تقييمُ دوْرة نضالات مُتواز مع التّطور السيّاسي بالبلد

يشير تعدد الانتفاضات الشعبية ضد الديكتاتوريات والسياسات النيوليبرالية إلى أن طورا جديدا من تنامي كفاحية ضحايا الرأسمالية قد بدأ. ولمنطقتنا [الشرق الأوسط وشمال أفريقيا] قسطها من التحولات النضالية الجارية. ويتجلى استفادة جماهير المنطقة المتحركة مؤخرا (السودان والجزائر) من دروس الموجة الأولى، قبل صعود الثورة المضادة. بيد أن الميزة الرئيسية، نقطة الضعف الهيكلية، تظل في غياب أدوات نضالية طبقية مسلحة برنامجيا، وذات انغراس يؤهلها لتستجيب لحاجات الجماهير الكادحة التنظيمية والبرنامجية، ما يجعل الانتفاضات تظل لحد الساعة ثورات بلا بوصلة. وبالطبع من أولى مهام اللحظة الفهم الثاقب لمميزات الوضع، أي للتناقضات الطبقية في تحولاتها، ولسياسات العدو الطبقي، وخصوصيات الحركة الجماهيرية ومكانة الطبقة العاملة منها. يسعى النص التالي إلى الاحاطة بالوضع المغربي كما تشكل في السنوات الأخيرة.

أنهى حكم الملك محمد السادس عامه العشرين، عقدين أكدا مقدرة الملكية على تدبير وضع اجتماعي/سياسي كان الحسن الثاني قد نعته بالمهدد بالسكتة القلبية. هذا التدبير ناتج عن عوامل متداخلة: ضعف الخصم بالدرجة الأولى، حيث الحركة العمالية والشعبية ضعيفة البنيان والخبرة، وثانيها الدعم المستمر من قبل الإمبريالية (اتحاد أوربي- لاسيما فرنسا من جهة، والأمريكية من جهة ثانية) ورجعيات الشرق العربي، لاسيما مجلس الخليج. أمنت الملكية انتقال العرش باستعمال المعارضة التاريخية، وإزاحتها فور تأكد انتفاء الحاجة إليها.
لم يكن القصد مجرد تأمين انتقال حكم، بل مواصلة الهجوم النيوليبرالي. وقد جرى هذا دون مصاعب كبرى. فتعرضت أوضاع الشغيلة لدرجة متقدمة من إضفاء هشاشة العمل في القطاع الخاص، واستمر تضخم القطاع غير المهيكل الذي بات مصدر عيش قسم متعاظم من السكان. وواصل معدل البطالة الكبير تأثيره المدمر على مقدرة طبقة الشغيلة النضالية. وتقدم التطبيق الصارم لخطة تدمير الخدمات العامة، خدمة للرأسمال الخاص، وبلغ مستوى مهولا في قطاعي التعليم والصحة. حيث لم تفلح المقاومات الشعبية سوى في إبطاء التنفيذ لا وقفه، خاصة مع تعاون البيروقراطيات النقابية مع النظام.
تنامت المقاومة الشعبية للسياسات النيوليبرالية المدمرة اجتماعيا، مستلهمة طرائق نضال حركة الشباب المعطلين [الجمعية الوطنية، ثم مكونات أخرى لاحقا]. وقد تميزت هذه المقاومة الشعبية بتطورها في المناطق القروية وشبه الحضرية المهملة، ومنها مدن صغيرة [طاطا، ايفني]، فيما بقيت مناطق الزراعة المسقية والمدن الكبيرة بمنأى عن موجة الاحتجاج، ما خلا مع دينامية 2011-2012، وبزوغ حركة 20 فبراير. وكان المطلب الاجتماعي [تعليم، صحة، شغل، بنية تحتية…] محرك النضالات الرئيسي، لكن دون تقدم صوب مطالب سياسية دقيقة. ولم يكن للمطلب اللغوي-الثقافي سوى دور ثانوي رغم تطابق خريطتي الاحتجاج والنطق بالأمازيغية. الحركة الأمازيغية حركة نخبة مدينية، لكنها ذات امتداد قروي عبر الطلاب، وهم مكونها الرئيس. لكن معاداة المنظور الطبقي أبعد الحركة عن دور فعال في النضال الاجتماعي. كما أن قصور الحركة السياسي أسهم في نجاح خطة الملكية بمرونتها المستجدة وبتنازلاتها الشكلية في مجال المطالب اللغوية ودمج النخبة الأمازيغية.
كما يدل انتشار الاحتجاج على محدودية إبطال “العمل التنموي” بالجمعيات التي تتحكم فيها الدولة وتوجهها، رغم الدفعة التي مثلها ما يسمى “المبادرة الوطنية للتنمية البشرية”.
ومع انتشار النضالات الشعبية بالمجال المذكور، ظلت دون مقدرة على التهيكل وطنيا، ما عدا حركة تنسيقيات النضال ضد الغلاء 2006-2007 التي كان لتقاليد بعض اليسار السلبية دور في إجهاضها. ولا شك أن موقف منظمات الطبقة العاملة النقابية من النضالات الشعبية أسهم في بقاء هذه محلية غير منسقة. فقد قصدت القيادات النقابية النأي عنها، فيما لا وجود ليسار نقابي يدفع في اتجاه تضافر الكفاحين العمالي والشعبي. والأمر عينه فيما يخص انعدام حامل سياسي على صعيد وطني، بفعل موقف أحزاب يسار الحركة الوطنية، وقصور اليسار الجذري عن إتيان بديل. لم يقتصر اليسار البرجوازي (المسمى تاريخيا بالوطني الديمقراطي) على الامتناع عن دور فاعل بل عمل في اتجاه الكبح. وتدريجيا تضاءل دور حركة المعطلين، لا سيما مع ضمور الجمعية الوطنية بعد إلغاء التوظيف في السلاليم الدنيا، والتغير الشامل الذي طال الوظيفة العمومية برمتها وعجز الجمعية الوطنية عن جواب برنامجي وتنظيمي مناسب، فضلا عن الدور المدمر لمعظم ما تبقى من قوى طلابية. وظل مكون الأطر المعطلة مركزا نشاطه النضالي في العاصمة بعيدا عن بؤر الاحتجاج الشعبي في المناطق المهملة.
نقص تراكم التجارب والبنيات التنظيمية يبقي إمكان انطلاق ديناميات شعبية ببعض المناطق معاقا بفعل ما يحافظ عليه نسيج جمعيات التنمية بالعالمين القروي والحضري من مقدرة معينة على شل اندفاع الكادحين إلى النضال، ومع أنها مقدرة سريعة التراجع عند صعود حراك شعبي، كما دل الريف وجرادة، وما سبقهما، فلا تصح الاستهانة بها، لاسيما مع ما أكدت التجربة من ميل النظام إلى تقديم تنازلات في اللحظات الحرجة.
على صعيد عمالي، دفع تدهور الوضع المعيشي، والاجتماعي إجمالا، أقساما من الطبقة العاملة المنظمة إلى النضال، لكن ضمن الحدود التي تحرص القيادات المتعاونة مع الدولة على حصر النضال فيها. ونتج عن تعارض مصلحة قاعدة بعض القطاعات (الوظيفة العمومية، كالتعليم والبلديات…) ظهور تعبيرات معارضة أدى بعضها إلى انشقاقات [نقابة التعليم المستقلة والهيئة فيما تلاشى بعض آخر كالحركة الرافضة بقطاع البلديات]. وإن كانت الكونفدرالية الديمقراطية للشغل قد مثلت طيلة عقدين طليعة النضال النقابي بحكم طبيعتها السياسية [ارتباط باليسار الوطني الإصلاحي]، فقد تراجع هذا الدور مع اهتلاك ذلك اليسار في لعبة “التناوب التوافقي”. وتأزمت هذه النقابة وتشظت، وباتت بلا بوصلة، ما جعلها تعمق سيرورتي التبقرط والتعاون مع أرباب العمل ودولتهم.
أما الاتحاد المغربي للشغل، فقد واصل خط المحجوب بن الصديق سياسة التعاون مع النظام وتفكيك المقاومة العمالية. وشهد انتعاشا تنظيميا ببعض القطاعات، لا سيما التعليم والبلديات، مستفيدا من أزمة الكونفدرالية. وتظل المصالح المادية الضخمة واستشراء الفساد في الفئة البيروقراطية آلية النظام الأساسية للتحكم في هذا الجهاز ومعه لجم قسم من مقدرة العمال على الكفاح. وبعد نصف قرن من سيطرة المحجوب التي لا تتزعزع، تمكن خلفاؤه البيروقراطيون من تدبير الانتقال بدعم ثمين من نقابيي حزب النهج الديمقراطي المحكومين بحسابات ضيقة الأفق وضالة.
إجمالا ظلت كفاحية الطبقة العاملة في طور ابتدائي، يخنقها التحكم البيروقراطي، ونادرا ما ظهرت أشكال تنظيم متحدية للبيروقراطيات [تنسيق عمال سكك الحديد في إضراب الشهر في 1995 كمثال نادر]. ولا ريب أن تصاعد الهجوم البرجوازي في ظل تراكم الهزائم الجزئية وفر له حظوظ نجاح كبيرة، ما يؤكد أن اشتداد تدهور الوضع الاجتماعي لا ينمي حتما كفاحية الكادحين.
ومن جانب آخر، بقي عمال المغرب في مستوى تخلف سياسي بالغ، في ذيل أحزاب برجوازية وبيروقراطية شديدة الارتباط بالنظام. وحتى مستوى التسيس الذي كان يتيحه مشروع الكونفدرالية السياسي تراجع مع اندحار الاتحاد الاشتراكي. لذا نحن إزاء انعدام أدنى درجات حس الهوية الطبقية لدى الشغيلة: الهويات الإسلامية والثقافية/ والوطنية الموروثة عن حقبة النضال ضد الاستعمار تعمق المشكل.
كما تُحكم الحركة الرجعية الدينية- الإسلامية- هيمنتها على قسم من طبقة الأجراء، وجد له انعكاسا على صعيد نقابي في تنامي تأثير نقابة الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، المنتعشة من أزمة باقي مكونات الحركة النقابية، لاسيما وسط الشغيلة الذهنيين كالتعليم. وبوجه عام لدى النظام احتياطي من القوى الدينية سهل الاستعمال سياسيا عند الحاجة، كما دلت حملة دفاعه عن النفس بوجه 20 فبراير وتمرير دستور 2011. ويبدو أنه يحتفظ بهذه العجلة لساعة اشتداد الخناق عليه.
تأثير السيرورة الثورية بالمنطقة: عودة التأثير الحفاز
بعد سقوط بنعلي ومبارك، اهتزت قاعدة المجتمع المغربي، حيث تحفز النضال الشعبي والعمالي، وظهر تعبير سياسي متمثل في حركة 20 فبراير ذات المطالب الإصلاحية. تمكن النظام من ضبط الوضع بتنازلات نوعية، وبتفادي قمع دموي قد يدفع الحراك أبعد كثيرا من مطالبه الأولية. فالتململ العمالي تم احتواؤه بتلبية قسم من مطالبه، وكذا فيما يخص حركة الأطر المعطلين. وشعبيا تساهلت الدولة مع باعة الشارع، ومع بناء السكن بلا ترخيص في مناطق عديدة، كي لا يتلاقى الاحتجاج الشعبي مع المكون السياسي للسيرورة النضالية المتمثل في حركة 20 فبراير. كما التف النظام على مطالب 20 فبراير السياسية، بتغيير الدستور والمؤسسات، بإتاحة تولي حزب العدالة والتنمية الإسلامي حكومة الواجهة، وأبطل مفعول وممكنات الحركة الأمازيغية بالتلبية الشكلية لمطلب ترسيم اللغة الأمازيغية.
أبانت تجربة 20 فبراير قصور اليسار الإصلاحي، ومدى ضعف اليسار الجذري، وفي الآن ذاته كون جماعة العدل والإحسان الرجعية القوة التنظيمية الأقدر على توجيه وتأطير الجماهير،
ومع تصاعد الثورة المضادة في المنطقة، وانقلاب الوضع ببعض الأقطار إلى حرب أهلية وفوضى، تعاظم أثر السيرورة الكابح. ما استعمله النظام لابتزاز حركات المطالب الشعبية، ووجدت فيه بيروقراطية النقابات مبررا لامتناعها عن الانخراط في النضالات الشعبية وعن حفز الكفاح العمالي ذاته. بيد أن انبعاث السيرورة الثورية بالسودان وتفجرها غير المسبوق بالجزائر، ومجمل الديناميات النضالية المنبثقة بالعالم في العام 2019، ستعزز ولا شك جنوح الجماهير الشعبية إلى الفعل النضالي، ولا ينقص سوى فتيل التفجير.
انبعث النضال الجماهيري الشعبي في بعض المناطق المهملة، في مدن كبرى أحيانا، مثل مراكش في 2012 وطنجة في 2015، ثم لاحقا حراكي الريف وجرادة، ليصطدم بقصوره البنيوي المتمثل في طابعه المحلي وبدائية أشكال تنظيمه. فسهولة التعبئة بالوسائل التكنولوجية الحديثة خلقت وهم انعدام الحاجة إلى أشكال تنظيم ميدانية، وهذا ما دفع الحراك الشعبي ثمنه غاليا فور انطلاق حملة القمع.
ويتطلب التحول الديمغرافي المتمثل في تحول سكان المدن إلى أكثرية، مع ما يوازيه من تحول هيكلي مطبوع بغلبة القطاع اللا شكلي، الانتباه إلى تأثير الأمر على الحركة النضالية، لاسيما أن هذا القسم من الاقتصاد تربة ملائمة للإسلام السياسي.
أكد حراكا الريف وجرادة، الذين مثلا خطوة إلى أمام قياسا بخصائص الحراكات السابقة [دقة أكثر في بلورة المطالب، وأشكال تعبئة ميدانية متطورة..]، خوف اليسار الليبرالي من النضال الشعبي. فقد بقي موقفه ضمن إسداء النصح للنظام لتنفيس الاحتقان، بإطلاق المعتقلين، وتلبية المطالب ضمن الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية القائمة. هذا فيما ناصب حزب العدالة والتنمية العداء للحراكين، مواصلا الأدوار الموكولة له في حكومة الواجهة وغيرها من مؤسسات الديمقراطية الزائفة. وواصلت جماعة العدل والإحسان تكتيك الانتظار، المحكوم بنزعة محافظة تخشى التفريط بالمكاسب التنظيمية. وتنامى النفور من الأحزاب السياسية ليبلغ ذروة في حراك الريف، معبرا عن تآكل الرصيد التاريخي لأحزاب الحركة الوطنية وعدم بروز أي تعبير سياسي بديل.
وتظل إحدى الأوجه البارزة لضعف دينامية النضال الاجتماعي متمثلة في انقراض أشكال التعبير الطلابي التي استمرت حتى مطلع التسعينات، وتفكك، وحتى تفسخ، اليسار الطلابي، في عز تصاعد الهجوم النيوليبرالي على الجامعة. وباتت احتجاجات الطلاب تتنامى معزولة في أشكال مستقلة، محض أكاديمية، بلا مضمون سياسي [طلاب المعاهد العليا، ومدارس مهندسين، وبعض الكليات…]، مع دور ملحوظ لجماعة العدل والإحسان.
وعسى أن يكون نهوض التلاميذ ضد توقيت الدراسة في 2019 مقدمات عودة الشببيبة المتعلمة إلى حلبة النضال بقوة.
وقد برز محليا، واتضح باطراد مع توالي النضالات، ذلك النفور الشعبي من القوى السياسية الذي يميز تمرادات القرن 21، إذ فقد اليسار التاريخي كل مصداقية بأنظار الكادحين، وتجسد في أقوى لحظاته لحد الآن عبر وصف “الدكاكين السياسية” التي انتشر إبان حراك الريف. والمصيبة أن فقد المصداقية هذا يطال المنظمات النقابية، لارتباطها بتلك الأحزاب ولمسايرتها للهجوم النيوليبرالي بانزلاق مستمر إلى تعميق نقابة الشراكة الاجتماعية مع الرأسمال ودولته.
اليسار الجذري
بعد أكثر من 20 سنة من إعادة تشكل بقايا اليسار “الماركسي اللينيني” ضمن ما سمي “التجميع”، لم يبق منه بلون جذري غير النهج الديمقراطي، إلى جانب تردي المجموعات الطلابية القاعدية، وبقاء المجموعات الثورية الأخرى غير المتحدرة منه في حدود دعاوية. النهج الديمقراطي أكبر القوى المنتسبة إلى مشروع الطبقة العاملة، وهو مقبل في مؤتمره الوطني المقبل على تأكيد هذه الهوية في اسمه، لكن حصيلته في واقع الحركة العمالية القائمة فعلا إنما زادت من إبعاده عن هدف بناء الطليعة السياسية العمالية الثورية، وذلك بما كان له من دور في تفكيك تجربة التوجه الديمقراطي في الاتحاد المغربي للشغل، تلك التجربة التي كانت سائرة صوب بناء قطب كفاحي ديمقراطي كان من شأنه الإسهام في تبلور سياسي متقدم وسط قسم من الشغلية. وقد يؤدي الاستسلام التام للبيروقراطية، المجسد في تسويات سابقة وفي مجريات المؤتمر الوطني الأخير للنقابة، إلى تعميق النزوع البيروقراطي لدى الفرق النقابية المتشكلة في العقدين الأخيرين. وليس مستبعدا أن تسير إلى مزيد من الانسياق مع البيروقراطية، بفعل وجود عناصر رهينة في قيادة النقابة العليا منذ مؤتمرها الوطني الأخير، ستكون ناقلا لضغط البيروقراطية العليا على الفرق النقابية المحلية، للجم النضالات وتكريس التسيير البيروقراطي على كافة المستويات.
الوضع الداخلي للنقابات العمالية، وطبيعة الخط السياسي السائد فيها، خط الشراكة الاجتماعية المضحي بمصالح الأجراء، جعلها منفرة للشغيلة الشباب المنخرطين في النضالات، ما يدفع في اتجاه تشكل هيئات مناضلة خارج النقابات، أهمها حاليا حركة الأساتذة المشغلين بعقود. لا شك ان تحولات من هذا القبيل، وحافز السياق النضالي الإقليمي، وحتى العالمي، يتيحان تركيبا جديدا لحركة النضال العمالي، وفرصا كبيرة لتسيس طلائع عمالية جديدة.
أية آفاق لتطور الوضع؟ وما مهام الماركسيين الثوريين؟ هذا ما سيكون موضوع شطر ثان.

Print Friendly, PDF & Email