أمريكا اللاتينية: التعبئات الشعبية مستمرة ضد أنظمة الفساد والاستبداد وضد النيوليبرالية

تشهد العديد من دول أمريكا الجنوبية في السنوات الأخيرة احتجاجات عارمة، بشكل متزامن، وعلى نحو متواصل، ضد أنظمة استبدادية فاسدة، تتخذ تدابير تقشفية ليبرالية، في مختلف المجالات، تنفيذا لوصفات المؤسسات المالية الدولية المانحة للقروض، مما أغرق الطبقات الفقيرة في هذه البلدان في ضنك من العيش. ولم تتوانى في تنفيذ مجازر في حق الشعوب المنتفضة. عمت هذه الاحتجاجات كل من كولومبيا الإكوادور وبوليفيا وتشيلي وفنزويلا وهايتي وهندوراس...

الإكوادور، التعبئة الشعبية تنتصر بعصيان مدني

في 3 من أكتوبر 2019 عرفت الإكوادور احتجاجات عنيفة، ردا على قرارات اقتصادية اتخذها الرئيس لينين مورينو، متراجعا عن السياسات التي اتبعها سلفه رفاييل كوريا، تضمنت إجراءات تقشفية، في إطار حزمة من الإصلاحات الاقتصادية كإجراء يقتضيها قرض بقيمة أربع مليار و200 مليون دولار من صندوق النقد الدولي، كإلغاء دعم الوقود من أجل خفض العجز في الموازنة فتضاعفت أسعاره. توسعت رقعة الاحتجاجات وتسارعت وثيرتها بتوافد الآلاف من السكان الأصليين من كافة أرجاء البلاد إلى العاصمة كيتو، واقتحموا البرلمان مطالبين برحيل الرئيس مورينو عن السلطة.

اتخذت السلطات عدة إجراءات لتطويق موجة الاحتجاج، فأعلنت حالة الطوارئ وحظر التجوال ونقلت مقر الحكومة من العاصمة كيتو إلى مدينة جواياكيل (العاصمة المالية)، كما تعاملت قواتها القمعية بعنف اتجاه المتظاهرين، وأطلقت الشرطة الغاز المسيل للدموع على المحتجين الذين احتشدوا عند مبنى البرلمان، غطت أدخنته سماء المدينة، مما أسفر عن مقتل 6 أشخاص وأزيد من 1330 معتقل.

 رد المحتجون بإغلاق طرق مرتفعات الأنديز إلى سواحل المحيط الهادي بالحجارة والإطارات وفروع الأشجار المشتعلة، وأصيب المدخل الشمالي للعاصمة بالشلل، وبإغلاق الطرق المؤدية إلى آبار النفط في بعض أنحاء البلاد، مما قلص الإنتاج، فالإكوادور تعد من الدول المصدرة للبترول وعضوا في منظمة الأوبك، فأعلنت شركة “بتروأمازوناس” المملوكة للدولة وقف العمليات في ثلاثة من حقولها، وتحولت الاحتجاجات إلى عصيان مدني.

أرغمت الاحتجاجات الرئيس مورينيو على العودة إلى العاصمة كيتو في 13 أكتوبر، وجلوسه على طاولة التفاوض مع المحتجين، وانتهت الاحتجاجات بتراجعه عن الإجراءات الاقتصادية التي أقرها، والتي كانت سببًا في اندلاع الاحتجاجات ومن ضمنها قرار إلغاء دعم الوقود.

الشيلي احتجاجا ضد 30 سنة من السياسات النيوليبرالية: ” ليس 30 بيزو، إنها 30 سنة “

شهت الشيلي احتجاجات واسعة، إذ تدفق آلاف الشيليين/ات عبر الشوارع منذ يوم 18 أكتوبر 2019، محتجين على التفاوتات الاجتماعية التي تعيشها الشيلي. فإذا كانت زيادة تسعيرة قطار الميترو ب 30 بيزو في أوقات الذروة قد شكلت السبب المفجر للوضع، فإن أسبابها أعمق من ذلك، فالشيليون أغضبتهم سياسات نيوليبرالية عمرت ثلاثين سنة ودمرت حق الشعب الشيلي في مجال التعليم، والصحة والتقاعد وغيرها من المجالات، فرغم انتهاء عهد بينوشيه لازالت الحكومة الشيلية تشتغل بدستور ورثته عن حقبته الديكتاتورية، مما أيقظ لدى الشعب الرغبة في التغيير.

حافظت الحكومات التي تلت فترة ديكتاتورية بينوشيه العسكرية على دستوره وجوهر سياسته الاقتصادية، فأخضعت البلد لتوجيهات صندوق النقد الدولي ولشروطه القاسية مقابل ديون، وتم خوصصة كل الخدمات الاجتماعية من صحة وتعليم وسكن وضمان اجتماعي ونقل وكهرباء وماء وغيرها، فتحولت إلى سلع وأخضعت لمنطق السوق، ودمرت اتفاقيات التبادل الحر مؤسساته الاقتصادية المحلية، فانتشرت البطالة، وتعمقت التفاوتات الاجتماعية بين فئاته، وتغلغل الفساد وكل أشكال التعسف والرشوة في جهاز الدولة، وهو الوضع الموروث عن حقبة بينوشيه والذي يناضل العمال والطلاب والنساء والمتقاعدون والشعوب الأصلية منذ سنوات لتغييره،ولم تفلح الحكومات “المنتخبة ديمقراطيا” في تجاوزه، فتوسعت الهوة بين الشعب والأحزاب السياسية التي قادت الانتقال بعد تلك الحقبة المظلمة، فأصبح الوضع قابلا للانفجار في أية لحظة.

لم تكد تمر ثلاثة أيام على قرار حكومة سيباستيان پينيرا رفع سعر تذكرة القطار بالعاصمة سنتياغو بإضافة 30 بيزو في أوقات الذروة، حتى احتشد الطلاب وتلاميذ الثانوي يوم 7 أكتوبر 2019 واستقلوا القطارات دون اقتناء تذاكر الركوب تمردا على هذا القرار، مما فجر بارود الاستياء الشعبي من ثلاثين سنة من السياسات النيوليبرالية، فاتخذ شعار” نغش، ولا ندفع ثمنَ تذكرة الركوب، طريقة أخرى للنضال” طابعا شعبيا، إذ توسعت تعبئة ركوب وسائل النقل دون دفع ثمن التذكرة بشكل كثيف.

ردت الحكومة اليمينية يوم 18 أكتوبر على التمردات الشعبية التي أدت إلى إحراق محطات الميترو والمتاجر الكبرى بإعلان حالة الطوارئ حظر التجوال، فتعاظم الاستياء الشعبي ورفض الانصياع لإجراءات الحكومة وعمت الحركة البلد وشلت مدينة سانتياغو، فقامت الحكومة بإنزال الجيش إلى الشوارع، لأول مرة منذ انتهاء عهد الجنرال بينوشيه الديكتاتوري، واستعملت الرصاص الحي فسقط عشرات القتلى، وآلاف الجرحى إلى جانب أكثر من 3100 من المعتقلين والعديد من المختطفين وآخرون تم تعذيبهم. لكن هذه الإجراءات لم تثني الشعب الشيلي عن مواصلة المطالبة بالحرية والتغيير، فتعاظم منسوب الاستياء الشعبي وارتفع مستوى التعبئة بعد الإضراب العام يومي 23 و24 أكتوبر ويوم 12 نونبر.

 ناور الرئيس پينيرا بإقالة عددا من أعضاء حكومته، بل طلب يوم 25 أكتوبر من الحكومة تقديم استقالتها بعد احتشاد مليون و200 ألف شخص في ميدان إيطالية بالعاصمة، وتعهد بزيادة المعاش الأساسي الشامل حوالي 20 ٪، وتجميد الرسوم على الكهرباء واقتراح قانون يتيح للحكومة تحمل تكاليف العلاج الطبي باهظ الثمن. كما اتفقت الأحزاب على تنظيم استفتاء في عام 2020 لتغيير الدستور، ولا زال الاستعداد النضالي مستمرا من أجل تغيير الوضع.

هايتي مظاهرات من أجل استقالة الرئيس جوفينيل موس

منذ 7 يوليوز 2018 شهدت هايتي احتجاجات شعبية شملت جميع أنحاء البلاد، ضد ارتفاع أسعار الوقود واستشراء الفساد، وتطورت مع مرور الوقت إلى المطالبة باستقالة رئيس هايتي جوفينيل مويس بسبب تورطه في الفساد، فالرئيس الهايتي جوفونيل مويس متهم في نونبر 2017 بالضلوع في قضية فساد في الفترة بين عامي 20082016 بـ 4 مليارات دولار، واختلاس أموال من برنامج “بتروكاريبي” النفطي (تحالف نفطي كاريبي مع فنزويلا مند 2005 يمنح للأعضاء معاملة تفضيلية لشراء الطاقة بسعر مخفض مع شروط منخفضة الفائدة ومؤجلة الأداء) الذي حصلت هايتي بموجبه على واردات نفط فنزويلية رخيصة. اجتاح الغضب الناجم عن اتهامات الرئيس في فضيحة القروض الفنزويلية وسائل التواصل الاجتماعي، وخاصة أنه منذ توليه السلطة في فبراير 2017 يواجه حركة معارضة ترفض الاعتراف بفوزه في انتخابات تم التشكيك بنتائجها.

أوقفت فنزويلا شحن النفط إلى هايتي منذ مارس 2018 ، فنتج عن ذلك نقص الوقود في البلاد، ومع إزالة الدعم الحكومي عنه في يوليوز من نفس العام، ارتفعت أسعار كل أنواع الوقود بأكثر من 50 في المائة، ودفعت الضريبة على أنواعه التي دخلت حيز التنفيذ مند 7 يوليو 2018 المواطنين في هايتي إلى الاحتشاد في الشوارع، فيما تم إلغاء الرحلات الجوية من والى هايتي من قبل شركات الطيران الأمريكية، فتراجعت الحكومة على الزيادات الضريبية، وقبل الرئيس استقالة رئيس الوزراء جاك جاي لافونتانت في 14 يوليو 2018.

تصاعدت وثيرة الاحتجاجات خلال 2019، فشهدت هايتي موجات جديدة من الاحتجاجات أكثر تجدرا طيلة السنة، انطلقت مند فبراير الماضي، وتجددت مند 9 يوليوز 2019 بسبب الانكماش الاقتصادي، فهايتي تعد الدولة الأكثر فقرا في أمريكا الجنوبية، تعتمد على المساعدات الخارجية إلى حد كبير، ويجد سكانها صعوبة في الحصول على الغذاء والماء النظيف، والوقود، وتنتشر فيها الكوليرا بشكل كبير، وتعاني من معدلات عالية من الفساد والجريمة.

أطلقت الشرطة الرصاص الحي على المتظاهرين مما أدى إلى وفاة أزيد من 42 شخصا وإصابة آخرون بجروح إلى جانب عشرات المعتقلين. لم تمنع الإجراءات القمعية الشعب الهايتي من مواصلة الاحتجاج، فموجة جديدة من الاحتجاجات انطلقت في 16 شتنبر 2019، بمشاركة كبيرة من الفقراء في العاصمة بور أو برانس بشكل خاص، قطعوا الطرق الرئيسية في جميع أنحاء العاصمة الهايتية، شارك في تلك الاحتجاجات الأحزاب السياسية المعارضة ومنظمات المجتمع المدني والفنانون والزعماء الدينيون، وشهدت سلب وحرق عشرات المركبات الخاصة والمباني العامة وأماكن العمل، مطالبة برحيل الرئيس جوفانيل مويس.

هندوراس.. فساد شقيق الرئيس يشعل الاحتجاج

اندلعت مظاهرات صاخبة في هندوراس، بعدما أدانت المحكمة في مدينة مانهاتن الأمريكية خوان أنطونيو توني هيرنانديز، شقيق الرئيس الهندوراسي أورلاندو هيرنانديز، المعتقل في مدينة ميامي الأمريكية مند عام 2018 بتهمة تهريب المخدرات وحيازة أسلحة بشكل غير قانوني، بعد محاكمة استمرت أسبوعين وفضحت تورط الرئيس نفسه في الفساد، بتلقيه رشاوي بملايين الدولارات من مهربي مخدرات دوليين.

 بوليفيا احتجاجات عنيفة يقودها اليمين ضد الرئيس المنتخب 

منذ20 أكتوبر 2019بعد الإعلان عن نتائج الانتخابات الرئاسية في بوليفيا، التي أسفرت عن فوز إيفو موراليس للمرة الثالثة على التوالي، اندلعت مظاهرات حاشدة على خلفية مزاعم بتزوير الانتخابات، فدخلت البلاد في وأزمة سياسية غير مسبوقة، وتحولت المظاهرات إلى أعمال عنف وسلب، انضمت إليها الشرطة، وأسفرت عن مقتل عدة أشخاص بعدد من المناطق، وطالبت المعارضة بإعادة الانتخابات من جديد.

ينتمي إيفو موراليس للسكان الأصليين ببوليفيا وصل إلى الحكم سنة 2006، على رأس الحركة صوب الاشتراكية، طيلة 13 عاما من حكمه طبق إصلاحات كانت في صالح الفقراء والسكان الأصليين والأقليات بالبلد، وتضررت منها النخبة الاقتصادية والدينية، حقق تنمية اقتصادية، ساهمت في تقليص الفقر وتوزيع المداخيل، وزاد نتاجها الداخلي أربع مرات، وقلصت الفقر الحاد من نسبة 35.2% إلى 15.2%، فأصبح اقتصاد بوليفيا الأسرع نموا بالمنطقة.

أثارت إصلاحات موراليس الاقتصادية والاجتماعية والسياسية نقمة اليمين، وخاصة الملاكين العقاريين ومقاولو التعدين الذين فقدوا امتيازاتهم، فشمروا عن سواعدهم لإنهاء حكمه، مستنجدين بالشرطة والجيش. بدأت شعبية موراليس في التراجع مند 2014 لحظة انهيار أسعار المواد النفطية المصدر الوحيد لتمويل ما اتخذه من برامج اجتماعية، وتعمق هذا المنحى التراجعي لشعبية الرئيس سنة 2016 بعد تنظيم موراليس لاستفتاء على تعديل الدستور ليتمكن من الترشح لولاية ثالثة وهو ما لم يحترم نتيجته.

 كان نقص التنظيم في الانتخابات الأخيرة وما شابها من خروقات التغرة التي نفذ منها سخط اليمين مطالبا بإنهاء حكم موراليس، فاقترح هذا الأخير تشكيل لجنة دولية لإعادة فرز أصوات الناخبين، وقبل تحت الضغط ماقترحته منظمة الدول الأمريكية، تنظيم انتخابات جديدة، وهو ما رفضه منافسه اليميني الكلاسيكي “كارلوس ميسا” وأنصاره متمسكين باستقالة جميع الممثلين المنتخبين للحركة من أجل الاشتراكية، فأجبر في الأخير على تقديم استقالته يوم 10 نونبر، نتيجة ارتفاع أعمال العنف ضد مؤيديه وحتى أقاربه وضد السكان الأصليين وأحرقت العديد من المؤسسات الرسمية، واستطاع معارضوه إقناع العسكر والشرطة للانضمام إلى الانقلاب مما حسم النتيجة لصالح اليمين فتمت الإطاحة بنظام موراليس بانقلاب عسكري.

كولومبيا مظاهرات واسعة ضد السياسات المتبعة وضد الفساد

بدأت الاحتجاجات في العاصمة بوغوتا لتشمل جميع أنحاء كولومبيا منذ 21 نونبر2019، احتجاجا على الإصلاحات الاقتصادية التي قام بها الرئيس إيفان دوكي، لإصلاح العمل ومعاشات التقاعد، واحتجاجا على نقص التمويل اللازم للتعليم، وضد اغتيال المئات من قادة المجتمعات المحلية على أيدي الجماعات المسلحة، وتقاعس الحكومة عن التصدي للفساد وتهريب المخدرات ومقتل نشطاء مدافعين عن حقوق الإنسان، وتحسين أوضاع العمال، واحترام اتفاق السلام الموقع سنة 2016 مع التنظيم المسلح “فارك”(القوات المسلحة الثورية الكولومبية)، والذي يعتبره الرئيس الكولومبي اتفاقا متساهلا، إلى جانب المطالبة بتفكيك شرطة مكافحة الشغب بعد قتلها لمتظاهرين.

شهدت البلاد إضرابا عاما، بمشاركة النقابات العمالية في المدن المختلفة، والتنظيمات الطلابية، ومئات منظمات المجتمع المدني، وتحدى مئات آلاف من الأشخاص حظر التجوال وتجمعوا في أحياء عدة لتنظيم حملات “قرع الطناجر” خصوصا أمام مقر إقامة الرئيس الكولومبي.

تدخلت السلطات الكولومبية بعنف لقمع المحتجين، واتخذت إجراءات قمعية غير مسبوقة ففرضت حظر التجوال ليلا خاصة في العاصمة بوجوتا، وتم استخدام الغاز المسيل للدموع وحتى الرصاص، مما أدى إلى سقوط قتلى. رد المحتجون بالهجوم على مراكز للشرطة في المدينة، فتحولت الاحتجاجات إلى أعمال عنف ونهب وتخريب، مع رفض الرئيس إيفان دوكي إجراء محادثات حصريا بين الحكومة ولجنة المحتجين، التي تضم نقابات عمالية وجماعات المجتمع المدني، مصرا على إشراك باقي الأطراف الاقتصادية والسياسية.

أرغمت الاحتجاجات المستمرة الرئيس الكولومبي إيفان دوكي على اقتراح إجراء تغييرات بمجلس الوزراء، في محاولة لاستعادة زمام الأمور بعد أيام من الاضطرابات، ووافقت حكومته على إجراء مفاوضات مع أعضاء لجنة الإضراب الوطنية.

                                                                                                             بقلم، سامي علام

Print Friendly, PDF & Email