الحريق الذي اندلع في سينما ريفولي ضمن حريق القاهرة في 26 يناير 1952

مصير الهبات الشعبية دون قيادة ثورية؛ نموذج حريق القاهرة يناير 1952

تقديم جريدة المناضل-ة

تدفع الثورة والهزات الاجتماعية العميقة أكثر شرائح المجتمع تخلفا [أشباه البروليتاريا] إلى رفع رأسها والتطلع إلى الانتقام من جهاز الدولة وكل أشكال العسف التي جثمت على أنفاسها لعقود.

تظل هذه الشرائح، لعقود، خارج أي تنظيم سياسي [شرعي أو سري]، لذلك ما أن تقوم حتى يَتَطَبَّعَ قيامها بسماتها السيكولوجية والسوسيولوجية، فتنزع إلى التدمير والتنفيس عن الغضب.

ليس هذا حتمية سياسية، بل رهينا بعدم توفر قيادة ثورية، أو تقاعس هذه الأخيرة عن إعطاء هَبَّتِهَا أفقا سياسيا وشعارات سياسية ملائمة، ويكون الأمر أسوء حين تخون القيادة تطلعات تلك الشرائح.

كل الثورات اعتمد انتصارها البدئي على الهبة العفوية والمدمرة لتلك الشرائح (اللامتسرولون في الثورة الفرنسية 1789، الفلاحين الفقراء في روسيا 1917- 1918، سكان الأعشاش في القاهرة يوم 28 يناير 2011)… لذلك يقع توجيه تلك الانتفاضات ومدها بالشعارات الملائمة لإطلاق طاقتها القتالية وتوجيهها ضد العدو الداخلي، أو الخارجي في حالة الاحتلال الأجنبي، على رأس جدول أعمال التنظيمات الثورية.

حين تغيب القيادة الثورية البروليتارية، يقع الأسوء: استفادة الرجعية من هذه الهبات العفوية العنيفة. ويقدم لنا محمود حسين في كتابه “الصراع الطبقي في مصر من 1945 إلى 1970” الصادر سنة 1971، صورة واضحة عن إحدى هذه الانتفاضات التي انتهت بالهزيمة واستعادة الملكية لقوتها- مؤقتا- لأن الحزب الشيوعي المصري فضل إدانتها واعتماد تكتيك الضغط على حزب الوفد، بدل توجيه تلك الانتفاضة لتدمير جاهز الدولة البرجوازي، واستبداله بجهاز سلطة طبقية بديلة.

========

مقتطف من كتاب محمود حسين؛ الصراع الطبقي في مصر…

أخيرا، في كانون الثاني/ يناير 1952، دخلت الجماهير المدينية المعدمة في الصراع وأخذ البنيان الاجتماعي كله ينذر بالسقوط.

وينبغي علينا هنا أن نتوقف عند حدث أساء فهمه الجميع ومنهم الشيوعيون أنفسهم، ألا وهو حريق القاهرة في 26 كانون الثاني/ يناير. فالواقع أننا هنا أمام حدث رئيسي.

في ذلك اليوم قامت تظاهرة حَشَدَتْ حول “البلك” (+) عمالا وطلابا من جميع النزعات وموظفين من جميع أجهزة الدولة بما فيهم الشرطة والجنود وحتى بعض الضباط الشباب، وتضخمت التظاهرة شيئا فشيئا حتى جمعت مليونا من القاهريين أمام رئاسة مجلس الوزراء.

وحينما بدأ أحد الوزراء الوفديين يخطب فيهم، كانوا في الواقع يحددون كلامه ويوجهونه. وفرض المتظاهرون شعارات قطع العلاقات الديبلوماسية مع الانكليز وعقد معاهدة صداقة مع الاتحاد السوفياتي وتسليح الشعب.

وكان ينضح من التظاهرة وعي إجماعي وطاقة جماهيرية لم يعرف لهما مثيل حتى ذلك اليوم. كان ثمة قوة مقاتلة تنتظر الولادة، تنتظر الشعارات التي تستطيع تحويلها إلى جيش شعبي.

والحال أنه إذا كان الوفد قد بدا عاجزا حينذاك عن الالتقاء مع التطلعات الحقيقية للحركة الشعبية، فإن أيا من الأحزاب السياسية القائمة- والحزب الشيوعي خاصة- لم يكن يملك القدرة المحسوسة على أخذ المبادرة التي كان ينتظرها الجميع: إطلاق الجماهير نحو الأهداف التي كانت تنزع إليها- أي تسليح الشعب وتنظيم المقاومة الوطنية، من القاعدة وعلى نحو مستقل عن الحكومة بحيث يفرض على هذه الأخيرة أن تخضع أو أن تختفي. لذا فإن الأحداث ما لبثت أن خرجت تماما من تحت رقابة الوفد ورقابة الأحزاب الأخرى جميعا.

فالواقع أن التطلعات إلى العمل العنيف المباشر تستطيع التعبير عن نفسها بأساليب مختلفة باختلاف الطبقات التي تحملها، فإذا كان أبناء البروليتاريا والبرجوازية الصغيرة المحتشدين أمام رئاسة مجلس الوزراء صباح السادس والعشرين، قد ظلوا ينتظرون مبادرة قيادية ليبدأوا العمل الجماهيري العنيف ضد المحتل، فإن المراتب المدينية المعدمة قد عَبَّرَتْ عن نفسها مساء ذلك اليوم من كانون الثاني/ يناير، دون انتظار.

فهذه المراتب، كما رأينا، هي أكثر تحسسا من الطبقات الشعبية الأخرى لضرورة المبادرات المباشرة خارج الأطر العادية والشرعية، وخاصة لضرورة المبادرات العنيفة. ولقد كان التوتر السياسي في المدن يهيئها منذ أسابيع عدة للتدخل، وفي نفس الوقت، كان انعدام العمل الشيوعي القادر على إقامة الصلة بينها وبين البروليتاريا الصناعية والمثقفين، يؤبد الانفصام السياسي ما بين الحركتين.

في السادس والعشرين ومن كانون الثاني/ يناير عند الظهر بدأ حريق القاهرة. كانت الجماهير المعدمة تشكل جل القوى التي أشعلت الحرائق وإن كانت مجموعات من العمال ومن البرجوازيين الصغار قد انضمت إليها.

والروايات التي قدمتها المجموعات المنظمة حتى يومنا هذا عن طبيعة الحدث، من الشيوعيين إلى الوفديين، تنطوي جميعا على موضوعة أساسية. قوام هذه الموضوعة أن الجماهير المعدمة تشكل قوة هدامة سلبية وإن هذه القوة، من ناحية أخرى، قد اِسْتُخْدِمَتْ على يد الملك، لإْحْلآلِ الفوضى في صفوف الشعب وإزاحة الوفد وفرض القانون العسكري واستعادة المبادرة في الأحداث التي كانت، حتى ذلك الحين، قد أفلتت من بين يدي الملك.

صحيح أن الملك قد استفاد من هذه التظاهرة. وصحيح أيضا أن عناصر سياسية رجعية مختلفة قد قامت هنا وهناك بدور التوجيه والتضليل أوحى به القصر أو أوحت به اعتبارات حزبية.

لكن العيب الرئيسي في هذه الموضوعة هو أنها لا ترى سوى هذا. عيبها الرئيسي هو أنها لا تبدأ من البداية، أي من الحاجة الموضوعية الثورية لدى الجماهير المدينية المعدمة إلى المشاركة في الحركة الوطنية، في الوقت الذي كانت في هذه الأخيرة تتجاوز الأطر السياسية التقليدية. فالحال أن هذه الجماهير لم تكن تستطيع المشاركة في الحركة المذكورة- إذا أخذنا بعين الاعتبار عزلتها السياسية- إلا وفق الأسلوب والأشكال الناجمة عن وضعها وسماتها الطبقية وعن تقاليدها الخاصة. (++)

هكذا أُشْعِلَتِ النيران في عدد معين من المباني والأمكنة يبدو اختيارها واضح الدلالة: الأندية الليلية، دور السينما الفخمة (ريفولي، مترو، إلخ…) المقاهي الراقية (جروبي)، أي في الأمكنة التي ترمز إلى امتيازات طبقية لا تملك الجماهير منفذا إليها، والتي تشكل، فضلا عن ذلك، تحديا للضمير الوطني، في اليوم التالي لمذبحة “البلك” من ناحية ثانية استهدفت الحرائق مخازن كبرى تملكها البرجوازية اليهودية الكبيرة على وجه الإجمال (سيكرويل، شملا، عادس)- وكانت هذه البادرة موجهة ضد أولئك الذين كانوا لا يخفون جَذَلَهُمْ من جراء هزيمة فلسطين، أخيرا أُحْرِقَ “التورف كلوب” و”الشيفردز” (رمز الترف الاستعماري والثروة) ومعها مصرف باركلي، إلخ…- أي أن الاختيار وقع بعبارة أخرى على المقامات الإمبريالية العليا. وبعد الظهر تكونت تظاهرة كبيرة اتجهت نحو سفارة الاتحاد السوفياتي، إظهارا للعطف.

هنا لا بد من التشديد على واقعة لا مجال للالتباس في شأنها. ذلك أن التيار الرئيسي الذي وجه مجموع المتظاهرين كان صحيحا لأنه انبثق من حاجة أصيلة لدى الجماهير المعدمة وكان متجها، في صوره المختلفة، ضد أعداء الشعب.

وكان لا بد من تكاثر التعديات ومن أن يتخذ الكره الطبقي أحيانا شكل كراهية الأجانب، بله السامية، ومن أن يتحول العنف أحيانا إلى وحشية.

لكن أصحاب العقول المتحجرة ومعهم “الثوريون ذوو الأيدي النظيفة” (ومنهم الشيوعيون) هم وحدهم الذين يستفظعون ذلك. (+++)

هكذا، قَصَّرَ الشيوعيون، في ذلك الحين، عن إدراك المعنى العميق لحريق القاهرة: وهو أن مجموع الطاقة الثورية لدى جميع الطبقات الشعبية كانت قد وصلت يومذاك إلى أوجها، وأنها قد تَعَدَّتْ نهائيا أطر الشرعية (وتعدت الوفد للسبب نفسه) وإن مهمات توحيد الشعب تنظيميا وعسكريا باتت بالتالي مَسُوقٌةٌ، بالضرورة إلى اعتماد شكل الانتفاضة. كان الجيش الشعبي غير الشرعي ينتظر البروز إلى الوجود، بينما كان الشيوعيون يقصرون همهم كله على التفكير في وسائل الضغط على الوفد.

بعبارة واحدة، كان تدخل الجماهير المعدمة يفسح المجال لتخطي الحدود المحسوسة التي ظلت الحركة الجماهيرية في مجموعها، تتطور ضمنها حتى ذلك الحين، أي تخطي الوفد وعزل قيادته المرتبطة بالطبقة المسيطرة وجر الحركة المعادية للإمبريالية إلى خارج الحدود الإصلاحية الوفدية، على طريق تسليح الشعب الفوري. ذلك ما لم تكن الجماهير الوفدية العريضة تستطيع تحقيقه إلا إذا برزت من بين صفوفها قيادة ثورية جديدة.

لماذا استطاع الملك أن يستخدم حريق القاهرة وأن يستعيد الإمساك (لبضعة أشهر) بزمام الوضع؟ ذلك يعود بالتحديد إلى أنه، في اللحظة التي كانت فيها جميع الطبقات الشعبية في البلاد كلها، تبدأ مسيرتها، كانت الحركة الشيوعية عاجزة عن تنسيق عنفها الثوري حول شعاري تسليح الشعب وحرب الشعب، وذلك يعود أيضا إلى أن عنف الجماهير المعدمة، وهو ضرورة مطلقة لحل مشاكل الثورة، لم يكن قد دُمِجَ في السياق الثوري العام.

ليست التعديات التي حصلت في تظاهرة مساء السبت إذن، هي التي استجلبت القمع وحطمت لبضعة أشهر، انطلاقة الشعب. بل إن ذلك يعود أساسا إلى أن تدخل الجماهير المعدمة في الصراع، تم بمعزل عن تدخل الطبقات الشعبية الأخرى فيه، وأن أشكال عنف هذه الجماهير، عوض أن تحرك مبادرة الطبقات الأخرى، قد أخذتها على حين غرة، وأفقدت جميع الملاكين صوابهم في الوقت نفسه. ذاك هو تَظَافُرُ الظروف الذي أتاح للملك أن يعود فيمسك بزمام المبادرة في الأحداث.

لكن الملك لم يَحُلَّ- ولم يكن يستطيع أن يَحُلَّ- أية مشكلة. لذلك فإن استيلاءه على جميع السلطات بدا مثارا للهزء. فالسلطات التي لا فعالية لها تخسر استحقاقها لاسمها.

وفي غياب الجيش الشعبي القادر على إقامة سلطة أخرى، كان ثمة قوتان سياسيتان منظمتان تستطيعان التطلع إلى انتزاع السلطة القائمة من الملك ومحاولة إعطائها فعالية جديدة: عَنَيْنَا الإخوان المسلمين والضباط الأحرار.

——

(+)- “البلك”: كان “البلك نظام” فرقة من الشرطة المساعدة. وكانت قواهم الرئيسية تجند من صفوف أكثر الفئات فقرا، وفي تلك الفترة- أي في ظل الانطلاقة الوطنية وتفكك السلطة- كانوا متضامنين مع الحركة الشعبية. وعلى إثر عملية قامت بها قوة شعبية مسلحة ضد الثكنة الإنكليزية في التل الكبير، قرر القائد البريطاني الأعلى، في كانون الثاني/ يناير، بعد إنذار قصير المدة، أن يجرد البلك نظام من سلاحهم بقوة المدرعات. وفقد هؤلاء أكثر من خمسين رجلا قبل أن يستسلموا، بعد مقاومة بطولية. وكانت تظاهرة السادس والعشرين، في منطلقها احتجاجا على هذه المجزرة.

(++)- انظر متقطف من نفس الكتاب حول هذه الشرائح: البروليتاريا والجماهير ذات الوضع البروليتاري [https://www.almounadila.info/archives/8386].

(+++)- الشيوعيون المصريون مستعدون “للعفو” عن التعديات التي قام بها “البلا سراويل” [اللامتسرولون] الفرنسيون أو الفلاحون المتمردون في هونان- لكنهم يرفضون العفو عن الجماهير المصرية المعدمة.

*******************

محمود حسين اسم مستعار اختاره الكاتبان المصريان عادل رفعت وبهجت النادي ليتم نشر إنتاجهما الفكري تحته، ولد عادل رفعت عام 1938 في الأسكندرية بينما ولد بهجت النادي عام 1936 في مركز فارسكور في محافظة دمياط.

Print Friendly, PDF & Email