينة الحسيمة، وفشل استعمال المساجد لتأليب المواطنين ضد الحراك الاجتماعي، وأيضا عدم فعالية التهديدات، وكذا الاتهامات بالانفصالية والخيانة، ومع اشتداد الخوف، وحتى الهلع، من انتشار الحراك بباقي مناطق المغرب مع بروز علامات ذلك بجهات عديدة، لم يبق للنظام غير اعتقال المناضلين.
ولتبرير حملة القمع، ما أكثر السبل، أقلها أن المسيرات الشعبية كانت بلا ترخيص، فضلا عن استغلال ما يسببه تدخل قوات القمع واستفزازاتها من مواجهات، مع أن الحراك سفه النظام أيما تسفيه أمام العالم بطابعه السلمي.
اللجوء إلى القمع سعيٌ إلى الخروج من المأزق الناتج عن رفض إعادة النظر في السياسات اللاشعبية التي فجرت الغضب الشعبي في الريف، وتسير بسرعة فائقة إلى تفجيره بكل ربوع المغرب.
لن يتوقف الحراك بالريف، فقط ستضاف إلى مطالبه حرية المعتقلين وإلغاء المتابعات القضائية. الاعتقالات لن تحل مشاكل تردي خدمات الصحة والتعليم، ومعضلة استشراء البطالة وشتى صنوف القهر. الاعتقالات تؤجج مشاعر الحقد على النظام، هذا الحقد الراسخ بفعل عقود من الإذلال والقمع والإفقار التي كان فيه للريف نصيب وافر.
الدولة تريد إطفاء الغليان الشعبي بفتات برامجها “الانمائية” الزائفة، مثل ما يسمى “منارة المتوسط” المندرجة كليا في خطط البنك العالمي وصندوق النقد الدولي والاتحاد الأوربي. هذه القوى الرأسمالية تفرض على المغرب، في تحالف مع البرجوازية المحلية، سياسة خوصصة المنشآت العامة، والتدبير المفوض للخدمات مثل الكهرباء والماء، وضرب ما تبقى من مجانية التعليم، و جعل خدمات الصحة تجارة لدى القطاع الخاص بإهمال قطاع الصحة العمومية وإلغاء ما كان فيه من مجانية. هذه السياسة هي الأجندة الخارجية التي يخدمها حكام المغرب، فنتج عنها مستوى بطالة مهول، وتشغيل هش يحكم على الملايين بالبؤس والمرض والجهل.
قوة الحراك النضالي في جماهيريته، وهذه نتاج طابعه السلمي. عشرات ألاف الجماهير الكادحة، قسمها الأعظم شباب، ونسبة مهمة منهم تناضل لأول مرة، كاسبة خبرة في الفعل الجماعي، وثقة في قوة الكادحين الجماعية. تعزيز هذه القوة هو الرد الأسلم على حملة الاعتقالات التي بدأت يوم 26 مايو 2017، وذلك بتكثيف جهود العمل الموحد، وتنظيم الروابط مع شعب الحراك باللجان في الأحياء والقرى، وتنظيم التحركات بلجان يقظة تحمي للحراك طابعه السلمي، ومن ثمة الجماهيري.
عيون كافة كادحي المغرب على الريف، وكل انتصار بالريف سيمد الحراك الشعبي بالمغرب بقوة دفع هائلة ومهولة للنظام.
قوى اليسار المناضل أمام مسؤولية تاريخية، النقابية منها بوجه خاص. فالقيادات النقابية ممتنعة عن الإسهام الفعلي في الحراك الجاري، كما فعلت أيام حراك 20 فبراير. “الانخراط في النضالات الاحتجاجية الاجتماعية” الذي دعت إليه قيادة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل [بلاغ المكتب التنفيذي 24 مايو 2017] لن يكون فعليا إلا ببرنامج نضالي فوري، وليس بعد شهر، وبتشكيل لجان تضامن الحركة النقابية مع الريف في كل مدن المغرب.أما موقف قيادة الاتحاد المغربي للشغل فيندرج في تقاليدها العريقة في ترك النضالات تختنق، وهذا ما تفعل حتى مع قطاع شغلية أتوروت، المناضلين في عزلة قاتلة، فما بالك بالريف.
مطالب كادحي الريف لن تلق استجابة حقيقية وجوهرية إلا بفرض برنامج استعجالي قوامه فتح باب التشغيل في الوظيفة العمومية، من تعليم وصحة، المفتقرين إلى عشرات ألاف المدرسين والأطباء والممرضين، ووقف سياسة تخريب المدرسة والمستشفى العموميين بمدها بالميزانيات الكافية لتلبية الحاجات الشعبية، وبسياسة تصنيع عمومية تعيد تأميم ما جرت خوصصته، سياسة تستفيد من موارد البلد لبناء اقتصاد منتج، مع ما يستلزمه الأمر من افتحاص ديون البلد لإلغاء غير المشروع منها لوقف النزيف المستمر منذ عقود.
هكذا برنامج استعجالي يتطلب ميزان قوى، كالذي نراه في الريف، لكن على نطاق وطني. فالحاكمون، أصالة عن أنفسهم، ونيابة عن البرجوازية، لن يقبلوه لأن في برنامجهم تخصيص موارد البلد والثروة التي تنتجها طبقة العمال لمصلحة الرأسماليين المحليين والأجانب، ومواصلة تطبيق الاجندات الخارجية، برامج صندوق النقد الدولي والاتحاد الأوربي، بالغاء ما تبقى من دعم لأسعار غاز المطبخ و السكر، وتعمي تحويل الخدمات العامة الى سلع، و الغاء حق الإضراب تمهيدا لهجمات مقبلة أشد ضراوة.
ميزان القوى المطلوب لفرض برنامج استعجالي لتلبية المطالب الشعبية يعني امتداد الحراك أفقيا بانتشاره الجغرافي في جميع الاتجاهات، وعموديا نحو الأسفل بتغلغله في الطبقات الشعبية وبمقدمتها الطبقة العاملة، فلها المقدرة الفريدة على لي ذراع، وحتى عنق، الأعداء، مقدرة وقف آلة الإنتاج والإدارة.
هذه ساعتنا أيها المناضلون و المناضلات، ومنعطفات من هذا القبيل لا تتكرر كل شهر، الحديد حام، فلنضربه قبل أن يبرد.
مغربنا يُقاد الى هلاك، ولا خلاص إلا على طريق الريف.

رفيق الرامي

Print Friendly, PDF & Email