مؤتمر البوليساريو الخامس عشر، تحديات الراهن ومأزق الافاق.

السياق العام لانعقاد المؤتمر الخامس عشر
انعقد المؤتمر، بين 19 و24 دجنبر 2019، في سياق عام متدهور، خسرت فيه البوليساريو عدة مكاسب سياسية وديبلوماسية وقانونية.
تكفي قراءة متمعنة للتقرير الأدبي المقدم للمؤتمر الأخير لمعرفة التحولات الجارية لغير صالح البوليساريو، يمكن إجمال أهمها في التالي:
وفاة محمد عبد العزيز الأمين العام السابق المتمكن من تسيير الشؤون التنظيمية للجبهة وتدبير أوضاع النازحين بمخيمات اللجوء.
استقالة المبعوث الأممي كريستوف روس بعد رفض المغرب التعامل معه بجريرة عدم حياده.
تراجع النضالات، وضعف زخمها الجماهيري، بمدن الصحراء الغربية منذ تفكيك مخيم اكديم ايزيك.
تصريح بان كي مون، عند زيارته للمخيمات، بأن الصحراء الغربية محتلة، تلته حملة المغرب المناهضة، واضطر للتراجع وتأكيد حياده. (2)
تعليق المغرب للمكون المدني لبعثة المينورسو ووقف مساهمته المالية في ميزانيتها ردا على تصريحات بان كي مون.
تفجر أزمة المعبر الحدودي الكركارات وقرار مجلس الأمن القاضي بسحب البوليساريو فرقة عسكرية ظهرت بالمنطقة وإبقاء الطريق مفتوحة بوجه تنقل البضائع والأشخاص. (3)
قضت محكمة العدل الأوروبية ببطلان الاتفاق الفلاحي مع المغرب ولاحقا اتفاق الصيد البحري بدعوى شموله الصحراء الغربية التي لا تتمتع باستقلال ذاتي، ولاحقا جرى إلغاء تلك الأحكام ووقع الاتحاد الأوربي الاتفاقيتين مع المغرب. (4)
عودة المغرب للاتحاد الافريقي بدعم واسع من الدول الأعضاء دون شروط، ما يعكس تغير ميزان القوى على الصعيد القاري. اندفاع النظام المغربي في سياسية هجومية مرتكزة على المصالح الاقتصادية للنفاد لبلدان عديدة كانت علاقته بها معدومة، ما سيغير موقفها من قضية الصحراء الغربية. ويعتبر قرار نقاش هذه القضية حصريا في لجنة ثلاثية لها وحدها صلاحيات عرضها على مؤتمرات القمة من عدمه، دليلا عما جناه النظام من مكاسب بعضويته بالاتحاد الافريقي.
انزياح تقارير مجلس الأمن لتبني رؤية الدولة المغربية، خصوصا تواري مهمة إجراء الاستفتاء مقابل التأكيد الدائم على هدف حل متفاوض عليه يحظى بموافقة الطرفين. الإشادة بجدية مقترح الحكم الذاتي المغربي، والإشادة بلجنة المجلس الوطني لحقوق الإنسان بالعيون والداخلة، والتنصيص على مفهوم المنطقة العازلة ورفض الأمم المتحدة أي تغيرات هناك، والدعوة إلى إحصاء محايد لساكني المخيمات، والإلحاح على انخراط أكثر فاعلية لبلدي الجوار للوصول لحل…
تعيين الرئيس الألماني السابق هورست كوهلر كمبعوث شخصي، ثم استقالته المفاجئة، بعد تيقنه أن لا فرصة للوصول لحل.
مخاطر عصابات تهريب المخدرات والسلاح والجماعات المسلحة الإرهابية الناشطة بمنطقة الصحراء والساحل وبداية استقطاب شباب من المخيمات يعاني أوضاعا اقتصادية ونفسية قاسية. وظهور اعتراضات غالبها بخلفية قبلية ضد اعتقال أفراد لأسباب جنائية او سياسية.
توسع لائحة الدول التي سحبت اعترافها بالدولة الصحراوية أو جمدته، خصوصا بأمريكا اللاتينية نتيجة صعود حكومات يمينية، تطبيع العلاقات بين المغرب وكوبا أحد الداعمين التاريخيين للبوليساريو، بدء دول افريقية بفتح قنصلياتها بمدن الصحراء الغربية كما مشاركة أخرى بوفود رسمية في تظاهرات ثقافية، رياضية أو سياسية تنظم بتلك المدن.
انتفاضة الشعب الجزائري مند 22 فبراير2019 ضد عصابة الفساد الحاكمة التي تهز ركائز النظام الحاكم، واحتمالات توسعها وتجذرها بما يعيد بناء البلد على أسس جديدة على جميع الأصعدة، ما ستكون له تبعات مباشرة على جبهة البوليساريو، خاصة أن استراتيجية الجزائر ما بعد الثورة في علاقتها بالدولة المغربية وببناء الاتحاد المغاربي حتما ستعرف تغيرا نوعيا. (5)
استراتيجية مؤتمر البوليساريو في مواجهة التحولات الجارية ونظرته للمستقبل.
انتهي المؤتمر كرهان تنظيمي وحسب، بإعادة تنصيب قيادة البوليساريو القديمة. والسير على نفس المسار الذي أدى لمأزق سياسي يهدد بهزيمة مدوية لا يتجاهلها الا منفصل عن الواقع. فخيار “اللا حرب واللا سلم” الذي أصبح مكرسا منذ وقف إطلاق النار سنة 1991 باث وضعا مفضلا للنظام المغربي الذي حقق انتصارات متتالية وفرض واقعا مريحا لخيارته وبات الزمن يصب في مصلحته.
صحيح ان خيارات البوليساريو لمواجهة صعوبة الوضع الحالي محدودة جدا خصوصا وأنها مرتهنة بقرار الدولة الجزائرية الداعم الرئيسي والمستضيف لمخيمات اللاجئين. لكن قيادة جبهة البوليساريو لها مسؤولية جسيمة في وضع الصحراويين النازحين وانصارها ككل امام حقيقة الأوضاع واتخاذ القرارات الملائمة بعد نقاش ديمقراطي حقيقي، بدل إعلانات من قبيل “لم يبقَ أمام جبهة البوليساريو سوى مراجعة تعاطيها مع عملية السلام برمتها” التي هي من صنو المهلة التي منحها المؤتمر الثالث عشر للقيادة لمواصلة المفاوضات وفي حال لم تفض إلى حل فعليها الدعوة لمؤتمر استثنائي لتعليق اتفاقية وقف إطلاق النار وها قد مرت السنواتُ.
إن وضع ميزان القوى المختل لصالح النظام المغربي نتاج مسار طويل من التغيرات بدأت بانهيار معسكر الاتحاد السوفياتي داعم الحركات الوطنية والتطورات السياسية في الجزائر بعد انتفاضة 1988 ولاحقا تأثيرات السيرورة الثورية منذ 2011 خصوصا انهيار نظام ديكتاتورية معمر القذافي، ثم استئناف تلك الدينامية بمنطقتنا في 2019 بالتحاق الجزائر، وكلها تحولات كبيرة جدا تصب في غير مصلحة البوليساريو، واستمرار الأخيرة إلى الان رغم كل دلك مثير للعجب. (6)
جبهة البوليساريو خيارات مستقبلية.
سيلقي انجلاء الوضع بالجزائر بظلاله على قضية الصحراء الغربية حتما، إما يؤدي لتسريع خيار “الحل المتفاوض عليه” وتسهيله، والذي يعني لا استقلال مطلق ولا ضم مطلق بمعني صيغة من الاستقلال الذاتي بضمانة الأمم المتحدة وهو احتمال وارد، أو الإبقاء على الوضع على حاله “لا حرب، لا سلم” وقد رأينا أن النظام المغربي تكيف مع هذا الوضع وحوله لصالحه. أما خيار العودة للحرب فأمر محال بالنظر لمخاطره على المصالح الامبريالية.
انتهي المؤتمر الخامس عشر بلا استراتيجية تعامل واضحة مع التحديات العظيمة المحيطة بقضية الصحراء الغربية وترك أسئلة كبيرة بلا جواب وأهمها: ما تداعيات تطور الأوضاع الثورية الجارية بالجزائر؟ وما العمل حال حدوث تحول جذري في نظرة الدولة الجزائرية لقضية الصحراء الغربية؟ ستلقي الشهور القادمة المزيد من الضوء على دلك.
لمزيد تفاصيل انظر:
(1) – جبهة البوليساريو بين لحظة وفاة قائدها ومستقبل قضيتها. المناضل-ة موقع المناضل-ة HYPERLINK “https://www.almounadila.info/archives/3844” https://www.almounadila.info/archives/3844
(2) – خلافات الدولة المغربية والأمين العام للأمم المتحدة: ما الخلفيات وما التداعيات المحتملة؟ المناضل ة عدد64
(3) – الصحراء الغربية: التصعيد الراهن، الدوافع والغايات؟ المناضل ة عدد 70
(4) – الأمم المتحدة في الصحراء الغربية: المناوشات، الابتزاز ومازق مراوحة المكان. المناضل ة عدد 66
(5) – مؤتمر البوليساريو الثالث عشر: مستقبل الصحراء الغربية بين مطرقة ربيع الثورات وسندان انسداد الآفاق أمام
القيادة. المناضل ة العدد 43
(6) – الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء وواد الذهب (البوليساريو).. إلي أين؟ المناضل ة عدد 33

بقلم، أنور أحمد

Print Friendly, PDF & Email