التزامنا النقابي

 

بقلم، الشبيبة الشيوعية الثورية

I- الدواعي الأساسية لالتزامنا النقابي 

مسألة إستراتيجية 

يستند مشروعنا الثوري على تحرر العمال الذاتي و على المعركة ضد البرجوازية. وتترتب عن هذا نتيجتان فيما يخص ضرورة توحيد معسكرنا الاجتماعي. يجب علينا أن نوحد معسكرنا الاجتماعي لأن المجتمع الذي نريد بناءه يستدعي تماسكا قويا للطبقة العاملة، بقصد تمكن هذه من اقتياد الطبقات الأخرى في تنظيم مجتمع جديد، ومن أجل أن تتسم مرحلة الانتقال بين الرأسمالية و الاشتراكية بأقل ما يمكن من الطابع غير المنظم، ومن اجل أن ُيعاد تنظيم الإنتاج والمجتمع على أفضل نحو وأسرعه . كما يجب أن نوحد معسكرنا الاجتماعي لأن ذلك يمثل الوسيلة الوحيدة لهزم الطبقة الخصم، البرجوازية، لحظة المواجهات الثورية، والحد من المعارك المسلحة إلى اقل ما يمكن.

خلال المعارك السياسية أو الاجتماعية الكبرى يكتسي معسكرنا طابع التماسك ويتحد. ويتيح العمل الجماهيري، لا سيما النقابي، العمل على توحيد معسكرنا الاجتماعي خارج مراحل التعبئات. و يتيح التنظيم في بنيات من النمط النقابي لمعسكرنا الاجتماعي أن يعي قوته: عندما تكون نسبة المنظمين في النقابات مرتفعة يكون العمال أقل عزلة، وبإمكانهم تفعيل أشكال تضامنية في مجالات يومية عديدة، في العمل لكن أيضا أشكال تضامن أولية أكثر، التعاضد.
كما أن التنظيم يمد العمال بوسائل رد فعل أرفع للدفاع عن مصالحهم: عندما يتوجب خوض معارك للدفاع عن وضعهم المهني، وعن أجرهم، وعن كرامتهم في العمل، يتيح التنظيم الأولي للعامل ألا يخضع. وأخيرا يرتبط العمل النقابي ارتباطا وثيقا، يوميا، مع النقاشات بين الزملاء حول ضرورة تنظيم ردود أفعالنا وهيكلتها، وعدم الانغلاق في استراتيجيات فردية. ولهذا مضاعفات حتى في التعبئات بوجه تيارات فوضوية أو استقلالية autonomistes تبخس قدر التنظيم الجماعي ، والانضباط، والتصويت، والنقاشات المهيكلة، الخ.

أداة لتغيير ميزان القوى

الدفاع عن الحقوق

تتيح الأداة النقابية الدفاع عن حقوق العمال يوميا. وهذا جزء من المعارك التي نشارك فيها. فعلا يبدو لنا من الصائب الدفاع عن الحقوق يوميا لأننا إذ نعتقد أن تحرر البشرية سيأتي من ثورة اجتماعية، فإننا مع ذلك نؤيد تحسينات آنية.
علاوة على أن لهذه المعارك مزيتين: تتمثل الأولى في إتاحة الحد من تدهور شروط حياتنا: عندما تبلغ شروط حياة العمال مستوى بالغ السوء يتقدم حل هذه المشاكل على الدفاع عن المصالح الجماعية، وهذا يشجع المسبقات العنصرية.
تكمن المزية الثانية في أن العمال يكسبون، عندما يظفرون بمعارك، حتى محلية جدا، الثقة بقوتهم الذاتية، ويساعد هذا على الإقناع بأن الالتزام الجماعي يستحق العناء وأن النضال والإضراب مثمر، وهذا ليس بالبديهي عند تكاثر الهزائم أو في الحالة الأسوإ عندما لا ُتخاض معركة جماعية.

تشكيل نقاط ارتكاز من اجل القدرة على النضال

تمكن العمال بالمقاولات الكبرى من الظفر بمزايا لصالحهم ولصالح عموم الأجراء: الحق النقابي، الأجراء المحميون، أيام الإعلام النقابي كلها وسائل نجاح . وقد ظفر الموظفون باستقرار العمل ( رغم أنه ُيفقد في بعض الأماكن باستبدال تدريجي لوضعية الموظف بعقود قانون خاص). كما أن أوقات الراحة، والعطل لحظات تتيح للعمال تعلم التفكير، والخروج من اليومي. هذا كله لم تمنحه البرجوازية لإرضائنا، بل فرضته نضالات العمال النقابية والسياسية.

” أجنة ديمقراطية بروليتارية داخل الرأسمالية” ( تروتسكي)

لا يمكن للطبقة العاملة أن تظفر بمكانة قائدة في النظام الرأسمالي، فمواقعها متسمة دوما بعدم الاستقرار. وإذا أرادت الالتفاف على المشكل بالسعي إلى مواقع في جهاز الدولة، فإنها تشوه أهدافها وتضع نفسها في خدمة البرجوازية.
لكن بإمكان البروليتاريا، في الحرب التي يمثلها صراع الطبقات، أن تظفر بمواقع، ونقاط ارتكاز. و بإمكانها أن تشكل قواعد خلفية منها مثلا في المقاولات حيث لها قوة إذ تكسب حقوقا وتجربة في النضال.
كما تشكل المنظمات العمالية ( جمعيات، نقابات، منظمات سياسية) “أجنة ديمقراطية بروليتارية داخل الرأسمالية” لأنها تتيح للعمال تعلم الحياة، وتسيير الأمور بأنفسهم، بدون أرباب عمل. يتيح ذلك إضفاء مصداقية على السلطة البروليتارية، والرد على الوهم الرائج حول استحالة سير المجتمع بدون أرباب عمل ولا مهندسين ولا أخصائيين.

II – الدواعي المتصلة بمكانة الثوريين 

النقابات إصلاحية بطبعها 

ثمة تناقض في معركة الثوريين اليومية، إذ نحارب من أجل وحدة طبقتنا ونطرح مسألة السلطة، في حين أن هذه المسألة ُتقسم حتميا. فعلا يقسم الانفلاق إصلاح/ ثورة معسكرنا الاجتماعي، فضرورة الاستيلاء على السلطة لا يشاطرها الجميع، بالأقل خارج الحقب الثورية. إن النقابات إصلاحية بطبعها لأنه يتعذر أن تكون ثورية إن أرادت توحيد العمال. هذا علاوة على أن الوجه اليومي للنضال، المطلب الآني، يقلص ، شئنا أم أبينا، إمكانية وضعهم لنظرية ثورية تشاطرها أغلبية المناضلين والأعضاء.

ليس لدى الفوضويين والنقابيين الثوريين سبل لحل هذا المشكل. النقابة بنظرهم شكل تنظيم للعمال خارج الحقب الثورية وفي الآن ذاته شكل سلطة العمال أثناء الثورة وبعدها. يؤدي بهم هذا إلى عدم حل مسألة الاستيلاء على السلطة، كما تدل تجربة اسبانيا في العام 1936 : قاموا آنذاك بتنظيم إنتاج مسير ذاتيا في مقاولات متنافسة، ولم يجدوا وسيلة لمنازعة سلطة البرجوازية الجمهورية. هذا فضلا على أن تصورهم، بالنسبة للحقبة بعد الثورية، لا يسمح بفصل النقابات عن الدولة العمالية ( الدولة بنية تنظم المجتمع، لا سيما بواسطة الإدارة، والعدالة، والشرطة، والجيش،…)
والحال أنه لا غنى عن هذا الفصل كي توجد دولة عمالية وتتمكن من تنظيم الانتقال إلى الشيوعية، وكي يتمكن العمال من الاحتماء، نقابيا، ضد انحرافات أي دولة ( انظر النقاش بين لينين وتروتسكي حول ” عسكرة النقابات”).
هل ثمة تناقض بين أن يكون المناضل ثوريا ويناضل في منظمة إصلاحية؟
لا يمكن لأي نقابة أن تكون ثورية. ويجب، منذ لحظة قبول النضال نقابيا، قبول هذا الواقع. لكن ذلك لا يعني أن المناضل الثوري أصبح إصلاحيا. المقصود إدراك جدوى النقابة، هذه الأداة الإصلاحية التي لا غنى للعمال عنها.

النقابة شكل التنظيم الأولى لدى العمال فيما بين التعبئات، ذلك الشكل الذي يتيح للعمال غير الثوريين إبقاء صلة فيما بينهم، ومواصلة الدفاع عن مصالحهم. كما أنها تشكل توسطا بين الطليعة الثورية وأوسع الجماهير.( كما يحددهما ارنست ماندل في النصوص الثلاثة حول تنظيم البروليتاريا).
1) تتيح النقابة الارتباط بمستوى وعي الجماهير العريضة: إنها تتيح، عبر نقاشات ونضالات يومية، معرفة انشغالات الجماهير الملموسة، وإمكانات نشاطها (من حيث الثقة، والقدرات المالية لخوض إضراب، وكفاحية،…)، واقتناعاتها السياسية ( فيما يخص معارك ملموسة مثل الاختيارات المجتمعية الكبرى، ومختلف المسائل السياسية).
2) تمثل النقابة طورا أولا لاقتياد مجموع معسكرنا الاجتماعي: بإمكاننا أن نمتحن حججنا قبل النضالات وخلالها في النقابة قبل اختبارها على نطاق أوسع. مثلا أثناء الحركة المناهضة لعقد أول تشغيل، كان الشروع في العراك داخل الاتحاد الوطني لطلاب فرنسا، حول مسألة العرقلة كشكل نضالي او توسيع المطالب، يتيح امتحان حججنا وما قد يكون رد الطلاب متوسطي الكفاحية. كما بوسعنا أن نشرع في اقتياد فئات أوسع من الثوريين، باقتياد مناضلين ليسوا ثوريين وحتى إصلاحيين بجلاء، وكذا أوساطهم، وهذا ما يتيح توسيع حقل التحرك قياسا بوسط الثوريين المحدود.
3) أخيرا تقع على الثوريين مسؤولية الإسهام في التنظيم اليومي للطبقة العاملة. إنه من واجبنا أن نطرح على أنفسنا مشكل كيفية تنظيم الطبقة العملة على نحو واسع خارج الفترات الثورية. يستتبع هذا العنصر الأخير تعذر القيام به في منظمة ثورية. لكن لا يمكننا ترك مهمة تنظيم الطبقة العاملة على نحو واسع للإصلاحيين، يجب على الثوريين أن يكونوا قادرين، بنفس قدرة الإصلاحيين، على تنظيم الطبقة. فما من مبرر لترك هذا الامتياز لهم.
4) نسمع الكثير من الأمور عن الاستقلال النقابي. ليس المقصود بنظرنا انه لا حق لمناضلي النقابات في نقاش السياسة أو النضال سياسيا. ليس الأمر موقفا أخلاقيا. يتمثل الاستقلال النقابي في احترام الوتيرات السياسية وأهداف كل بنية. إن دور النقابات هو توحيد حقل اجتماعي بقصد النضال من اجل أهداف مشتركة دفاعا عن مصالح الأجراء. وتهدف المنظمة السياسية إلى تحديد مشروع استراتيجي والدفاع عنه. إننا نحترم قرارات المنظمات الجماهيرية، ونحارب إخضاعها لمنظمة سياسية لأننا نعتقد ضرورة احترام وتيرات النقاش الديمقراطي للبنيات الجماهيرية.

III – وضع النقابات وتدخل الثوريين

ثمة خمس مسائل تشكل رؤيتنا لتدخل الثوريين في النقابات.

1) النقابات والدولة، النقابات والإصلاحيين. إن دمج النقابات في جهاز الدولة متفاوت حسب المنظمات والحقب، لكنه حتمي لكل نقابة ذات حد أدنى من التمثيلية: تحصل كل نقابة لها صيت جماهيري على مواقع في مجالس المقاولات( أو الجامعة…)، ومداومين، والتمويل من الدولة. و تؤدي حتما هذه الصلة بجهاز الدولة إلى تطور تصورات إصلاحية وأنماط اشتغال بيروقراطية( راجع روزا لوكسمبورغ، الإضراب الجماهيري والحزب والنقابات- إصلاح اجتماعي أو ثورة).

2) ليس النضال ضد البيروقراطية نقاش أفكار بين مناضلين بينهم خلاف. البيروقراطية مشكل علاقة بالنظام، إنها مسألة اجتماعية. ليس البيروقراطيون سيئين بطبيعتهم أو باقتناعهم، بل يجبرهم موقعهم في بنية مندمجة في جهاز الدولة على ممارسات معادية للديمقراطية وتصورات إصلاحية. يجب أن نستنتج من هذا المشكل الاجتماعي ضرورة فصل بيننا وبينهم فيما يخص الممارسات النضالية، وبلورة التوجهات النقابية. يتعذر أي تحالف دائم وإلا اندمجنا نحن أيضا ( هذا لا يمنع اتفاقات في أمور مدققة).

3) وجوب التمييز بين القيادات الإصلاحية والبيروقراطية وبين المناضلين. إن مناضلي القاعدة، حتى تحت قيادة بيروقراطيين وبتضامن معهم، مناضلون عاديون. وعلينا أن نبذل إزاءهم المستطاع للمحاججة في جوهر الأمور، ولا يعتبرونا مجانين أو يسارويين. يجب أن نتفادى إعطاء مبررات للبيروقراطيين لتفعيل التضامن العاطفي، والعصبوي، عديم الجوهر ضدنا. قد يتوجب أحيانا القيام بمواجهات قوية مع القيادات البيروقراطية، وحتى صدامات، لكن يجب قياس عواقب ذلك من زاوية نظر عزلة المناضلين الكفاحيين.

4) ليست النقابة حزبا. النقابة تحالف أفراد أو بنيات محلية، هدفه الوحيد الدفاع عن المصالح المشتركة. يجب أن نرفض كل شكل من أشكال المركزية في النقابات: حتى عندما تكون النقاشات ديمقراطية، لا تمكن في النقابة مطالبة كافة الأعضاء وكل البنيات بتطبيق القرارات. فذلك أفضل طريقة لتفجير البنيات على قاعدة خلافات ثانوية بالنسبة الى ضرورة الدفاع عن المصالح الطبقية المشتركة. عند اتخاذ قرارات، يظل المناضلون والبنيات أحرارا في أفعالهم إزاء باقي المنظمة.
5) تجمع النقابة أناسا “متقدمين”. تجمع النقابات (الى هذا الحد أو ذاك) ” العمال المتقدمين”، أولئك الذين بلغوا وعي ضرورة التنظيم. لذا نحارب التصور الإصلاحي الذي يعتبر ان على النقابات ان تلتصق بمستوى وعي الجماهير غير المنظمة. يجب ان تقترب النقابات، قدر المستطاع، من مستوى الوعي هذا، لكن ليس دورها أن تكون سلبية، يجب ان تقوم بدور قيادي إزاء الجماهير، باقتراح أساليب تتيح تحركها.

IV- أي توجه ملموس؟

النشاط اليومي.

بفعل اقتناعنا بضرورة الإطار النقابي بذاته نشارك في النشاط اليومي القاعدي. علاوة على أن هذا يتيح لنا كسب شرعية، و ليس ثمة أي داع لترك هذا العمل وهذا الفضاء للإصلاحيين. يجب أن ننجح في البرهنة على أن الثوريين قادرون على حل المشاكل اليومية للعمال. لذا نشارك في المداومات، وفي الأروقة الإعلامية،و في حملات الانتخابية، وفي حملات العرائض، وفي حل المشاكل اليومية ، وفي قراءة الإصلاحات وتحليلها، وكذا في العمل في المؤسسات ( المجالس، مواعيد مع الإدارات…)

2) العمل الطليعي

نحاول ان نكون خطوة إلى أمام، وان نجر قدما مجموع النقابة. يتأتى هذا بسبيلين. الأول هو الإقناع. نحاول الإقناع بمواقفنا بواسطة النقاش، وبكتابة نصوص، الخ. و السبيل الثاني هو الممارسة: نضع توجهنا بصفتنا أفرادا او عندما نقنع بنية، بقصد تقديم حجج بالمثال. لا يمكن هذا في جميع الحالات: يجب ان تفيد هذه الممارسة في الاقتياد على نحو أوسع لا في عزلنا.

3) مناقشة السياسة

عندما نناضل نقابيا، نظل مناضلين سياسيين. لا نمتنع عن مناقشة اقتناعاتنا السياسية، رغم انه يجب الا نقوم بذلك على حساب العمل النقابي: كي نتمكن من كسب مصداقية عندما نقترح توجها نقابيا يجب ان نعرف أحيانا كيف نتستر حول التدخل السياسي، رغم انه يمكن أحيانا، عند تحقيق قدر من الشرعية، اقتراح توجهات نقابية حتى مع كوننا معروفين كمناضلين سياسيين.

——————————————————————————–
مراجع
النقابات في حقبة الانحطاط الامبريالي – ليون تروتسكي
الحركة النقابية والشيوعية – ليون تروتسكي

Print Friendly, PDF & Email