جماعة خميس أيت عميرة، ثروات طبيعية منهوبة وسكّان فقراء

تعد جماعة خميس أيت عميرة امتدادا لحوض سوس ماسة، حيث الأراضي الخصبة الشاسعة والمياه الجوفية، وهي تمتد على نحو 169 كيلومترا مربعا، وتعبر ترابها طريق وطنية تربط المغرب بالدول الإفريقية، وتبعد عن مدينة أكادير بنحو 32 كيلومترا. أحدثت الجماعة في 1992، وكان عدد سكانها نحو 47.458 نسمة، وقد أظهرت مقارنة نتيجتي إحصاء 1994 و2004 أن نسبة الزيادة السكانية هناك، بلغت نحو 6.5 في المائة.

حاليا، بعد إحصاء 2014، اتضح أن العدد قد اقترب من ضِعفِ ما كان عليه، إذ بلع نحو 80000 نسمة. وتعود هذه الزيادة إلى طبيعة المنطقة، التي أصبحت مركز جذب بالنسبة للعمال الزراعيين، المنتجين الفعليين للثروات، الذين يأتي أغلبهم/ن من مختلف جهات المغرب، مدفوعين بظروف الحياة الصعبة صوب الجماعة، للاستقرار قرب الضيعات والشركات الرأسمالية الفلاحية الكبرى، التي يعملون بها.

كان فلاحو القرية الصغار ومربو الماشية ينعمون برغد العيش بقريتهم، قبل أن يأتي الرأسماليون الكبار ويستحوذون على أراضي المنطقة ومياهها، ويقيموا فلاحة عصرية متطورة ومخصصة للتصدير إلى الأسواق العالمية والمراكز الإمبريالية ويراكموا الأرباح، بينما العمال/آت الزراعيون يعانون ظلما اجتماعيا واستغلالا طبقيا فظيعا. فمسألة التنقل من مكان العمل إلى السكن ذهابا وإيابا، لوحدها، ظلت تسبب لهم/ن الفواجع الإنسانية والموت الجماعي نتيجة حوادث السير المتكررة، حيث يُحشرون في وسائل نقل مخصصة للبضائع لا للبشر، ما دفعهم في الأخير إلى الاستقرار بالجماعة قرب أماكن عملهم/ن بالضيعات البرجوازية. وقد أتى الرأسماليون الزراعيون إلى المنطقة، بعدما استنزفوا مياه مناطق متعددة بالبلد كمنطقة سوس، التي تكالبوا عليها بكثافة وجشع كبير، ولا ريب أنهم سيفعلون الشيء ذاته بأيت عميرة التي ستنضب مياهها لا ريب، بفعل الاستغلال المكثف للثروات الطبيعية.

حيف طبقي، منطقة غنية وسكان فقراء

خلقت الهجرة الجماعية الاضطرارية للفقراء من مختلف مناطق المغرب نحو جماعة خميس أيت اعميرة الغنية تنوعا ثقافيا مهما، لكنها خلقت كذلك بروليتاريا يوحدها الحرمان من أهم ضروريات الحياة الكريمة نتيجة سياسات التقشف المتوالية بتطبيق تعليمات المؤسسات المالية الدولية، البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية والاتحاد الأوروبي… وهي سياسات نيوليبرالية معادية لمصالح العمال والكادحين ولتطلعاتهم. 

أدى التركز العمالي بالمنطقة إلى بروز معضلة سكن الكادحين، وما يلاقونه من عراقيل إدارية ومن عوز وقصر ذات اليد، ما يحد من تطلعاتهم ببناء منازل خاصة بهم. وباندلاع الثورات بالمنطقة المغاربية والعربية أواخر العام 2010 وبداية 2011 وبروز الحركة الجماهيرية الشعبية 20 فبراير بالمغرب، توسع هذا الصنف من البناء، وقد شكل الكادحون مجموعات، وانطلقوا بتشييد المنازل جماعيا، إنها عملية استفاد منها العديد من التجار الكبار بخميس أيت اعميرة، وكذا مناطق أخرى بالمغرب شهدت مثل هذا السكن حينئذ، وقد أقدم بعض الرأسماليين على خلق العشرات من التجزئات المخصصة للسكن، في ظل هيمنة كبار الرأسماليين على جل الأراضي التي أضحت عرضة لهجومهم المكثف. برزت كذلك معضلة الإنارة العمومية، والطرقات، والمدارس ومختلف المرافق الصحية، إضافة إلى المطالب الأخرى الأساس، الضامنة للحياة الكريمة. لكن الدولة التي ربطت المنطقة بصورة مباشرة مع الرأسمالية العالمية وجعلت منها مركزا للزراعة العصرية المتطورة الخاصة بالتصدير، وسهرت بكل قوة على تطبيق سياسات تكرس التبعية، ماضية في سياساتها الطبقية دون أي التفات لهذه المطالب الاجتماعية والاقتصادية الأساس للسكان الذين تنهب خيراتهم الطبيعية، وهي التي تسمح بوجود تجزئات سكنية مفتقرة لكل شروط العيش الكريم، لكن الكادحين مضطرون للسكن فيها، وأغلبهم عمال/آت دفعتهم ظروف الحياة الصعبة إلى البحث عن مورد رزق بخميس أيت اعميرة.

يوجد عدد كبير من السكان المحرومين/آت من الماء الشروب والربط بالتيار الكهربائي وقنوات الصرف الصحي. فجماعة خميس أيت اعميرة تعاني من مشكلات هذا الأخير، التي تعمقت بعد سياسة الخصخصة واسعة النطاق لجل القطاعات العمومية والخدمات الاجتماعية مثل الماء والكهرباء والنقل الحضري العمومي والنظافة، وقطاعات أساسية، كالصحة والتعليم. فالاحتجاجات الشعبية المُنطًلِقًة للمطالبة بالحق في تنمية حقيقية، والتي تتعرض للقمع، أفضل مُعبر عن مدى تفاقم الوضع الاجتماعي بكل مكان.

هل الشركات الرأسمالية الكبرى التي توظف أموالها في الزراعة التصديرية تساهم في تنمية الجماعة، وهل يستفيد من مشاريعها السكان؟ العكس هو الصحيح، فهي تخلق إشكالات اجتماعية وإنسانية وبيئة كبرى يصعب حلها بدون القطيعة مع التبعية واقتصاد السوق ومخططات المؤسسات المالية الدولية، ووقف سياسة الزراعة التصديرية والعمل على فرض سياسة زراعية اجتماعية حقيقية تضمن السيادة الغذائية لكافة المغاربة في بلدهم/ن وهذا ما يتوجب على جميع أنصار الطبقة العاملة فهمه واستيعابه والنضال من أجل تحقيقه.

فمن أبرز تناقضات الرأسمالية، أن يتجاور هذا الصنف من الفلاحة التصديرية بهذه الكثافة، جنبا إلى جنب مع الحرمان والجوع وسوء التغذية وغلاء المعيشة واستنزاف المياه الجوفية بهذا القدر الهائل، ما يعد ظلما اجتماعيا فظيعا. فمستقبل المنطقة مهدد، شأن الكثير من مناطق المغرب، نتيجة سياسة مفروضة بالقوة من قبل الحكام الفعليين ودولتهم الرأسمالية. إن التصدي لهذا الظلم مهمة مطروحة على عاتق الثوريين والديمقراطيين الجذريين بهذا البلد.

توجد بخميس أيت عميرة عدة دواوير (العرب، ودوار لحمْر، ودوار الطاوس ودوار الميكا…) من بينها المشيدة اضطراريا حيث يعيش سكانها التهميش والإقصاء والحرمان من أدنى ضروريات الحياة، أحياء سكنية مكتظة متواجدة بين الضيعات والبيوت المغطاة (البلاستيك) من بينها أحياء: (الشوك، والدجاج، والميكا، والدبزة،).

تكرس مؤسسات الاستعمار الجديد الدولية سياسة الانسحاب التام للدولة من مسؤولياتها تجاه السكان، مقابل وضع القطاعات الحيوية والمؤسسات العمومية رهن إشارة الرأسمال الكبير لأجل استغلالها، في إطار سياسة التدبير المفوض، واعتصار الأرباح من وراء ظهر الأغلبية الساحقة من المغاربة. إن مقاومة هذه السياسات ومجابهتها شعبيا وعماليا هي ما يستوجب فعله لانتزاع مكاسب اجتماعية لفائدة السكان.

فقد شهدت جماعة خميس أيت عميرة تجربة تدبير توزيع قطاع الماء الشروب من قبل بعض الجمعيات بدل الدولة، أما شركات الخواص فهدفها المزيد من الأرباح على حساب مداخيل السكان الضئيلة جدا. وأما الجمعيات غير الحكومية، إن هي أرادت تدبير مسالة التوزيع بمنطقة تزايد سكانها بوتيرة سريعة، فإنها ستحتاج إلى إمكانيات ضخمة بشريا وماديا، توجد بحوزة الدولة. وإذا انجر بعضها إلى سياسة “الجمعيات التنموية” و”التشاركية” ومفاهيم القاموس الاقتصادي الرأسمالي والليبرالية الجديدة، فإنها لا محالة ستواجه مشكلات عويصة جدا لا حل لها إلا بالقضاء على أسبابها، بدك نظام الاستبداد والاستغلال ودولة الطبقة الرأسمالية، وبناء، على أنقاضها، دولة المنتجين المتشاركين المستقلة في قراراتها وغير التابعة للمراكز الإمبريالية والمؤسسات المالية الدولية، جاعلة من الماء ثروة من حق الجميع الاستفادة منها بسعر معقول غير خاضع لمنطق السوق والتجارة والأرباح.

فقد شهدت بلادنا احتجاجات شعبية أغلبها مرتبط بقضيتي الحرمان من التزود بالماء والكهرباء، من جهة، وغلاء تسعيرة الاستهلاك، من جهة ثانية.

كما أن المعضلات الاجتماعية والبيئية في تناسل، ففي أواخر سنة 2012 تسربت مياه الصرف الصحي سطحيا وجوفيا وانتشرت بمنطقة سكانية مكتظة ومحيط مؤسسات تعليمية، ما أسفر عن ظهور مرض جلدي معدي وسط الأطفال والتلاميذ والأساتذة بإحدى المدارس.

تدبير النفايات الصلبة من مهام الدولة

تفاقمت بالمنطقة كذلك معضلة تدبير النفايات الصلبة، ويرجع ذلك للسياسات المتبعة، ومنها خدمات النظافة ومعالجة النفايات. فالشركات الرأسمالية التي ترى في القطاع مجالا للأرباح هي المتسببة في تلويث البيئة، مما ينعكس على الناس والطبيعة والمناخ أماكن عدة بجماعة أيت عميرة انتشرت وتنتشر بها أكوام النفايات المنزلية وما تتخلص منه الضيعات الفلاحية والشركات، ما يهدد صحة السكان الفقراء الذين يعانون الكثير.

كارثية الخدمات الصحية

سكان خميس أيت عميرة بحاجة إلى مدارس ومستشفيات وخدمات جيدة ومجانية، فالجماعة تتوفر على مركز صحي بدون تجهيزات ووسائل، حيث انعدام أطر طبية وحد أدنى من التطبيب. ففي سنة 2006 واجه كادحو خميس أيت عميرة مصيبة داء التهاب السحايا “المينانجيت” الذي ظهر بأحد الأحياء، حيث أعلن رسميا عن تفادي الدخول للحي المعني، وقد جرى عزل الحي وتطويقه وتنظيم حملة لمعالجة أزقته ومساكنه ورشها بمضادات الوباء، في حين، ظلت الأقلية الغنية والمالكة للثروة والمال والسلطة بمنأى عن الكارثة. فالطبقة البرجوازية بعيدة جدا عن مثل هذه الآفات التي تقتل الفقراء، والناتجة عن سياساتها.

ألم يظهر في منطقة زاكورة مرض جلدي خطير (الليشمانيا) وأغلب ضحاياه الأطفال الفقراء أبناء الكادحين، ماذا قدمت الدولة لمنطقة يعاني سكانها من ندرة المياه ويحتجون بسبب العطش؟ سوى القمع والاعتقال.

سبق أن أصدرت الدولة توصية بإحداث مستوصف قروي لكل 5000 نسمة ومركز صحي مستوى أول لكل 15000 نسمة، ومركز صحي مستوى ثاني لكل 25000 نسمة الذي يتميز بإنشاء وحدة للولادة خلافا للمستوى الأول، ومستشفى محلي لكل 50000 نسمة، ومستشفى إقليمي لكل 100000 نسمة، لا أثر لذلك بجماعة خميس أيت اعميرة، فالوضع الصحي يعرف نقصا كبيرا في الأطر، حيث عدد السكان 80000 نسمة، وإذا جرى عد الوافدين يوميا من العاملات والعمال الزراعيين غير القاطنين بالجماعة من الأنحاء المحيطة والأقاليم المجاورة لها (أزيد من 20000 يوميا) فان عدد السكان، خلال النهار، يصل إلى نحو 100000 نسمة، وحسب معايير وزارة الصحة يستوجب توفير مستشفى إقليمي للسكان القاطنين والوافدين، إن المركز الصحي الحالي تشتغل به أطر طبية غير كافية مقارنة بحجم السكان: طبيبان لنحو 80000 نسمة و6 ممرضين، ضمنهم ممرضان مكلفان بتلقيح أكثر من 10000 رضيع، وممرضتان لأكثر من 7000 امرأة في فترة إنجاب، وممرض مكلف بالأمراض المعدية والخدمات الصيدلية، وممرض رئيسي، وثلاث مولدات بقسم الإنجاب. المركز الحالي بخميس أيت عميرة كان مستوصفا قرويا منذ بداية سنة 1950(الفترة الاستعمارية) قبل بناء دار الولادة، فجرى عده مركزا صحيا من المستوى الثاني، بدون توفير شروط ذلك. ومنذ 10 سنوات جرى إنشاء مركز صحي بمنطقة “انو الجديد” يعمل به ممرض واحد، كما جرى إنشاء مستوصف صحي بمنطقة “علال” بدون تجهيزات أو أطر، علما أن نسبة تبلغ نحو 120 حالة تقبل يوميا على المركز الصحي بجماعة خميس أيت عميرة من أجل الاستشارات الطبية، ما يخلق الازدحام بين الفقراء الكادحين المرضى، أما الطبقة البورجوازية والرأسماليون المستحوذون على أراضي ومياه المنطقة فإنهم يتوجهون للخارج أو المصحات الخاصة.

إن التعيينات الجديدة: ممرض ومولدتين بدار الولادة وطبيب واحد، وتوفير بعض التجهيزات وبناء مركز صحي بدوار الطاوس ومستوصف قروي بدوار الرجيلة وتحويل مستوصف انو الجديد إلى مركز صحي حسب برنامج الخريطة الصحية، كل ذلك غير قادر على إخفاء حقيقة السياسات الرأسمالية الظالمة بالمنطقة وفي بلدنا ككل، بل يكشف المفارقات الكبيرة وأكاذيب وأضاليل نظام الاستبداد والاستغلال.

تعليم الأطفال والشباب من مهام الدولة

تعاني جماعة خميس أيت عميرة من قلة المؤسسات التعليمية القادرة على استيعاب الأطفال في سن التمدرس وتلاميذ مستويات الإعدادي والتأهيلي. إلا أن دولة الرأسمال التابع غير مكثرة بالوضع، وبالتحولات السكانية والتطور العمراني للمنطقة. فالشركات الرأسمالية الكبرى التي استهدفت المنطقة وسيطرت على ثرواتها، لا تؤدي واجباتها الضريبية إزاء الجماعة التي لا تجني من ورائها غير المشكلات العويصة. فالرأسمالي الزراعي عندما يضع تصميما لمجال زراعته التصديرية لا تهمه استشارة المجلس الجماعي وبالأحرى التنسيق معه. إنه يقصد مقر الجماعة فقط للحصول على رخصة التزود بالكهرباء، وبعدها ينتج ويصدر كيفما شاء ووقتما شاء، ويراكم المزيد من الأرباح على حساب كدح العمال/آت تاركا للجماعة والسكان المزيد من المشاكل والقضايا التي ما انفكت تتعقد.

انتفاع الرأسمال بكل حرية

يجني الرأسمال الفلاحي الأرباح الطائلة من تصدير المنتجات الفلاحية مقابل إفراط في استنزاف المياه الجوفية. أما برامج دولتهم المتعلقة بتحلية مياه البحر، فإنها مكلفة ويتطلب تطبيقها مزيدا من الاستدانة من الخارج ستؤدي ثمنها الطبقة الكادحة، فالرأسماليون الباحثون عن الأرباح معلوم بأنهم يغادرون المناطق التي لا تربحهم أكثر، وهذا ما سيفعلونه بخميس أيت عميرة بعد استنزافهم مياهها. هذا فيما الجماعة لا تستفيد من أية موارد مالية من تمركز الرأسمال الزراعي الكبير العصري بالمنطقة وهذه التناقضات نتيجة للظلم الاجتماعي والفوارق الطبقية الكبرى ببلدنا.

فميزانية جماعة خميس أيت عميرة تصرف في القروض، وأجور الموظفين/آت ومستحقات الإنارة العمومية، والباقي مخصص لمصاريف التسيير والتجهيز، أما أرباب الضيعات الفلاحية الكبرى فإنهم لا يكترون الأراضي من الجماعة ولا يدفعون لها أي شيء، فماذا يستفيد السكان الفقراء من هذا الإنتاج المكثف للفلاحة التصديرية الرأسمالية؟

لا بديل عن المواجهة والنضال المستميت ضد الرأسمال ودولته القمعية، ومن مهامنا خوض المعارك بجانب ضحايا النظام الاستبدادي حامي الاستغلال، إذ لا يمكن تغيير الوضع المزري للكادحين ووقف استنزاف الثروات الفلاحية والبحرية وضمان سيادة غذائية للجياع والعطشى إلا بتدمير دولة الرأسمال وبناء سلطة المنتجين المتشاركين الأحرار على أنقاضها.

بقلم، طه محمد فاضل، يوليوز2019

Print Friendly, PDF & Email