تلاميذ يحاصرون المدارس الثانوية الفرنسية احتجاجًا على القمع الطبقي والعنصري
بقلم كيفن ب. أندرسون*
انطلقت ثورة طلاب المدارس الثانوية في فرنسا من الضواحي المهمشة، ثم اتخذت أبعادًا وطنية، موجهةً انتقاداتها إلى الاضطهاد الاقتصادي والعنصري، وكذا إلى عنف الشرطة.
اتخذت حركة احتجاج طلاب المدارس الثانوية في فرنسا، يوم 13 أكتوبر، أبعادًا هائلة، حيث جمعت زهاء نصف مليون شخص في الشوارع في جميع أنحاء البلد. في ذلك اليوم، قامت المناضلة السويدية في مجال المناخ، غريتا ثونبرغ، بزيارة تضامن إلى إحدى المدارس الثانوية حيث بدأ كل شيء، وهي ثانوية بول إيلوار، في ضاحية سان دونيه الفقيرة في باريس. صرحت ثونبرغ بأن «العالم بأسره يراقبنا» وأنها «فخورة بالتلاميذ الفرنسيين » .¹ ومع بدء عطلة مدرسية مدتها أسبوعان في 16 أكتوبر، يظل مستقبل هذه الحركة الرائعة، التي استمرت بالفعل لأكثر من ثلاثة أسابيع، غير مؤكد. وعلى أي حال، فقد برز تحدٍ جديد، أطلقه اليسار والشباب، في مواجهة نظام رأسمالي قائم على الميز العنصري، ينحرف، في فرنسا كما في العديد من البلدان الأخرى، نحو نيوفاشية صريحة.
شهدت فرنسا، قبل حوالي ثلاثة أعوام، انتفاضة وطنية جديدة في ضواحيها وأحيائها المحرومة، التي تتسم بالفقر والاضطهاد العرقي. في 27 يونيو 2023، قُتل نايل مرزوق، شاب في السابعة عشر من أصل جزائري، على يد الشرطة أثناء رفضه الخضوع لتفتيش الهوية. بعد وفاة نايل، اشتعلت النيران في الضواحي والمجتمعات المهمشة الأخرى، بقيادة المراهقين والأطفال دون سن المراهقة. وبعد خمسة أيام، عندما عاد الهدوء، كان قد تم مهاجمة 250 مركزًا ومخفرًا للشرطة، وإصابة 700 شرطي، ووقوع أضرار مادية جسيمة، واعتقال 3000 شاب، حوكم الكثير منهم وسُجنوا. اعتبرت الطبقات السائدة في فرنسا، ووسائل الإعلام التقليدية، والسياسيين، والبيروقراطيين النقابيين، أحداث عام 2023 انفجار غضب غير عقلاني، دون تأثير سياسي أو اجتماعي كبير على المدى الطويل، وحدث يجب كتمه ونسيانه. لم يُتخذ سوى القليل أو لم يُتخذ أي شيء على الإطلاق لمعالجة المشاكل الجوهرية، ولا سيما عنف الشرطة والتصنيف العرقي المتفشيين في البلد.
من بعض النواحي، تذكرنا انتفاضة الشباب في سبتمبر-أكتوبر 2026 بانتفاضة عام 2023. المجتمعات التي نشأت فيها الانتفاضة هي نفسها تقريبًا كما في عام 2023، وتُظهر المواجهات مع الشرطة — أو بالأحرى عنف الشرطة الوحشي ضد الشباب — أن ما تغير قليل. ولا يزال الخطاب السائد لدى السياسيين ووسائل الإعلام الكبرى يصف المتمردين بـ«المتوحشين» وما شابه ذلك من هراء.
لكن عام 2026 هو أكثر بكثير من مجرد نسخة مكبرة من عام 2023. أولاً، اتخذت الانتفاضة هذا العام أبعاداً ونطاقاً وشدةً أعلى بكثير. فمنذ الأسبوع الأول، انتشرت في المدارس الثانوية في الأحياء الفقيرة والمهمشة في منطقة باريس. وبذلك، لم يعد مجرد انتفاضة عفوية، بل أصبح حركة حقيقية تطرح مطالب ملموسة للغاية.
ثانياً، امتدت الحركة من الضواحي والأحياء الأكثر فقراً إلى المدارس الثانوية الأكثر حظا، بل وحتى امتيازا. كما شارك فيها الاباء والطلاب والنقابات. وقد ساهم كل ذلك في كسر عزلة الضواحي، حتى لو كان ذلك مؤقتًا. وأدى علاوة على ذلك إلى حشد قوى اجتماعية يمكنها، إذا عملت بشكل متضافر، أن تقتلع النظام من جذوره.
ثالثًا، وبفضل هذه التضامنات الأوسع، نُظِّمت الحركة وأصبحت سياسية، وصاغت مطالب واضحة وشاملة. وقد سهّل هذه العملية أن الانتفاضة تركزت في المدارس، وهي مكان أكثر تنظيماً من أي مجتمع حضري، مما جعل المشاركين فيها، حتى في الضواحي، أقل عزلة وأقل عرضة للتشويه والوصم باعتبارهم أوباش الشوارع أو «متوحشين» وما إلى ذلك.
رابعًا، أيد عدد أكبر من الشخصيات السياسية البارزة الشباب علنًا مقارنةً بالعام 2023.
وأخيرًا، أجبر ذلك كله الحكومة اليمينية الوسطية على تقديم بعض التنازلات الصغيرة، على الرغم من أن ردها الرئيسي كان التشويه والقمع.
ونظرًا لهذه الرهانات الأوسع، تُقارن أحيانًا سنة 2026 – سواء في وسائل الإعلام الفرنسية أو الدولية – بالحركات الاجتماعية الجماهيرية التي ميزت ذروة السنة الثورية عام 1968، عندما أضرب عشرة ملايين عامل عن العمل في أعقاب احتلال الجامعات والشركات. هذه المقارنة مبالغ فيها بلا شك. ومع ذلك، فإن عام 2026 هو بالفعل علامة على وجود استياء عميق، يصعب على الأنظمة السياسية – مثل نظام إيمانويل ماكرون النيوليبرالي في فرنسا – كبحه، وهي أنظمة تجسد الرأسمالية القائمة على سياسات التقشف وتشهد شعبية في انخفاض حاد. في مواجهة هذه الظروف، نلاحظ من جهة صعود أحزاب يسارية جديدة مثل حزب فرنسا الأبية، ومن جهة أخرى صعود التجمع الوطني ، وهو حركة نيوفاشية.
كيف جرت انتفاضة عام 2026
يوم الجمعة 18 سبتمبر، بدأ طلاب مدرسة سانت إكزوبيري الثانوية في كريتيل، في ضواحي باريس، بالتظاهر داخل مؤسستهم التعليمية، بعد فترة وجيزة من بدء العام الدراسي عقب إضراب المعلمين الذي استمر ليوم واحد. وجاءت هذه التحركات في أعقاب صيف شديد الحرارة، اتسم بتغير المناخ وحرائق غابات خطيرة. واضطر الطلاب إلى تحمل الدراسة في فصول دراسية خالية من التكييف، وسط حرارة لا تطاق. علاوة على ذلك، كانت الفصول مكتظة، والأيام الدراسية طويلة لا تنتهي، والمعلمون غائبون لعدم وجود بدلاء، والمباني متهالكة. بل إن الورق الصحي كان ينفد أحيانًا. وكشفت استطلاع رأي عبر الإنترنت أجرته الحكومة بين الطلاب أثناء المظاهرات أن الأيام الدراسية، التي كانت تمتد من الساعة 8 صباحًا حتى 6 مساءً، كانت من بين المصادر الرئيسية للاستياء، لا سيما بسبب تغير المناخ ونقص التكييف.
وبدءًا من الأسبوع البادئ يوم 28 سبتمبر، امتدت التحركات إلى منطقة باريس بأكملها، ثم إلى جميع أنحاء فرنسا. ويوم الجمعة 2 أكتوبر، اندلعت مظاهرات في أكثر من ألف مدرسة ثانوية، قام الطلاب بإغلاق حوالي مائتي مدرسة منها. ووقعت أعمال عنف مادي في بعض الأماكن، ولا سيما حريق متعمد في مدرسة روزا باركس الثانوية في نانت، شمال غرب فرنسا. واستغلت حكومة يمين الوسط واليمين المتطرف هذه الأحداث لوصف الطلاب بـ«المتوحشين»، وهي خطابة استُخدمت لتبرير القمع البوليسي الوحشي.
ورغم أن الحركة بدأت وتجلت بشكل أساسي في الضواحي والأحياء الحضرية الأشد فقراً، وشملت المدارس الثانوية المهنية والعامة على حد سواء، سرعان ما اكتسبت بعداً وطنياً وعابراً للطبقات. على سبيل المثال، أضرب طلاب مدرسة هنري الرابع الثانوية المرموقة، الواقعة في حي راقي بباريس – كان من خريجيها جان بول سارتر وميشيل فوكو والرئيس ماكرون نفسه – عن الدراسة، ورفعوا لافتة كُتب عليها “التضامن مع المدارس الثانوية” .² وكما لاحظ صحفيو جريدة لو موند»: تعبأ البعض بدافع الضرورة، بينما تعبأ آخرون بدافع التضامن”. ³
في عدة حوادث حظيت بتغطية إعلامية واسعة، مارست الشرطة عنفًا وحشيًّا ضد الطلاب الشباب، ولا سيما ضد صبي يبلغ من العمر خمسة عشر عامًا قُطعت يده جراء قنبلة صوتية استخدمتها الشرطة. ويخضع استخدام هذا النوع من الأسلحة لقيود صارمة، بل إنه محظور تمامًا، في العديد من الدول الأوروبية الأخرى. وبعد أسبوعين، أعلنت الشرطة أنها احتجزت، ولو لفترة وجيزة، حوالي 6877 شخصًا، 86% منهم قاصرون. ومن الواضح أن الهدف من هذه العملية واسعة النطاق كان بث الخوف لردع أي مشاركة .
في 6 أكتوبر، اندلعت مظاهرات تضامن أكبر، حيث نزل مئات الآلاف، بل ونصف مليون شخص، إلى الشوارع في جميع أنحاء فرنسا لدعم طلاب المدارس الثانوية. وكان من بينهم طلاب جامعيون وبالغون أكبر سناً، ارتدى الكثير منهم أربطة ذراع بيضاء كعلامة على حماية الشباب الفرنسي من قوات الأمن – ولم يترددوا، عند الضرورة، في التدخل. وكان الآباء وغيرهم من البالغين يفعلون الشيء نفسه أمام العديد من المدارس الثانوية. وفي سان دونيه، وهي ضاحية باريسية أخرى محرومة، انضم العمدة بالي باغايوكو، وهو ناشط أسود انتُخب مؤخرًا تحت راية حزب فرنسيا الأبية إلى الطلاب المتظاهرين في محاولة لحمايتهم من عنف الشرطة.
وفي الجامعات، ولا سيما في معهد العلوم السياسية في باريس، حيث خضعت مظاهرات التضامن مع فلسطين للمراقبة والقمع في السنوات الأخيرة، شارك الطلاب أيضًا في أنشطة التضامن. لكن بعد احتلالهم شارعًا مجاورًا، تعرض طلاب معهد العلوم السياسية لصد عنيف من قبل الشرطة.
المظالم والمطالب
في معظم الأماكن، أشار الطلاب إلى العديد من المشاكل. في ليل، أشارت فاني، البالغة من العمر سبعة عشر عامًا (والتي طلبت بحذر ألا يُذكر سوى اسمها الأول)، بشكل خاص إلى «سوء ظروف الدراسة، والفصول الدراسية المكتظة، والمباني التي تحتاج إلى إصلاحات». لكن فاني ذهبت أبعد من ذلك، حيث نددت بـ«كارثة تغير المناخ، والذكاء الاصطناعي الذي يدمر فرص العمل، وخطر فوز حزبالتجمع الوطني في الانتخابات»، في إشارة إلى الحزب الفاشي الجديد بقيادة مارين لوبان .
في 8 أكتوبر، أشار بيان صادر عن «التنسيق المناهض للفاشية» أيضًا إلى «الأجواء السجنية السائدة في المدارس الثانوية”.
وتطرق آخرون إلى الإقصاء والاضطهاد العرقي والإثني. ونشر كريستوف أياد، الصحفي المعروف بتقاريره عن صراعات الشرق الأوسط والمجتمعات المهاجرة في فرنسا، تقريرًا مفصلاً عن المظاهرات في ضاحية سان دونيه الباريسية. وكما أفاد أياد، سأل الطلاب في تجمع جرى في 4 أكتوبر: «لماذا لدينا فرص أقل من الباريسيين؟» وقال آخرون: «هناك فصل بين باريس والضواحي بسبب نظام باركورسوب» – وهو نظام اختيار جامعي عبر الإنترنت يتعرض لانتقادات شديدة – «وهو نظام تعسفي تمامًا. هذه التفاوتات ليست طبيعية! » كما ندد الطلاب بالخطاب الإعلامي الذي يعزل الضواحي عن بقية باريس ويشيطن الطلاب ذوي البشرة الملونة من الضواحي ، ويصورهم على أنهم مصدر كل أعمال العنف: «من جهة، هناك البيض، ومن جهة أخرى، السود والعرب»، كما قال أحدهم، مضيفًا: «عندما لا يكون الطالب أبيض، تتضاعف أعمال العنف البوليسي عشر مرات.» وأبرز متظاهرون طلابيون آخرون التمييز ضد المسلمين: «يُعامل المسلمون كأعداء.» بينما هتف آخرون بشعارات أوسع و ذات طابع سياسي أكثر، مثل دعم فلسطين. وبينما أعرب الطلاب عن شعور عميق بالاستلاب، وصفوا أنفسهم أيضًا بـ«فرنسا الجديدة»، في إشارة إلى المجتمع المستقبلي المتعدد عرقيا أكثر والدامج أكثر الذي يتصورونه. وحظي العمدة باغايوكو بتصفيق حار عندما قال للحشد: «أنتم تكرمون الجمهورية؛ تكرمون قيمها؛ مطالبكم مشروعة”.
في كل مكان، عبرت الشعارات عن الغضب، ولكن أيضًا عن خيال جيل جديد وحماسه. في إشارة إلى سرايا الأمن الجمهورية «CRS» ، وهي الشرطة العسكرية المكلفة بمكافحة الشغب، هتف الطلاب: «أرسلنا إليكم نداء استغاثة (SOS) فاستجبتم بـ«CRS»! » مستخدمين بشكل مباشر – وباللغة الإنجليزية – شعارًا مرتبطًا بحركة «حياة السود مهمة» (Black Lives Matter) الأمريكية، كان آخرون يهتفون «ACAB» (كل رجال الشرطة أوغاد). وظهرت لافتة مصنوعة يدويًّا كُتب عليها «ACAB» و«يوليو 1830»، في إشارة إلى الثورة التي وضعت حدًّا لمحاولات الردة الرامية إلى إعادة إرساء الملكية المطلقة في فرنسا.
ما تم تحقيقه
على الرغم من أن التقدم الملموس لا يزال ضئيلاً في الوقت الحالي – وعود بتعيين ثلاثة آلاف معلم وتعليق عمليات التسريح – فإن وجود هذه الحركة واستمرارها يمثلان بالفعل شكلاً النصر في مواجهة صعود اليمين المتطرف الذي يجتاح أوروبا الغربية، بما في ذلك فرنسا. ويكتسب هذا الاستنتاج أهمية أكبر نظراً لأن شبكات التواصل الاجتماعي والتلفزيون التقليدي ووسائل الإعلام الجماهيرية الأخرى تخضع بشكل متزايد لسيطرة الأوليغارشية اليمينية. وقد سمح نشاط الشباب وإبداعه بكسر هذه الحواجز، على غرار ما حدث مؤخراً في الهند مع «حزب جاناتا للصراصير”.
وحقيقة أن حركة نضالية بهذا الحجم لم تنشأ في بلدان الجنوب، بل في أوروبا الغربية، توضح البعد الدولي الحقيقي للنضال من أجل تحرر الإنسان اليوم.
كما تُظهر انتفاضة المدارس الثانوية الفرنسية عام 2026، بشكل لافت جدا، أن صناديق الاقتراع ليست بأي حال من الأحوال الوسيلة الوحيدة لإحداث تغيير اجتماعي، أو على الأقل لوضعه على جدول الأعمال. فالنزول إلى الشارع واحتلال المؤسسات الرئيسية هو خيار أيضًا، بل وخيار أشد راديكالية.
وأخيرًا، تجاوزت انتفاضة الشباب في فرنسا عام 2026 حواجز العرق والطبقة التي غالبًا ما تستخدمها الطبقات السائدة — من العبودية إلى الرأسمالية العرقية الحالية — لإبقاء الشعوب المضطهدة منعزلة عن بعضها البعض وعن المثقفين الناقدين، مما يعوق التبادلات الضرورية لإعادة النظر الحقيقية في النظام. ما شهدناه في فرنسا هذا العام ليس مجرد شعار «الوحدة والنضال». بل ما ظهر هو حركة تولت زمامها الفئات الأكثر اضطهادًا في المجتمع – الشباب من الأقليات العرقية، وأحفاد المهاجرين، وأبناء الطبقة العاملة.
إحالات :
Charlotte Bozonet et al., « Mouvement lycéen », Le Monde , 14 octobre 2026.
Arthur Carpentier et al., « Le mouvement lycéen s’étend en France », Le Monde , 3 octobre 2026.
Rémi Ducasse et al., « Nous, on ne veut rien casser, on veut se faire écouter », Le Monde , 7 octobre 2026.
« Lycéens : ce que nous dit le recours massif à la garde vue », éditorial, Le Monde , 12 octobre 2026).
Carpentier et al., « Le mouvement lycéen s’étend en France ».
Christophe Ayad, « Dans les quartiers populaires, un mouvement lycéen très politisé, accompagné, mais pas manipulé », Le Monde , 7 octobre 2026.
Lorraine de Foucher et al., « Les lycéens maintiennent la pression dans la rue », Le Monde , 10 octobre 2026.
مصدر:
https://links.org.au/students-shut-down-french-high-schools-face-class-and-racial-oppression
مراجعة ترجمة دييبل: جريدة المناضل-ة
- كيفن أندرسون أحد أهم مراجع التيار الماركسي الأنسي والنظرية النقدية المعاصرة، وتركز أبحاثه على دراسة فكر كارل ماركس، ومدرسة فرانكفورت، والحركات الثورية في الشرق الأوسط وآسيا. من مؤلفاته المتاحة عربيا كتاب : ماركس ومجتمعات الأطراف: حول القومية، الإثنيات، والمجتمعات غير الغربية
اقرأ أيضا

